تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تاريخ إسرائيل الافتراضي!

البروفيسور لورانس ديفدسن، أستاذ التاريخ بجامعة ويست تشيستر الأمريكية

(swissinfo.ch)

عاد البروفيسور لورانس ديفدسن، أستاذ التاريخ بجامعة وست تشيستر بولاية بنسلفانيا من جولة لتقصي الحقائق في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة تحت رعاية جمعية "أساتذة جامعيون من أجل سلام فلسطيني إسرائيلي".

وقد توصل السيد ديفدسن إلى استنتاجات تستحق الاهتمام، لأن بعضها مثير للذهول!

التقى السيد ديفدسن خلال جولته على مدى أسبوعين، بحوالي مائة من المسؤولين والأكاديميين والمثقفين الإسرائيليين، واستضافه مركز الدراسات الفلسطينية في واشنطن، لينقل مشاهداته للحضور من الدبلوماسيين الأمريكيين السابقين والمثقفين من العرب واليهود الأمريكيين.

وأعرب البروفيسور ديفدسن عن دهشته عندما أدرك أن الإسرائيليين يعيشون في مجتمع مغلق فيما يتعلق بتدفق المعلومات، بحيث أن ما يصلهم من أخبار يخضع لرقابة صارمة، مما جعل المواطنين الإسرائيليين أسرى لما وصفه بتحكم وسائل الإعلام الإسرائيلي في أذهانهم بترسيخ تاريخ بديل يجافي الحقائق وينتهي بالمجتمع الإسرائيلي إلى حالة من انغلاق التفكير والوقوع في الوهم والعيش في عالم افتراضي بعيد عن الواقع، وهو الأمر الذي أودى بمستقبل إسرائيل السياسي وأوصله إلى ما هو عليه من انحسار حركة السلام وارتفاع المد اليميني المتطرف.

وضرب البروفيسور ديفدسن مثالا على نظريته في وقوع الشعب الإسرائيلي في فخ التاريخ البديل فقال: "إن كل من التقى بهم من الإسرائيليين من مختلف التوجهات والمستويات أبلغوه أن 90% من الإسرائيليين يخشون على سلامتهم الشخصية من العنف الفلسطيني، وأن الفلسطينيين يرفضون السلام ولجأوا إلى العنف والإرهاب بعد أن رفضوا في كامب ديفد الثانية ما وصفته لهم وسائل الإعلام بعرض سخي قدمه إيهود باراك للفلسطينيين"، وكان كل ما جناه الإسرائيليون من عرض السلام الكريم، نشوب الانتفاضة الفلسطينية وتحولها إلى أسلوب الهجمات الانتحارية.

أسطورة ايهود باراك!

ومضى البروفيسور ديفدسن إلى القول، إن الإسرائيليين يعتقدون بأنه نتيجة لرفض الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لذلك العرض، لم يعد هناك شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه حول السلام. وأضاف، إن روبرت مالي مستشار الرئيس السابق كلينتن لشؤون الشرق الأوسط، والذي شارك بنفسه في مفاوضات كامب ديفيد الثانية، أبلغه أن العرض الذي طرحه باراك لم يكن سخيا على الإطلاق ولم يكن بإمكان الرئيس عرفات قبوله، وهو ما أكده أيضا عدد من المفاوضين الإسرائيليين.

ورغم أن ذلك لم يعد سِـرّا ونشرته وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم، ظل الإسرائيليون يرددون حتى الآن أسطورة وأكذوبة رَوّج لها زعيم حزب العمل السابق باراك، الذي لم يتحل بالقدر الكافي من الشجاعة لاتخاذ الخطوات اللازمة على طريق السلام العادل مع الفلسطينيين في كامب ديفد الثانية، فوجه اللوم إلى الرئيس عرفات بخلق هذه الأسطورة التي وصفها البروفيسور ديفدسن بأنها "تاريخ بديل روجت له وسائل الإعلام الإسرائيلية وصدقه حتى اليسار الإسرائيلي في حركة السلام وحزب ميريتس، إما بتأييد ذلك التاريخ البديل، أو بالتزام الصمت إزاءه".

وسرعان ما وجد الناخب الإسرائيلي نفسه أمام يسار صامت، ووسط مفلس عكسته سياسات حزب العمل، وإعلام يخضع للرقابة يروج لفكرة واحدة مفادها "ما دام الفلسطينيون لا يريدون السلام ولجأوا إلى العنف والإرهاب، فهم لا يفهمون سوى لغة القوة التي لجأوا إليها".

ووسط هذه البيئة المعلوماتية التي تتسم بقدر عال من التمازج بين الأيديولوجيا والتاريخ البديل التي يعيش في نطاقها المواطن الإسرائيلي، اختلطت المفاهيم في الأذهان، فاصبح الهجوم من وجهة النظر الإسرائيلية إجراء دفاعيا، والدولة اليهودية المدججة بأحدث التكنولوجيات العسكرية وترسانة من الأسلحة النووية، دولة صغيرة ومن المستحيل تقريبا الدفاع عن حدودها..

خلط الحقائق

ورغم أن الواقع يعرف أن إسرائيل هي رابع أكبر قوة عسكرية في العالم، فإن الإسرائيليين يواصلون الترويج لأنها دولة صغيرة لها حدود مستحيلة، ويستخدمون هذا الخلط للحقائق في تبرير الاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية المحتلة كعمق جغرافي دفاعي، دون أن يسأل أحد منهم نفسه: الدفاع ضد أي خطر؟ وهل هناك صواريخ تهدد أمنهم أو قاذفات عربية قادرة على الوصول إلى العمق الإسرائيلي؟

ومن خلال لقاءاته بالمسؤولين والمثقفين الإسرائيليين، وجد البروفيسور ديفدسن أن معظم الإسرائيليين لا يدركون ما الذي ألحقه الاحتلال الإسرائيلي من مصائب بالشعب الفلسطيني ودمار لكل منشآت السلطة الفلسطينية، ويرون كل تلك الإجراءات من منظور التاريخ البديل الذي تغرسه فيهم وسائل الإعلام. لذلك، يصبح التدمير إجراء دفاعيا والسور الفاصل صماما للأمان يحجب عنهم الهجمات الانتحارية الفلسطينية، ويطالبون السلطة بالسيطرة على المتطرفين والمتشددين بعد أن دمرت القوات الإسرائيلية كل ما لدى السلطة من وسائل لحفظ النظام والأمن.

وأعرب البروفيسور ديفدسن عن اعتقاده بأن التصرفات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية تتسم بالعشوائية. فقد شاهد بنفسه أن باستطاعة أي جندي إسرائيلي في الثامنة عشرة من العمر أن يقرر من تلقاء نفسه إغلاق نقطة عبور أو اعتقال أي عابر فلسطيني دون سبب وبدون صدور أي قواعد للاشتباك من القيادة العسكرية الإسرائيلية.

جمود العقلية الاسرائيلية

وضرب البروفيسور ديفدسن مثالا على جمود العقلية الإسرائيلية وعدم قبولها لأي رأي مغاير فقال، إنه كان يتحدث إلى وزير الدفاع الإسرائيلي السابق بنيامين بن إليعازر وسأله أحد أعضاء مجموعة الأساتذة الجامعيين الأمريكيين، لماذا توقفون وتفتشون سيارات الإسعاف الفلسطينية؟ فأجاب وزير الدفاع الإسرائيلي السابق: "لأنهم ينقلون فيها الذخائر والقنابل والأسلحة".

وعندما سأله الأستاذ الجامعي الأمريكي "أليس هناك فارقا بين إيقاف سيارة إسعاف للتأكد من خلوها من المتفجرات والأسلحة، وبين احتجاز سيارة الإسعاف الفلسطينية إلى أن يفارق فيها المصاب الفلسطيني الحياة؟" سارع وزير الدفاع الإسرائيلي إلى القول: "لسنا بحاجة إلى دروس منك حول كيفية حماية الأمن الإسرائيلي".

وخلص البروفيسور ديفدسن إلى القول، إنه إذا حاول أحد إقناع الإسرائيليين بانتهاج سبيل آخر مختلف عما اعتادوا عليه، قد يراه باقي العالم وسيلة أفضل، فإنهم يسارعون إلى رفض القبول بالمنهج البديل أو حتى مناقشته.

وقال ديفدسن إن هذا الانغلاق المسيطر على العقلية الإسرائيلية هو الذي يجعل الإسرائيليين يصدقون ما يروجه لهم إعلامهم من تاريخ افتراضي بديل ويرفضون مناقشة أي دلائل قد تشكل تحديا لذلك التاريخ البديل، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى فوز شارون بهذا العدد الكبير من المقاعد في الانتخابات بعد أن اعتقد الإسرائيليون أنهم سيكونون أكثر أمنا مع تطرف شارون ولجوئه إلى القبضة الحديدية في التعامل مع الفلسطينيين الذين روجت وسائل الإعلام الإسرائيلية وحتى الأمريكية أنهم رفضوا السلام ولا يفهموا سوى لغة القوة والعصا الغليظة.

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×