تركيا بين عامين: تحوّلات وتحدّيات

هناك شبه إجماع على أن عام 2003 كان بامتياز عام رجب طيب اوردوغان Keystone

استـأثرت التفجيرات الإرهابية التي شهدتها اسطنبول في شهر نوفمبر الماضي بالمرتبة الأولى في استطلاعات الرأي التي أُجريت في تركيا عشية العام الجديد.

هذا المحتوى تم نشره يوم 06 يناير 2004 - 17:01 يوليو,

ومع أن هذه النتيجة طبيعية لأن الإنسان يكون أكثر تذكراً لما مرَّ به في آخر فترة، إلا أن ما عرفته تركيا خلال العام المنقضي يستحق وقفة خاصة.

إنَّ نظرة هادئة إلى تركيا عام 2003 تُـشير إلى أن هذا البلد شهد العديد من الأحداث الأخرى الفائقة الأهمية التي اعتبرت بداية تحولات تاريخية، ينتظر أن تستكمل في عام 2004. ومن هنا تأتي أهمية العام الجديد وما قد يحمل في طياته من إنجازات بالمعنى الإيجابي للكلمة.

وإذا كان عام 2002 هو عام وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة مكتسحاً ومصفياً طبقة سياسية بكاملها، فإن عام 2003 هو بامتياز عام رجب طيب اردوغان في نظر أغلب المراقبين للشأن التركي.

فهذا الرجل الذي وُوجه بكل أنواع العراقيل من حرمان من العمل السياسي، والسجن، والإقالة من رئاسة بلدية اسطنبول، ومنعه من الترشح للانتخابات النيابية، والذي تحدَّته الصحف العلمانية الكبرى بأنه لن يصبح حتى مختاراً في قرية أو حي، استطاع، بفضل قوة الحزب الذي يرأسه وبفضل شخصيته الكاريزماتية وعناده وعزيمته ونظافة كفه، أن يُـصبح نائباً في انتخابات فرعية في 9 مارس 2003، ومن ثمَّ الوصول إلى أعلى موقع تنفيذي في البلاد، وهو رئاسة الحكومة.

لم يكن الوصول بحد ذاته هدفاً، لكنه مكَّن حزب العدالة والتنمية من العمل بصورة طبيعية، والشروع في نهج من التحولات الأساسية التي لم تشهدها تركيا من قبل. ويُـمكن القول أن حزب العدالة والتنمية صال وجال في ميدانين أساسيين هما: الاقتصاد، وملف العلاقة مع الاتحاد الأوروبي.

نجاحات معتبرة

رفع الحزب شعار مكافحة الفساد والهدر، ونجح في ذلك أيما نجاح، خصوصاً إذا تذكَّرنا أن مجموع الفساد لعشرة أعوام مضت بلغ مأئتي مليار دولار، كان القطاع المصرفي المملوك من الدولة مسرحه الأساسي.

واعتمد الحزب سياسة تقشف ناجحة مع توفير موارد مالية للدولة. وتراجع التضخم الذي كان يصل إلى أرقام فلكية (70 و80%) إلى ما دون 20% للمرة الأولى منذ ثلاثين عاماً. وانخفضت الفوائد المصرفية إلى ما دون 30% في خطوة نادرة على هذا الصعيد، مع نسبة نمو تقارب 6%.

ولعلَّ الإنجاز هنا أن الحكومة استطاعت تلافي النتائج السلبية للحرب العراقية، خصوصاً أن تركيا كانت نشطة تجارياً مع العراق، واستبعدت عن معظم عمليات الالتزام التي نفَّذتها سلطات الاحتلال الأمريكية في العراق.

وعلى هذا، فإن عام 2004 ينتظر استكمال الإنجازات ليصل التضخم مثلاً إلى ما تحت 10%، وإلى تخفيف الأعباء عن القطاع العام مع عمليات خصخصة شفافة وتحفيز إضافي للاستثمار الخارجي واقتلاع الفساد بصورة نهائية.

من جهة أخرى، نجح اردوغان وحزبه وحكومته في تجاوز أكثر القطاعات حساسية، وهي القضايا ذات التماس مع العلمانية مثل الحجاب ومعاهد الإئمة والخطباء، ودورات القرآن الكريم، وقانون الجامعات.

ومع أن الحزب فشل في تحقيق ما يُـمكن أن يُرضي القاعدة الإسلامية التي صوّتت له، إلاَّ أنه أجاد اللعب على الحبال بما حال دون أن تتحوّل الخلافات مع مراكز القوى العلمانية إلى عامل تفجير وصِـِدام مع هذه القوى، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية. ويركّـز اردوغان دائماً على عدم الدخول في سجلات تشيع مناخ التوتر الذي قد يُـبرّر لجوء الجيش إلى مبادرات انقلابية.

ولعل نجاح الحزب والحكومة الأهم، كان على صعيد تشريع معايير كوبنهاغن التي يشترطها الاتحاد الأوروبي. ومع أن العديد منها لم يُـشرّع بعد، لكن التعديلات الدستورية والقانونية التي طالت صلاحيات ونفوذ العسكر في الدولة في اتجاه تقليصها والحدّ منها، كانت العلامة الأبرز في هذه الإصلاحات، ولاسيما فيما يتعلّـق بمجلس الأمن القومي الذي انتزعت من سكرتاريته صلاحيات رسم السياسات العامة للبلاد.

وفي هذا الصدد، يقول عبد الله غول، الرجل الثاني في الحزب ووزير الخارجية، إن مجلس الأمن القومي كان في الماضي هو الحكومة، أما اليوم فهناك مجلس أمن قومي، وهناك حكومة.

صراع مع مراكز القوى

ولعل ما ساعد الحزب على ضرب جزء كبير من نفوذ العسكر هو أن المؤسسة العسكرية التركية فقدت غطاءها الخارجي الأمريكي، بعد تحميل واشنطن لها مسؤولية عدم مشاركة تركيا في الحرب العراقية، وبالتالي، عدم قدرة أي انقلاب عسكري، حتى وإن حدث على الاستمرار.

كذلك، فإن الإصلاحات التي تحدّ من نفوذ العسكر قد تمت تحت شعار الالتزام بمعايير كوبنهاغن التي يشترطها الاتحاد الأوروبي لانضمام تركيا إليه، وهو ما لا يتجرأ أحد على رفضها، ولاسيما العسكر والعلمانيين المتشددين، لأن "الأوربة" كانت هدف أتاتورك الدائم.

إن عام 2004 ينتظر أولاً، استكمال الإصلاحات، ونزع نفوذ العسكر مما تبقّـى من مؤسسات. وثانياً، التطبيق العملي لإبعاد الجيش عن التدخل في السياسة. وبالتالي، فإن مهمة حزب العدالة والتنمية ستكون حسّـاسة جدا،ً وهو سيعمل بكل قوة على تنفيذ ذلك حتى يتمكن من أخذ موعد من الاتحاد الأوروبي في نهاية عام 2004 لبدء مفاوضات العضوية مع الاتحاد.

وفي ارتباط وثيق بخطوة نيل هذا الموعد، كانت قبرص عام 2003، وستكون أكثر عام 2004 مسرحاً أساسياً للسياسة الخارجية التركية، خصوصاً أن التقرير الذي أصدره الاتحاد الأوروبي قبل شهرين، وضع بصورة مفاجئة حلّ القضية القبرصية شرطاً من شروط انضمام تركيا إلى الاتحاد.

وتبدو مهمة حزب العدالة والتنمية شاقة خلال العام الجديد في ظل انضمام قبرص اليونانية باسم كل الجزيرة إلى الاتحاد في غرّة مايو القادم، وفي ظل وجود تيار قوي جداً داخل تركيا يضم جميع القوى المحسوبة على الكمالية، والتي ترى أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يعني نهاية الاتاتوركية، وتركيا، وضياع قبرص، والتنازل للأرمن وهلمّ جرّاً.

وإذا تمكّـنت حكومة حزب العدالة والتنمية من إيجاد حل لهذه القضية قبل مايو، وفق الخطة التي اقترحها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان مع بعض التعديل، فسيكون إنجازا تاريخياً، لأن عكس ذلك إذا ما حدث، سيعود سلباً على جهود أنقرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

لذلك، فإن الصراع الذي تخوضه الحكومة التركية حول المسألة القبرصية هو قبل كل شيء صراع مع مراكز القوى الكمالية التي ستفتقد الركائز التي تستند إليها في حال أصبحت تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي.

إعادة تشكيل الهوية؟

ومما لا شك فيه، أن عام 2003 كان عام السقوط التركي في العراق، والافتراق عن الولايات المتحدة.

فخلال الحرب ضد العراق، داس أكراد العراق، بمساعدة ورعاية أمريكا، كل الخطوط الحمر التي كانت تركيا قد رسمتها خلال السنوات الأخيرة وهي: دخول الأكراد إلى كركوك والموصل، وتوسيع جغرافية كردستان، والتقدم نحو إقامة فدرالية كردية، وتهميش دور التركمان، واحتلال الأكراد مواقع مهمة في بغداد، ومنها وزارة الخارجية، ثمّ، ولعل هذا هو الأهم، منع واشنطن عبور الجيش التركي إلى داخل شمال العراق، بعدما كان يصول ويجول خلال الأعوام الأخيرة بكل حرية، وبالتالي، استمرار تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني في شمال العراق من دون التعرض لهم.

خرجت تركيا من المعادلة العراقية، كما خرجت علاقاتها مع الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ 50 عاماً، من صفتها "الاستراتيجية"، وفقدت تركيا مع احتلال امريكا للعراق قيمتها الاستراتيجية لدى واشنطن، وهي قيمة عسكرية في جوهرها.

لكن ذلك لا يُـلغي أن البلدين يحتاجان إلى بعضهما البعض في أكثر من قضية. حتى في القضية العراقية، فالولايات المتحدة لا تستطيع تجاهل تركيا ودورها كقوة إقليمية مؤثرة، وقادرة مع دول الجوار، مثل سوريا وإيران، على تشكيل حالة ضاغطة على السياسات الأمريكية في المنطقة.

لذلك، يتوقع أن تعود الحرارة إلى خط واشنطن ـ أنقرة خلال عام 2004 على أكثر من صعيد، وربّـما تكون زيارة اردوغان إلى واشنطن نهاية شهر يناير الجاري مفتاحا لتحسّـن ملموس في هذه العلاقات.

وفي المحصّـلة، ودّعت تركيا عام 2003 بأمل كبير على أن يكون العام الجديد فاتحة التحوّلات النوعية التي بدأت، والتي ستُـعيد في السنوات المقبلة تشكيلا جذريا للهوية التركية.

د. محمد نورالدين - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة