تفجيراتُ مدريد تثيرُ جدلا أمنيا في سويسرا

تطالب أطراف في الإدارة الفدرالية بتمكين الشرطة من القيام بتنصت وقائي على المكالمات الهاتفية وبمراقبة المشتبه فيهم في الأماكن الخاصة Keystone

إثر أحداث 11 مارس في مدريد، تعالت أصواتٌ في سويسرا للمُطالبة برفع جُملة من القيود المفروضة على رجال الأمن، مثل حظر التنصت الوقائي على المكالمات الهاتفية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 مارس 2004 - 09:32 يوليو,

كما أثار الجدلُ حول "افتقار" الكنفدرالية، مقارنة مع جيرانها الأوروبيين، للإمكانيات الكافية لمواجهة التهديدات الإرهابية، تساؤلات عدة حول صيانة الحريات الشخصية.

إثر تفجيرات مدريد، أجمعت الدُّول الأوروبية على ضرورة تعزيز الأمن لمُكافحة الإرهاب الذي "نجح" في توجيه ضربة قوية في قلب أوروبا، وأدرك أبناءُ القارة العتيقة أن الشبكات الإرهابية باتت تتجوّلُ في العالم كأشباح حُرة طليقة.. لا تعرف الحدود الجغرافية..تضربُ أينما تشاء ومتى تشاء!

وبينما تتضافر مساعي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لمُقاومة دوامة الإرهاب بشكل مُنسّق وفعال، تجدُ سويسرا نفسها خارجة عن هذا الإطار بحُكم خيار العزلة عن الاتحاد وما يقتضيه من اختلاف في القوانين الأمنية، وبسبب القيود التي تفرضُها القوانين الفدرالية على أجهزة الأمن، مما يُُضعف مقدرتها على مواجهة التهديدات الإرهابية المحتملة مُقارنة مع جيرانها الأوروبيين.

ثمن فضيحة 1989

فبعد الصّدمة التي أُصيب بها السويسريُون عام 1989 لدى اكتشاف لجنة برلمانية وجودَ ملفات سرية غير قانونية لمئات الآلاف من المواطنين والأجانب لدى أجهزة الأمن خلال حقبة الحرب الباردة، وضعت برن حدا لنشاطات الاستخبارات السياسية للدولة، حيث حظر القانون السويسري على رجال الأمن التنصت الوقائي على المُكالمات الهاتفية (إلا في حالات قصوى تتطلب الحصول على إذن خاص من قاضي التحقيق).

كما مُُنعت الشرطة من احتجاز الرسائل والطرود البريدية، ومن مراقبة الأشخاص المشتبهين في الأماكن الخاصة، وهي إجراءات أمنية تُعتبرُ عادية وأساسية لدى جيران سويسرا الأوروبيين.

ولئن كان التنصت على المُكالمات الهاتفية للمُشتبهين من الإسلاميين المُتطرفين لم يمنع من وقوع تفجيرات مدريد، فإنه سمح في المُقابل بتقدم التحقيق بسرعة كبيرة منذ 11 مارس.

ولو أن تلك التفجيرات حصُـلت في الأراضي السويسرية، لواجهت أجهزة الأمن صعوبة كبيرة في تجميع المعلومات التي ساعدت نظرائهم الإسبان، بفضل التنصت، على اعتقال العديد من الأشخاص الذين يُـشتبه في ضلوعهم في الهجمات.

"من المبالغة إلى التفاهة"!

هذا الاستنتاج دفع أصواتا عديدة داخل الإدارة الفدرالية للمطالبة بتخفيف النظام الأمني الحالي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المحققين السويسريين الذين يرغبون حاليا في التنصت على مكالمات شخص مشبوه، يجب أن يُقنعوا أولا قاضيا بفتح تحقيق جنائي ضد الشخص المعني بالأمر، وهو ما يعني توفرهم على دلائل كافية ومبررة، في حين يمثل الحصول على مثل هذه الدلائل هدفا رئيسيا لعمليات "التنصت الوقائي" على المكالمات الهاتفية.

ويقول جاك بيتلُو، منسقُ مكاتب الاستخبارات السويسرية في هذا السياق: "يجب تعديل القانون حول إجراءات الأمن الداخلي... لم يعد من المُمكن الاستغناء عن التنصت الوقائي". وتحاول وزارة العدل والشرطة السويسرية منذ فترة قصيرة، وبصورة كتومة، تفعيل مشروع مراجعة هذا القانون الذي يعود تاريخ اعتماده لعام 1997.

وحسب معلومات أوردتها صحيفة "الزمان" (Le Temps) التي تصدر بجنيف، سيتم قريبا إنشاء لجنة للنظر في هذه القضية وإعداد مشروع سيُطرح هذا العام على نظر البرلمان. وعلمت الصحيفة من مسؤول في المكتب الفدرالي للشرطة أن "مجموعة عمل داخلية انكبت على المسألة وناقشت مواضيع عديدة، وستُسلم نتائج أعمالها لوزير العدل والشرطة كريستوف بلوخر".

أما جاك سيمون إيغلي، عضو لجنة السياسة الخارجية للبرلمان السويسري، فيرى أن الكنفدرالية انتقلت خلال السنوات الخمسة عشر الماضية من "المُبالغة" في مُراقبة البيانات الشخصية إلى "التفاهة"، حسب تعبيره، في صيانة الحريات العامة.

ويعتقد السيد إيغلي أنه يجب منح الشرطة حرية تصرف أكبر مع تعزيز المراقبة السياسية لعملها. ويقترح في هذا الإطار تشكيل لجنة برلمانية تُنتدب من أجل مُراقبة وتحليل مُمارسات الشرطة. ويقصد السيد إيغلي بحرية تصرف أكبر للشرطة أن يتمكن رجال الأمن، في حال مواجهتهم لشبكات مُشتبهة من التنصت على مكالماتها الهاتفية "في حدود القانون".

ثقافة أمنية بالية؟

من جهته، يرى بيير سالفي، عضو لجنة سياسة الأمن في البرلمان الفدرالي أن الوقت قد حان لكي تتغير الثقافة الأمنية السويسرية، قائلا: "إن نظامنا الفدرالي لم يعد يوفر المؤهلات الأمنية الضرورية". وأوضح السيد سالفي أن العالم تغير من جراء العولمة، وأن المجموعات الإرهابية أصبحت تمتلك أيضا أدوات العولمة التي تجعل منها شبكة دولية.

وما من شك في أن الجدل حول النظام الأمني الداخلي للكنفدرالية سيدفع برن نحو إعادة النظر في ثقافتها الأمنية. ومع أن سويسرا لا تبدو هدفا مُباشرا للشبكات الإرهابية، فلا يعني ذلك أنها في مأمن تام من التهديدات. لذلك، يرى البعض أن إجراءات تعزيز الأمن الداخلي أو التوجّـه إلى إعادة النظر في أوضاعه الحالية قد لا تكفي لمواجهة تحديات الظروف الدولية الراهنة.

فسويسرا، التي اختارت البقاء خارج الاتحاد الأوروبي، تعيش في قلب القارة الأوروبية شاءت أم أبت. وقد يغلب الصالح الأمني العام للقارة يوما ما على خيار العزلة التي مازالت متمسكة به.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن التعاون الأمني بين الكنفدرالية وجيرانها الأوروبيين يواجه عراقيل جسيمة، حيث لا يمكن لسويسرا المشاركة في نشاطات الشرطة الأوروبية "أوروبول"، و لا يحق لها الاستفادة من نظام تبادل المعلومات الذي تتيحه اتفاقيتا "شنغن" و"دبلن" بين الدول الأعضاء في الاتحاد.

لذلك، يظل المُتنفس الوحيد المُتاح مقتصرا على محاولة التحرك في إطار الاتفاقيات الثنائية التي لا زال التفاوض قائما بشأنها بين الطرفين. لكن، لا يبدو أن برن وبروكسل ستتوصّـلان إلى اتفاق قريب حول هذا الملف الدقيق في ظل التوتر القائم بينهما حاليا.

سويس انفو وصحيفة "لوتون"

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة