تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تقاسم السلطة فى السودان .. مسؤوليات جسام

نائب الرئيس السوداني علي عثمان طه وزعيم الجيش الشعبي لتحرير السودان جون قرنق يلوحان بالوثائق التي تم التوقيع عليها في نيفاشا (كينيا) يوم 26 مايو 2004

(Keystone)

توصل الطرفان الأساسيان فى الأزمة السودانية الى ثلاث اتفاقيات إطارية حول تقاسم السلطة بما فى ذلك وضع العاصمة القومية الخرطوم، والوضع فى المناطق المهمشة.

وبذلك يقترب الطرفان من توقيع اتفاق شامل للسلام يجمع البروتوكولات الستة السابق توقيعها فى ماشاكوس ونيفاشا عبر العامين الماضيين.

بعد تقاسم الثروة والترتيبات الأمنية ومن قبل إقرار حق تقرير المصير لأهل الجنوب، توصل الطرفان الأساسيان فى الأزمة السودانية الى ثلاث اتفاقيات إطارية حول تقاسم السلطة بما فى ذلك وضع العاصمة القومية الخرطوم، والوضع فى المناطق التى نجحت الحركة الشعبية فى فرضها على طاولة المفاوضات وباتت تعرف باسم المناطق المهمشة الثلاث، وهى جنوب النيل الازرق وجبال النوبة / جنوب كردفان وأبيى الغنية بالنفط.

وبذلك يقترب الطرفان من توقيع اتفاق شامل للسلام يجمع البروتوكولات الستة السابق توقيعها فى ماشاكوس ونيفاشا عبر العامين الماضيين.

والخطوة الباقية قبل نقطة النهاية تتمثل فى التوصل الى اتفاقين منفصلين أولهما يحدد كيفية تطبيق الاتفاق، والثاني يتعلق بوقف اطلاق النار النهائى والشامل ودور قوات المراقبة الدولية والافريقية. ثم يوقع الاتفاق الشامل وتبدأ معها فترة تمهيدية لمدة عام، قبل ان تبدأ المرحلة الانتقالية المحددة بستة أعوام ونصف، يجرى فى نهايتها الاستفتاء فى الجنوب السودانى حول قراره بالبقاء كجزء من السودان الموحد جغرافيا، ام يتجه الى اعلان كيانه المستقل الخاص به.

مرحلة جديدة

السودان إذا على اعتاب بداية جديدة بكل معنى الكلمة، عنوانها المُعلن السلام والامن والتنمية، أما تفاصيلها فمُحملة بالكثير من الشكوك والهواجس أو على الاقل اللا يقين واللا حسم، على الأقل من ناحية كون تحويل الاتفاقات الى واقع ملموس يعد تحديا كبيرا للطرفين المتفاوضين ومن كان ورائهما من قوى اقليمية ككينيا ومجموعة دول الايغاد والولايات المتحدة والدول الاوربية، والتى أخذت على عاتقها الضغط بمختلف الاشكال والمستويات من أجل التوصل الى اتفاق شامل ينهى الحرب ويعيد بلورة سودان جديد ومختلف، سواء من ناحية شكل وأداء النظام السياسى أو الدور المُناط به عربيا وافريقيا.

إن نظرة واحدة وسريعة للغاية على اتفاق تقاسم السلطة المفصل جدا الى حد الملل احيانا يترك انطباعا قويا بأننا إزاء ملامح نظام سياسى جديد، عنوانه اللامركزية وتوزيع السلطات على اكثر من مؤسسة مركزية تعبر عن المستوى القومى وولائية ـ اى خاصة بالولايات شمالا وجنوبا ـ ومحلية. وبالطبع هناك مؤسسة على مستوى جنوبي خالص.

وهذه المؤسسات تشمل الادارة والتنفيذ جنبا الى جنب التشريع والرقابة، وتضبطها علاقة خاصة بين حكومة المركز والحكومات الفرعية المختلفة. كما أن هذا التوزيع قد تم تحديد اتجاهاته الكبرى من خلال نسب معينة يحظى بها كل طرف.

نسب وصلاحيات

فالحزب الوطنى الحاكم، الذى يمثل نظام الانقاذ فى آخر تطوراته السياسية والفكرية، سيحصل على 52% من تشكيلة الحكومة الوحدة الوطنية، فى مقابل 28% للحركة الشعبية و14% للقوى السياسية الاخرى المنسوبة الى شمال البلاد، و 6% للجنوبيين من غير الموالين للحركة الشعبية، أو منافسيها.

أما المؤسسات فتحددت فى مؤسسة تشريعية ثنائية التشكيل ومختلفة الوظائف. فهناك مجلس وطنى عام، واخر مجلس للولايات الذى يتكون من ممثلين لكل من الولايات السودانية الـ 26. والمجلسان معا يجيزان توزيع الموارد حسب النسب التى اتفق عليها فى اتفاق الثروة، بينما يجيز المجلس الوطنى الموازنة الوطنية العامة وذلك فى جلسات منفصلة لكل مجلس. ويجوز للمجلسين ان يعدلا الدستور بغالبية 75% من الاعضاء فى جلسات منفصلة ايضا.

أما المؤسسة التنفيذية فتضم الحكومة بجناحيها الرئيس ونائبيه والوزارة الاتحادية. على ان يكون النائب الاول للرئيس هو حاكم الولايات الجنوبية، أما النائب الثانى فيكون شماليا يعينه الحزب الوطنى الحاكم. ومن حيث الاختصاصات فقد تم الاتفاق ان تكون موافقة نائب الرئيس الاول شرطا لازما فى عدد من اختصاصات الرئيس كإعلان الحرب او حالة الطوارئ واستدعاء مجلس التشريع الوطنى للانعقاد والتعيينات المطلوبة للسلام. فى حين أن الرئيس لا يتمتع بنفس الحق إزاء القرارات الخاصة بالولايات الجنوبية.

ويحكم كل ذلك دستور مؤقت يجب ان يتوافق معه دستور جنوب السودان ودساتير الولايات والقوانين فى جميع مستويات الحكم المحلى، وان تكون العلاقة بين الحكومة القومية والولايات فى جنوب السودان من خلال حكومة جنوب السودان، وذلك وفق مبدأ عام هو عدم التعدى صلاحيات او مهام مستوى آخر خولها له الدستور، وأيضا تعزيز التعاون بين المؤسسات والاجتهاد من أجل تقديم الدعم لمستويات الحكم الآخرى.

أما العاصمة الخرطوم التى تعتبر العاصمة القومية فقد تحدد لها وضع خاص، فهى من جانب رمز للوحدة الوطنية، وللحركة الشعبية حق المشاركة فى إدارة شؤونها وفق نسبة معينة لم تحدد، والمفترض أن يصاغ قانون خاص للعاصمة يراعى التنوع الاثنى والدينى والاجتماعى فيها، وان يصير تطبيق القوانين الاسلامية فيها على المسلمين على ان يراعى عقوبات ذات وضع مخفف بالنسبة لمن هم غير المسلمين.

وبالنسبة للمناطق المهمشة الثلاث، وتطبيقا لقاعدة النسب فقد اعطيت نسبة 55% للحزب الوطنى الحاكم، فى حين اعطيت 45% الباقية للحركة الشعبية، وأقر مبدأ استفتاء أهل منطقة أبيى بعد ثلاث سنوات من أجل معرفة قرارهم تجاه الانضمام جنوبا أم شمالا.

مبادئ جيدة بحاجة الى تطبيق

النسب السابق الاشارة والمبادئ التى ستحكم العلاقة بين المؤسسات المختلفة، هى مجرد نماذج لما تضمنته الاتفاقيات الاطارية الثلاثة، وهى تعطى مؤشرا على الطريقة التى تم بها التفاوض، وايضا القضايا الكبرى التى يجب تحويلها من مجرد أرقام ونسب واسماء لمؤسسات افتراضية حتى اللحظة الجارية، إلى سلوك يومى وقوانين وممارسات وطنية عامة، خاصة وأن الاتفاق تحدث عن جملة من المبادئ العامة، الجيدة فى حد ذاتها، من قبيل التسامح العام وضرورة اختيار الكفاءات والمؤهلات عند اختيار الموظفين العموميين او المسئولين الذين سيتم وضعهم فى المستويات التشريعية والتنفيذية المختلفة، وحماية حقوق الانسان وضمان منع التعذيب وتأكيد حريات التعبير والحركة وحقوق الاطفال وحقوق متساوية للرجال والنساء، والمساواة امام القانون، وتحريم التمييز على اساس عرقى او دينى او لغوى، ومنع الرق وتجارة الرقيق بكل انواعها، والتأكيد على التنوع ومراعاة العادات والثقافات الفرعية فى ربوع البلاد المختلفة.

فى كل من هذه المبادئ هناك حاجة لان تصبح قناعة راسخة فى نفوس السودانيين جميعهم بغض النظر عن كونهم داخل او خارج المؤسسات السيادية المختلفة.

وإذا ما وضعنا فى الاعتبار كل هذه التفاصيل، يمكن القول ان السودان مقبل على مرحلة مهمة، تحتاج الى جهد خارق من قبل كل الاطراف، شريطة ان يسود الاقتناع بأن الاتفاق يغلق تماما مرحلة الاقتتال والحرب والصراع الى غير رجعة، وانه يمثل فرصة يجب استغلالها على افضل وجه ممكن.

والواضح هنا ان تحويل الاتفاق من مجرد حصيلة مفاوضات ثنائية بين طرفين فقط من بين جملة اطراف يحق لها أن تشارك فى تحديد مصير البلاد، الى اتفاق تؤيده وتسانده هذه الاطراف، يتطلب سياسات ومواقف جديدة من قبل الحكومة والحركة الشعبية معا.

مسئوليات حشد التعبئة والمساندة

وإذا كانت الحكومة فى الخرطوم ستكون معنية بتوفير قاعدة تأييد للاتفاق من القوى الشمالية بالأساس وكذلك من القوى الجنوبية المتحالفة معها، فإن الحركة الشعبية سيكون عليها العبء نفسه بالنسبة للقوى الجنوبية الأخرى، والتى سيكون من حقها أن تشارك فى حكومة الإقليم الجنوبى ولا تفقد الفرصة فى المشاركة فى الحكومة الاتحادية.

وكلا الطرفين، إذا ما كانا ملتزمين بصدق بالاتفاق ويؤمنان انه يدشن مرحلة تاريخية جديدة فى تاريخ السودان ككل، سيكون عليهما تعبئة كل الحلفاء فى الداخل والخارج من أجل إنجاحه وتثبيت ما فيه من مكاسب، وتهيئة افضل بيئة سياسية واقتصادية ومعنوية ممكنة قبل إجراء الاستفتاء بشأن تحديد تبعية منطقة إبيى بعد ثلاث سنوات، وبالنسبة لتقرير مصير الجنوب بعد ست سنوات ونصف.

وقد ألمح جون قرنق بأن المرحلة المقبلة ستشهد عملا سياسيا مشتركا من أجل تعبئة التأييد من كل القوى السياسية للاتفاق. أما على عثمان طه النائب الاول للرئيس السودانى فلم يغب عن باله ان هناك من يعترض على الاتفاق ويعتبره احتكارا ثنائيا للسلطة، مشيرا الى ان الايام المقبلة ستشهد جهودا لجمع الصف الوطنى، وان تقسيم السلطة لن يكون احتكارا وستكون هناك منابر متعددة للمشاركة السياسية فى الحكومة والبرلمان ولجان تعديل الدستور ومراجعة القوانين.

وكمبدأ عام يمكن القول أن الطريقة التى ستدار بها المرحلة الانتقالية سيتوقف عليها النموذج الاخير الذى سيكون عليه السودان، وانه طبقا لحجم الثقة المتبادلة بين الطرفين الاساسيين فى الاتفاق وبين سائر القوى السياسية الاخرى، سيتحدد درجة النجاح من عدمه. وإذا ما فشل الجميع ـ لا قدر الله ـ فى تحويل الاتفاق الى فرصة لبناء سودان يتمتع بالحريات والتنمية الشاملة، سيكون البديل ليس الانفصال وحسب، بل ربما قدر من الفوضى وغياب السلطة الموحدة القادرة على مواجهة اى انفلات هنا أو هناك.

نحن إذا امام جهد سياسى مكثف مطلوب ان يكون فى اكثر من اتجاه. الاول لحشد التأييد الشعبى والسياسى العام للاتفاق، والثانى لبلورة آليات للمشاركة الحقيقية، والثالث لاتخاذ خطوات تنفيذية لتطبيق الاتفاق، والرابع لاتخاذ خطوات انفتاحية ناحية المناطق والتيارات التى تلوح بالولوج فى نفس طريق الحركة الشعبية كما هو حال قبائل البجا فى شرق البلاد، أو كما يحدث بالفعل الآن فى دارفور فى الغرب على يد حركتى تمرد؛ هما العدالة والمساواة وحركة تحرير السودان.

أدوار خارجية بحاجة الى شفافية

ويظل هناك امر خامس لا يقل اهمية عن كل هذه المسائل الشائكة، ويحتاج الى نقاش شفاف وأكبر مشاركة شعبية وسياسية ممكنة، وهو ما يتعلق بحجم الادوار الخارجية التى يتم قبولها من أجل حسن تطبيق الاتفاق.

فالمعروف أن هناك خطة دولية لتمويل مشروعات التنمية فى الجنوب والشمال تقودها الان لجنة خاصة يرأسها ممثلان للبنك الدولى وبرنامج الامم المتحدة الانمائى ويشارك فيها ممثلون لجهات اقليمية ودولية عديدة، وسوف تمهد لعقد مؤتمر المانحين فى نهاية هذا الصيف فى النرويج، وهو جهد اقتصادى دولى بالدرجة الاولى، يوازيه عمل معقول تقوم الجامعة العربية من أجل توفير تمويل لعدد من المشروعات التنموية السريعة فى حدود 2 مليار دولار. وكلا الجهدين معنيان بإعطاء أمل للسودانيين بأن السلام سيوازيه تنمية ورفع المظالم وسوف يسهم فى تحسين مستويات المعيشة.

لكن الشئ الذى يثير المخاوف يتعلق اولا بعدم جدية هذه الجهات المانحة، او ربط المعونات التنموية بشروط سياسية لا قبل للسودان الجديد بها، او ان تكون الخطط والمشروعات الممولة دوليا متصادمة مع مبدأ التنمية الشاملة والمتوازنة لكل مناطق السودان. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون ذلك الأمر محل نقاش شعبى وسياسى حقيقى حتى يقدم نوعا من سياج الدفاع المسبقة امام اية محاولات خارجية لربط التمويل بنتائج مسبقة للاستفتاء بعد نهاية الفترة الانتقالية.

وارتباطا بهذه النقطة، المتعلقة اساسا بالادوار الخارجية؛ هناك ضرورة لمناقشة حدود الدور الخارجى فى القضايا المتعلقة بالامن السودانى، وتلك بدورها مرهونة بالطريقة التى سيتم بها تحديد حجم ومستوى التدخل الخارجى فى قضايا الترتيبات الامنية وتحديد مواقع القوات المشتركة او القوات الخاصة لكل طرف طوال الفترة الانتقالية، فضلا عن مراقبة ما قد يحدث من احتكاكات غير مقصودة بين قوات تابعة للطرفين. ناهيك عما قد يثيره الدور المرتقب لقوة الامن الافريقية والمراقبين الدوليين فى رعاية ومراقبة وقف اطلاق النار فى دارفور.

حساسيات قوى شمالية

إن طبيعة الاتفاق وما سيتبعه من تدخلات خارجية متعددة المستويات، ستثير بدورها الكثير من الحساسيات، لاسيما لدى قوى الشمال عامة، ومنبر او ملتقى "السلام العادل" على وجه الخصوص الذى يمثل الآن اكثر الاصوات المرتفعة الناقدة للاتفاق من قبل مثقفين وسياسيين شماليين البعض منهم حسوب بقوة على الحزب الوطنى الحاكم والتيار الاسلامى الانقاذى، حيث يعتبر هذا المنبر ان الاتفاق مصمم أساسا لاستنزاف موارد الشمال من أجل خدمة انفصال الجنوب، وأن الافضل هو ان تكون المرحلة الانتقالية لمدة عام واحد يتم بعدها الانفصال بهدوء، ويترك للشمال ان يمارس رؤيته الحضارية لنفسه بالطريقة التى يريد.

ومن المرجح أن تكون بعض هذه التدخلات الدولية غير ايجابية بالنسبة لوحدة السودان ذاتها، وان تجد فرصتها فى تمرير انفصال الجنوب وتوتير الاوضاع فى مناطق سودانية أخرى. وإن كان يحد من هذا الترجيح أن الكثير من دول الجوار الاقليمى الافريقى للسودان تأمل مرور الفترة الانتقالية على افضل نحو ممكن، حتى لا يؤدى فشل المرحلة الانتقالية فى تحقيق اهدافها برفع المظالم عن الجنوب وعن المناطق المهمشة الاخرى، الى قرار جنوبى بالانفصال، مما يربك الكثير من الدول الافريقية التى تعانى ايضا من حركات مسلحة تطالب بحكم ذاتى او تشكيل كياناتها الخاصة بها.

أخيرا، يقف السودان بكل تأكيد على عتبة تغيير حقيقى، وهو أمر لن يحسمه الا السودانيون انفسهم، فإن أرادوا السلام والتنمية والتقدم، فهم لها وعليهم تبعاته ومسؤولياته، وإن تقاعسوا فهم الذين سيدفعون الثمن قبل غيرهم.

د. حسن أبو طالب - القاهرة


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك