Navigation

تقرير التنمية الإنسانية .. رؤية نقدية

رغم بعض التحركات الإحتجاجية المحدودة في القاهرة (الصورة) وبيروت وغيرها، لم يُـقرر أغلب المواطنين العرب بعد الانخراط في حركة النضال السلمي من أجل حريته وحقوقه Keystone

يستحق تقرير التنمية الإنسانية العربية الثالث لعام 2004 وقفة تأمّـل ونوع من التأمل الفكري.

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 مايو 2005 - 14:01 يوليو,

فنحن أمام رؤية فكرية وسياسية لعدد من كبار المثقفين والباحثين والمفكرين العرب، تخص النهضة العربية الغائبة، وتستحث في سكان البلدان العربية كأفراد ومجتمعات ومؤسسات روح العمل والتضحية لإدراك ما فات ..

يستحق تقرير التنمية الإنسانية العربية الثالث لعام 2004 وقفة تأمّـل ونوع من التأمل الفكري. فنحن أمام رؤية فكرية وسياسية لعدد من كبار المثقفين والباحثين والمفكرين العرب، تخص النهضة العربية الغائبة، وتستحث فينا كأفراد ومجتمعات ومؤسسات روح العمل والتضحية لإدراك ما فات منا، وما قد يفوت أيضا، إذا بقيت الأمور العربية على حالها، أو إذا تم التعامل مع اللحظة الجارية، وهي لحظة ضاغطة من أجل الإصلاح والتغيير، بروح الاستخفاف العربي المعهودة، ووفق آليات الالتفاف والتراجع والمعالجات الشكلية، التي لا تُـسمن جائعا ولا تُـشفي مريضا.

حرية غائبة، ولكن ضرورية

يتناول التقرير في عدده الثالث، إشكالية الحرية الغائبة أو المنقوصة حسب الحالة، وبذلك، فهو امتداد للتقريرين السابقين، وخاصة التقرير الثاني الذي عالج إشكالية بناء مجتمع المعرفة، بمعنى القدرة على إبداعها وتراكمها، والاستفادة منها في تعظيم حرية الإنسان نفسه.

وفي ثنايا التقرير الثاني، كما هو الحال في التقرير الثالث، يُـمكن للقارئ أن يرى التداخل والتعشيق بين الحرية والمعرفة، وبين الحُـكم الصالح. فلا حرية بدون حكم صالح، ولا معرفة بدون حرية، ولا حرية بدون بُـنى اجتماعية ومؤسسية وقانونية تحميها وتصونها، وفي الأول والأخير، فلا شيء من هذا دون إنسان محفوظ الكرامة، يمتلك مساحة واسعة من الخيارات، ولديه فرصا أوسع لتعظيم تلك الخيارات والاستفادة منها عمليا لتحسين حياته كفرد وكمجتمع. ومن ثم، فالحرية هنا هي التنمية بمعناها الأوسع والأشمل.

إذن، المحور الذي يتعامل معه التقرير الأخير، كما في سابقيه، هو الإنسان العربي، المكبوت والضائع والمحدود الفرص والمتعطش للحرية، والعائش في ظل بيئة استبداد وتسلط، سياسيا واجتماعيا، وأيا كانت درجتها هبوطا أو صعودا، وفقا لحالة هذا البلد العربي أو ذاك.

والافتراض الذي ينطلق منه التقرير، يقوم على أساس أن اختلاف النظم العربية، بين ملكية أو جمهورية أو مشيخيات وسلاطين، لا يعني شيئا كثيرا في مجال الحرية. فالقاسم المشترك هو أن الُبـنى السياسية والاجتماعية واحدة من حيث الجوهر والمضمون، حيث تغيب الحرية أو تنقص، وحيث ينتشر الاستبداد والتسلط. فالتنوع الشكلي لا يلغي التوافق المضموني. وهكذا، يدمج التقرير بين تعميق الحرية، وبين إحداث نهضة إنسانية في الوطن العربي، وحتى يُـمكن إنقاذ المستقبل العربي من غمرة العواصف المتكاثفة التي تحيط به من كل مكان، وتضربه في كل اتجاه.

فقر في السياسة وثراء في الفكر

يجتهد التقرير في تبيان الرؤية الفكرية للحرية، كما يراها المثقفون والباحثون والمفكرون العرب، ويحاول أن يقرر الفارق المضموني بين ما انتهى إليه الفكر الغربي - الأوروبي في هذا المبحث، وما انتهى إليه الفكر العربي.

وأهمية هذا الجزء تكمُـن في كونه ليس عرضا أو دفاعا، ولكنه بمثابة تأصيل بأن مشكلة الحرية في الوطن العربي ليست مشكلة ثقافية أو مشكلة لها علاقة بالذهنية الجماعية العربية. فالعرب شأنهم شأن الأقوام الآخرين، يتوقون إلى الحرية ويُـضحّـون من أجلها، وهم قابلون لها إذا تراكمت أمامهم وأتيحت لهم، وهم أيضا مُـضحّـون من أجل حمايتها وصونها.

لكن الأمر الظاهر هنا على سبيل المنطق، وهو من المسكون عنه نسبيا في التقرير، أن العرب، ونظرا لخضوعهم لفترات طويلة من حكم الظلم والاستبداد والتسلط والاستعمار، باتوا كجماعة، وليس فقط كمفكرين، بحاجة إلى استنهاض روح الحرية فيهم، وبحاجة إلى تحفيز روح النضال السلمي داخل نفوسهم من أجل استعادة الحق ـ الضائع ـ في الحرية.

ولعل هذا المضمون الذي يستشعره القارئ في كثير من المواضيع، هو الذي جعل التقرير مؤكّـدا على ضرورة أن يكون هناك طليعة عربية بمعناها الواسع من قانون ومؤسسات وأفراد، تثبت هذا الحق وتحميه.

فإذا كان هناك فقر في الحرية بمعناها السياسي المُـعاش، فإن الجانب الفكري لدى العرب يتمتع بثراء مشهود.

حرية وحكم صالح

ولما كانت الحرية هي السبيل إلى تحقيق الغايات الإنسانية الأسمى، كما سبق القول، ومن ثم، فهي مرهونة بحكم الرشيد والصالح، فيبرز تساؤل جوهري: هل يتحمل الواقع العربي الراهن بكل نواقصه، الظاهرة والباطنة، مثل هذه الحرية الغائبة والضرورة معا؟ علينا هنا أن نُـدرك أن الحكم الصالح الذي يعنيه التقرير، هو مزيج من المبادئ والآليات والمؤسسات التي تصون الحرية، وتعزز المشاركة الشعبية الفعالة، وتقوم على المؤسسات التي تمثل نقيض حُـكم الفرد، وتخضع للمساءلة، وحيث يسود القانون المنصف والحامي، ويتطلب تضافر قطاعات ثلاث، هي الدولة، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص.

إذا وضعنا في الاعتبار هذه العناصر للحكم الصالح، يُـصبح من اليسير القول أن الدولة العربية الراهنة بحاجة إلى تغييرات جذرية، حتى تتحمل أعباء الحرية الإنسانية.

والمعضلة هنا، تتجاوز بالفعل مسألة قابلية الدولة والمجتمع للتحول إلى الحرية المنشودة، إذ هي بحاجة إلى تطور سلمي أيضا، ولكنه مُـقنَّـن، وهذا يعني أن نُـخبة الحكم الراهن في عموم الوطن العربي سيكون عليها عبء هذا التحول، أو جزء منه على الأقل. ولما كانت قد اعتادت على التسلط وعدم المحاسبة والتلاعب بالقانون، وطمس الحرية نفسها، فكيف يمكن لنا أن نتوقع منها التحول من الحالة الطاردة للحرية إلى النقيض، أي حالة المشارك في بنائها وتعزيزها.

معضلة الإصلاح الشامل

هذه المعضلة هي نفسها معضلة الإصلاح السياسي أو الشامل الذي يكثر الحديث عنه في هذه الآونة في كل بلدان الوطن العربي، إذ كيف يتحول المسؤولون عن غياب الإصلاح إلى دُعاة له، وإلى مطبّـقين لعناصره، وإلى مُـناصرين لمشاركة شعبية واسعة، هم أول من حاصروها ووضعوا القوانين المانعة لها.

لعل التقرير هنا في ابتداعه لمفهوم "دولة الثقب الأسود"، مستعيرا بذلك مفهوما فلكيا، يعني تلك الظاهرة الكونية التي تشد كل شيء إلى داخلها وتحوِّله إلى عدم، فلا يخرج منها شيء أبدا، ولا يعرف ماذا يجري بداخله، يضع الإصبع على أكبر إشكالية تواجهها الحرية الإنسانية في الوطن العربي.

فالدولة التي يُـفترض أنها حامية لها لا تعترف بها أصلا، كما أن المجتمع الذي تستهدفه هذه الحرية، مشغول باستنفاذ القوة والموارد، وليس تنميّـتها. والحرية، كما ورد في التقرير تحتاج إلى "من يعمل بها ويحميها ويزيدها منعة وأصالة".

هنا، تبرز إشكالية المجتمع العربي على نحو صارخ. فهل هو يُـؤمن بها أم يتلهى بها؟ وهل يُـدرك ما فاته أم أنه فاقد الوعي بما مضى وبما قد يأتي في المستقبل؟

احتمال رابع

لقد وضع التقرير ثلاثة احتمالات مستقبلية للدولة العربية، استنادا إلى تشخيص دقيق لحالة الحرية وعوائقها في الوطن العربي. أولها، الخراب الآتي، وثانيها، الازدهار الإنساني، وثالثها، بديل وسط، يخضع لضغوط الخارج. فالخراب الآتي، قادم إذا استمرت الأوضاع الراهنة بما فيها من تلازم للقهر في الداخل، والاستباحة في الخارج حسب قول التقرير.

أما نقيضه، فهو الازدهار الإنساني الذي يأتي عبر عملية تاريخية تتبناها جميع الشرائح المناصرة للإصلاح، وبما يقود إلى إعادة توزيع القوة في المجتمع، وإقامة الحكم الصالح، وربما جاء مسار وسط يجمع بين خطوات إصلاحية، ولكنها لإرضاء الخارج قبل الداخل.

ويمكن أن نُـضيف بديلا رابعا، هو نظري بالأساس، وهو أن تستمر العجلة في الدوران، ولكن في المحل ذاته، مع بعض "الرتوش" والتجميل، وبقاء الجوهر على ما هو عليه، ومما نراه في العديد من البلدان العربية، حيث حركة محدودة تقوم على شكل تعددي وديمقراطي نسبي، ولكنه مقرون باستمرار ذات التسلط المؤسسي والمجتمعي.

وما يدفعنا إلى هذا الافتراض، نابع من ملاحظتين: الأولى، أن حركة الحكومات العربية بطيئة في مجال الإصلاح، وهي حركة معدومة أو محدودة جدا من حيث مشاركة الجماهير فيها. فكل شيء يأتي من أعلى، وعلى الأدنى أن يقبل دون ضجر.

أما الملاحظة الثانية، فهي وجود حالة كسل مجتمعي في قبول ضرورة التضحية من أجل تحقيق الازدهار الإنساني المرغوب نخبويا ومنطقيا. فالإنسان العربي، والذي اعتاد أن تقوم الدولة المستبدة أو المتسلطة، حسب الحالة، برعايته أبويا، ورغم ملله وضجره من تلك الحالة، فإنه لم يُـقرر بعد الانخراط في حركة النضال السلمي من أجل نفسه وحريته.

والمعضلة هنا، متى يتحرك هؤلاء؟

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.