تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

جائزة غير منتظرة وجدل متوقّـع!

السيدة شيرين عابدي تتحدث إلى وسائل الإعلام لدى وصولها إلى مطار مهراباد في طهران مساء 14 أكتوبر 2003

(Keystone)

حظيت شيرين عابدي، المحامية الإيرانية الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2003 باستقبال حاشد لدى عودتها إلى طهران مساء الثلاثاء.

وقالت في اول تصريحات لها في بلادها "إن هذه الجائزة تعني أن مطالب الشعب الإيراني بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والسلام قد سُـمع من طرف شعوب العالم أجمع"

قبل 70 يوما من موعد إجراء الإنتخابات البرلمانية المقبلة في إيران (المقررة ليوم 20 فبراير 2004)، سوف تتسلم شيرين عبادي في الحفل المهيب الذي ينتظم كل عام في العاصمة السويدية جائزة نوبل للسلام لعام 2003 لتدخل التاريخ بصفتها أول سيدة مسلمة تتحصل على هذه الجائزة العالمية ذات الرمزية الفائقة.

ومع أنه لا يمكن لأحد أن يتهم أعضاء اللجنة التي اختارت، بل انتقت بعناية شديدة جدا، المرشحة الإيرانية المسلمة من بين أكثر من 160 اسما مقترحا لنيل الجائزة، بالسعي للتدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية إلا أن المرء لا يحتاج إلى سعة اطلاع سياسي أو ثقافي ليفهم أن اللجنة هدفت – من خلال قرارها - توجيه رزمة من الرسائل وضرب عصافير عديدة بحجر واحد.

وبالمناسبة فهذه ليست المرة الأولى – ولن تكون الأخيرة - التي تبعث فيها هذه اللجنة برسائل محددة في لحظات تاريخية حاسمة إلى من يهمهم الأمر في مواقع ملتهبة من العالم.

فقد ذكرت اللجنة في معرض شرحها لمبررات قرارها منح الجائزة للمحامية الإيرانية أنها تأمل «أن تكون الجائزة مصدر إلهام لكل المناضلين في إيران والعالم الإسلامي» وهي جملة شبيهة إلى حد بعيد بما قالته نفس اللجنة عند إسناد جائزة نوبل للسلام إلى الزعيم النقابي البولندي الشهير ليخ فاونسا حين أشارت إلى «أن الكفاح من أجل الحرية يحتاج إلى جهد كبير»..

صدام الحضارات؟

وفيما تعددت القراءات والتنظيرات داخل إيران والعالمين العربي والإسلامي للمغزى (أو المغازي) الكامن وراء حصول السيدة شيرين عبادي لجائزة نوبل للسلام يمكن القول أن أهمها قد يكمن في أن الحدث فرض على الجميع، مسلمين وغير مسلمين، مؤيدين لنظرية صراع الحضارات ومعارضين لها داخل العالم الغربي وخارجه، إصلاحيين ومحافظين داخل إيران، إسلاميين وعلمانيين في العالمين العربي والإسلامي، التوقف عند القرار ومراجعة عدة مسلمات وبعض الحسابات.

وبعض النظر عن محاولات "التفسير" المتباينة التي صدرت منذ يوم الجمعة الماضية والتي سعى من خلالها أصحاب كل فريق "جذب البساط" إلى ناحيتهم لتبرير مواقفهم أو سياساتهم أو مشاريعهم، فان القرار قد وضع فعلا النقاط على عدة حروف.

ولعل أهم هذه الحروف يتمثل في أنه بالإمكان القول اليوم أن المرأة المسلمة (وخاصة على مستوى النخبة) قد استعادت - على عكس ما يُروج هنا وهناك - حضورها المجتمعي وفعلها الحضاري الإيجابي في أغلب بلدان العالم الإسلامي.

لذلك فان حصول حقوقية مسلمة تمارس مهنة التدريس في الجامعة وألفت 11 كتابا في مجال القانون وأوضحت من خلال كفاحها اليومي قولا وفعلا "أن القرآن يتلاءم مع حقوق الإنسان" يمثل تفنيدا صارما لما يُروّج له منظرو "صراع الحضارات" وارتباط الإسلام – كديانة - والمسلمين - كصنف من البشر - والنساء منهم بوجه خاص بالتخلف والنكوص عن مكتسبات الحداثة والعصر.

فالسيدة عبادي التي تبلغ 56 عاما من العمر كانت أول سيدة تُعيّن في منصب قاضية من طرف الشاه في عام 1974 وعلى الرغم من تنحيتها من منصبها بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، فقد استمرت في العمل في سلك المحاماة والتدريس في الجامعة وتحولت بحكم عملها إلى مدافعة صلبة عن حقوق الطفل والمرأة وعن المعارضين السياسيين
بشكل عام.

باسم الجميع

على صعيد آخر، يجدر التنويه إلى أن المحامية الإيرانية الفائزة بالجائزة ليست – من الناحية الواقعية - إلا أنموذجا مصغرا لمئات الآلاف بل لملايين النساء المسلمات الناشطات في شتى المجالات الإقتصادية والتعليمية والحقوقية والإنسانية في مختلف بلدان العالم سواء كانت إسلامية أم لا.

كما تمثل السيدة شيرين عابدي شريحة نشطة تضم أعدادا متنامية من المناضلات السياسيات والمدافعات عن حقوق الإنسان في دول المنطقة العربية والإسلامية اللواتي يتعرضن يوميا لمختلف أشكال المضايقة والملاحقة والقمع والتعذيب بسبب إصرارهن على ممارسة الحقوق التي نصت عليها دساتير دولهم أو لمجرد مطالبتهن السلطات تنفيذ بنود المعاهدات الدولية التي صادقت عليها.

لذلك فان الجائزة – تتجاوز من هذه الناحية الحيز الإيراني المحدود – لتشمل كل النساء (والرجال أيضا) الذين دفعوا منذ عشرات السنين ثمنا باهظا جدا بسبب نضالهم ضد كل انتهاكات حقوق الإنسان وسط تجاهل وصمت دولي مطبق.

بل إن من شأن هذه الجائزة أن تُشعر الكثيرين في العالمين العربي والإسلامي سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة أو ضمن نشطاء حقوق الإنسان أن المجتمع الدولي بدأ يُولي مسألة الحريات وآحترام حقوق الإنسان في بلدان المنطقة قدرا أكبر من الإهتمام والمتابعة.

وبالفعل لقي الحدث ترحيب العديد من نشطاء حقوق الإنسان في العالم العربي على غرار السيد نجيب الحسني المتحدث باسم المجلس الوطني للحريات بتونس (المحظور) الذي آعتبر في تصريحات صحفية حصول السيدة عابدي على جائزة نويل للسلام بمثابة "عزاء عظيم لجميع المسلمين رجالا ونساء على حد سواء في وقت تم فيه ربط الإسلام بالإرهاب من جانب بعض الدوائر في الغرب" على حد قوله.

في المقابل، ارتفعت أصوات أخرى للتحذير من محاولات أجنبية مشبوهة لاستغلاله من أجل فرض المزيد من الضغوط على الهوية والمفاهيم الإسلامية من جانب الغرب. ولم تتردد صحيفة "الوطن" السعودية مثلا في وصف قرار منح الجائزة ب "السياسي" ووضعته في خانة "الضغوط الغربية علي العالم الاسلامي".

صدى الرسالة في الداخل الإيراني

ومثلما كان متوقعا، شكّـل منح الجائزة - ذات الأبعاد الرمزية الهائلة – لمدافعة عنيدة عن حقوق المرأة والأطفال في بلادها ومُعارضة عنيدة لتيار المحافظين المُمسك بالمفاصل الرئيسية للسلطة الإيرانية إحراجا لا يخفى في طهران.

ففيما صرح السيد محمد علي أبطحي معاون رئيس الجمهورية بعد ساعات من إعلان النبإ أنه "مرتاح أن يُمنح إيراني وبالخصوص إيرانية جائزة نوبل للسلام، فهو مؤشر علي الحيوية الكبيرة للنساء الإيرانيات وحضورهن علي الساحة السياسية والاجتماعية"، انتظر السيد محمد خاتمي (الذي انتخب في عامي 1997 و2001 بفضل تأييد واسع من جانب النساء والشباب والذي يوشك اليوم على خسارة مواجهته المريرة مع المحافظين) خمسة أيام كاملة ليُعرب عن سعادته لنيل مُواطنته لجائزة نوبل السلام.

وفيما قلل الرئيس الإيراني من شأن الجائزة التي آعتبر أنها "ليست مهمة"، عبر عن الأمل في أن "تنتبه السيدة عابدي إلى مصالح العالم الإسلامي وإيران" وأن "لا تسمح بأن يتم استغلال نجاحها".

ولا يستبعد المراقبون أن يؤدي تزامن منح جائزة نوبل للسلام إلى السيدة شيرين عابدي مع احتدام الصراع بين أجنحة السلطة الإيرانية وفي ظل اشتداد الضغوط الخارجية (سواء ما تعلق منها بالبرنامج النووي الإيراني أو بملف حقوق الإنسان) في أعقاب آحتلال الولايات المتحدة للجار العراقي، إلى مزيد من تأجيج الأزمة الداخلية للنظام الإيراني.

لذلك لم يكن مستغربا أن يرى المحافظون في منج جائزة نوبل للسلام إلى معارضة شرسة حكم عليها القضاء الإيراني في شهر يوليو 2000 بالسجن (مع تأجيل التنفيذ) مؤامرة أجنبية، بل ذهب أسد الله بادامشيان رئيس اللجنة السياسية لتحالف الرابطة الإسلامية (أبرز تحالف للقوى المحافظة في إيران) إلى القول: "إذا ما مُنحت هذه الجائزة كمكافئة للخدمات التي قدمها الإصلاحيون لسياسة الغرب، فإن ذلك يمثل فضيحة".

آمال ومخاوف

ومع أن هذه المواقف لا تخرج عن إطار تصفية الحسابات السياسية الضيقة بين جناحي الحكم المتصارعين في إيران إلا أنه لن يكون من السهل على الطرفين تجاهل الواقع الجديد الناجم عن منح أستاذة جامعية ومحامية ومدافعة عن حقوق الإنسان أهم جائزة دولية في هذا المجال.

ذلك أنه من بين الأسباب التي بررت بها لجنة التحكيم النرويجية قرارها منح جائزة نوبل للسلام لهذا العام للسيدة شيرين عابدي تعريفها بـ "مسلمة نابهة، متعلقة بشكل خاص بالكفاح من أجل حقوق النساء والأطفال" والتأكيد على أنها "أثبتت نفسها كشخصية كفؤة وشجاعة لم تأخذ أبدا بعين الإعتبار التهديدات التي كانت تستهدف سلامتها".

وهو ما يُمكن أن يُترجم - مستقبلا - في حماية دولية لهذه السيدة التي قد تتحول بفعل ما قد يستجد من أوضاع في الداخل الإيراني إلى رمز من رموز التغيير المرتقب في البلاد مثلما حدث سابقا مع أندريه ساخاروف في الإتحاد السوفياتي (حصل على الجائزة في عام 1975) وليخ فاونسا في بولونيا(1983) والسيدة أونغ سان سو تشي في بورما(1991).

ومن المؤكد أن حرص السيدة عابدي في أول تصريحات لها فور عودتها إلى طهران مساء الثلاثاء 14 أكتوبر أمام حوالي عشرة آلاف من المستقبلين (أغلبهم من النساء) على تجديد المطالبة بالإفراج عن جميع المساجين السياسيين في البلاد والتأكيد على أن حصولها على جائزة نوبل للسلام يعني أن "شعوب العالم أجمع قد استمعت إلى مطالب الشعب الإيراني بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والسلام" يمثل إشارة تحد قوية للمحافظين رغم كل التحذيرات.

كمال الضيف - سويس إنفو


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×