Navigation

جردة حساب لأولى حروب العولمة في العراق

مثلت الأسلحة والبترول العناصر الأبرز ضمن دوافع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق في عام 2003 Keystone Archive

قدر المركز الدولي لأبحاث السلم في جنيف حصيلة حرب العراق الأخيرة بحوالي 24 ألف قتيل عسكري ومقاوم، وما بين 15 ألف و100 ألف قتيل مدني إضافة إلى الفي عسكري أمريكي.

هذا المحتوى تم نشره يوم 31 أكتوبر 2005 - 07:01 يوليو,

في حديث خاص، يشرح جابرييل جاليس، الأمين العام العلمي للمركز التكلفة الرهيبة لـ "أولى حروب العولمة التي تمت تجربتها في العراق".

خصص المركز الدولي لأبحاث السلم في جنيف نشرته الثالثة للحرب في العراق وقد جاءت في شكل حوصلة لفعاليات ملتقى أكاديمي نظم في شهر يونيو عام 2003.

الدراسة التي نشرت تحت عنوان "حرب العراق أزمة دولية" تطرقت للأبعاد التاريخية والسياسية والقانونية لصراع وصفه المركز بأنه يمثل "إهانة للقانون الدولي ولحقوق الإنسان وحقوق الشعوب، وللديمقراطية وحتى للذكاء والعقل".

في الحوار التالي الذي خص به سويس إنفو يتطرق مدير المركز جابرييل جاليس إلى خصائص هذه الحرب وإلى تكلفتها الباهظة على المستويات البشرية والمادية والاجتماعية والسياسية.

سويس إنفو: ما هي الأسباب التي جعلت المركز الدولي لأبحاث السلم يهتم بالحرب العراقية، ومتى بدأ هذا الاهتمام؟

جابرييل جاليس: الأسباب التي دفعت المركز الدولي لأبحاث السلم في جنيف GIPRI للاهتمام بالحرب العراقية تعود إلى أننا مؤسسة تهتم بتحليل الأسباب التي تعرقل استتباب السلم أي الحروب. وحالة العراق حالة هامة نظرا لأنها المرة الثانية التي تعرف فيها هذه المنطقة حربا كبرى بعد الحرب الإيرانية العراقية.

والسبب الثاني هو أن هذه الحرب لها دوافع وأسباب متعددة، فهي تعتبر حدثا اقليميا ودوليا في آن واحد ولها أسباب سياسية واقتصادية في نفس الوقت. كما رأينا أنها حرب قد تكون لها آثار كبرى ولزمن طويل بالنسبة لعدد من الدول بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية.

سويس إنفو: من التساؤلات التي طرحتموها، تلك المتعلقة بطبيعة هذه الحرب. ما هي النتيجة التي توصلتم إليها؟

جابرييل جاليس: من السمات الأولية لهذه الحرب أنها حرب جيو سياسية وجيو اقتصادية في نفس الوقت. ويمكن أن ننظر الى الدوافع البترولية دون أن نقتصر على هذه النظرة وحدها إذ يتعلق الأمر ايضا بالاستيلاء والتحكم في منطقة استراتيجية حيوية غير بعيدة عن آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.

وكما قال المستشرق جاك بيرك في قوله المدون في بداية النشرة: "من يهتم بالعراق فقد اهتم بمهد الحضارة"، ومن يحطم هذا البلد فقد يعمل لا محالة على تحطيم قطب من أقطاب الحضارة بغض النظر عن نظام صدام حسين لأننا في دراساتنا نعالج الدول من حيت بعدها التاريخي والسياسي وليس بالنظر الى بعدها الحكومي.

سويس إنفو: في تطرقكم لطبيعة هذه الحرب تفضلتم بوصفها على أنها حرب "ذات أبعاد جديدة". ما المقصود بذلك بالضبط؟

جابرييل جاليس: إنها حرب شاملة ليس فقط ببعدها الجغرافي بحيث شاركت فيها عدة دول، بل لأنها أيضا مزجت بين عدة ميادين عادة ما تكون منفصلة مثل العنصر الديني والسياسي والاقتصادي.

ففي وضع الولايات المتحدة الأمريكية نجد أن الذين دعموا حملة الرئيس بوش هم أنفسهم الذين لهم مصلحة اقتصادية في غزو العراق وقد جسدت الإدارة الأمريكية في العراق ذلك بفتح السوق العراقية أمام الشركات الأمريكية. فنحن اليوم أمام أول حرب من حروب العولمة التي يتم فيها تحريض البعض ضد البعض الآخر بدافع أيديولوجي ودافع المنفعة الاقتصادية. وحيث تتم المواجهة بين تيارين متطرفين يجسدهما كل من بن لادن وجورج بوش اللذان يعتبران وجهين لعملة واحدة.

وهذه المواجهة القاتلة تعتبر في غير صالح العرب كما أنها في غير صالح الأطراف الأخرى وهذا ما توصلنا إليه من تحاليل مختلف البحاثة المشاركين في أعمالنا. لان فلسفة المركز الدولي لأبحاث السلم في جنيف تكمن في عدم التمسك بنظرة واحدة بل الاستفادة من نظرة مختلف التيارات والثقافات والأديان. وهؤلاء على اختلافهم توصلوا الى نفس النتيجة.

سويس إنفو: لكن الذين خاضوا هذه الحرب عللوا ذلك بكونها في صالح الشعب العراقي؟

جابرييل جاليس: إنها مسخرة لأن ما حللته في دراستي هو أن الشعب العراقي هو الخاسر بالدرجة الأولى. فقد عاش هذا الشعب حربا أولى قبل أن يقحم في هذه الحرب الثانية. وهناك تقديرات حول عدد الضحايا في حدود مليون قتيل ما بين ما خلفته الحرب الأولى والحرب الثانية إضافة الى ما خلفه الحصار. ولنا أمل في أن تظهر في يوم من الأيام الأرقام الحقيقية.

وعن ضحايا الحرب الأخيرة وحدها هناك تقديرات تتراوح ما بين 25 الف و 100 ألف قتيل في صفوف العراقيين وحدهم يضاف إليهم أكثر من 2000 عسكري أمريكي وعدد من البريطانيين والبولنديين والبلغار.

لقد تم الإدعاء بان هذه الحرب ستحرر المرأة العراقية، وما نقرأه وما نسمعه أن النساء العراقيات يعتبرن أن ما يتم اليوم هو اتعس بالنسبة لهن بحيث حتى ولو كانت هناك دكتاتورية فقد كان بإمكانهن الخروج للعمل والخروج غير محجبات ولم يكن يعرفن النقص في التموين وفي المياه. ومن يدعي بأنه جاء لتحرير الشعب العراقي هذا نوع من الرياء لأنه لا نحرر الشعوب بقذائف المدافع وبالقتل والتعذيب.

سويس إنفو: كيف توصلتم الى هذه الأرقام؟

جابرييل جاليس: إننا مؤسسة أبحاث مواردها محدودة لا تسمح لها بالقيام بدراسات ميدانية، ولكن بإمكاننا تجميع كل المعلومات الصادرة عن الحرب العراقية. وهذه المعلومات إما واردة من مصادر باحثين أمريكيين وقد أشرنا الى تلك المصادر في كتيبنا. وهناك من قاموا بإحصاء القتلى في المستشفيات وهنا نصل الى ما بين 20 و 25 ألف قتيل. وهناك طريقة أخرى استعملتها مجلة "لانسيت" Lancet اعتمدت فيها على حسابات ترتكز على النقص في العدد السكاني انطلاقا من حالات موثقة. وتوصلت الى حوالي 100 الف قتيل.

والتقدير المحدد بين 20 و25 الف قتيل هو تقدير معقول بالنسبة للحرب الأخيرة علما بأن الأمريكيين استعملوا أسلحة جد متطورة مثل القذائف الناسفة التي تقضي على الأوكسجين في المناطق التي تسقط فيها. وحتى ولو تعلق الأمر بعسكريين لا يمكن القول أنه كان لهم خيار في خوض تلك الحرب في نظام دكتاتوري وبالتالي يجب ان يتم إحصاؤهم أيضا.

والغريب أنه لم تصدر أية إحصائيات رسمية لحد الآن. وحتى إحصائيات القتلى الأمريكيين لا تشمل إلا قتلى القوات النظامية والتي يجب أن يضاف لها قتلى القوات الخاصة التي لا يمكن الإفصاح عن مشاركتها في القتال ثم المرتزقة وهو ما يعمل على رفع العدد الى أكثر من ذلك.

ويضاف الى هذه الآرقام أرقام المعطوبين من الجانبين لكن ما هو اعمق هو الثمن الذي ستخلفه هذه الحرب على مستوى الشعور بالثأر. وفي هذا الإطار يمكن القول أن الولايات المتحدة الأمريكية قد خسرت الكثير من مكانتها ومن مصداقيتها نظرا لأنه أصبح ينظر لها على أنها لم تعد تحترم القانون الدولي وانها تنتهك عددا من القواعد والقوانين. وما يثلج الصدر بالنسبة لوضع الولايات المتحدة الأمريكية انها كبلد ديمقراطي بها من المثقفين والبحاثة المحبين للسلام والمتحلين بالشجاعة الكافية لمحاربة سياسة حكومة الرئيس بوش والذين يقدمون لنا معلومات حقيقية. وهم يمثلون مفخرة الولايات المتحدة.

وباعتمادنا على هذه المصادر الأمريكية نكون قد برهنا على أننا لسنا ضد الولايات المتحدة الأمريكية لان من يرغب في تصنيف العالم إما مع أو ضد الولايات المتحدة الأمريكية يخضع لتقييم بسيط لغاية لأن الولايات المتحدة بها من الأمريكيين من يجري وراء تحقيق المصالح المادية من وراء هذه الأزمة وبها أيضا من يُدين ذلك ويفضحه.

سويس إنفو: وأيضا من يستشهد بالإجراءات الديمقراطية والانتخابات الجارية لتبرير أن هناك جوانب إيجابية للتدخل العسكري في العراق، ماذا تردون عليه؟

جابيريرل جاليس: الجواب هو أنه لا يمكن ترسيخ الديمقراطية عن طريق قاذفات القنابل. كان هناك إجراء ديمقراطي هو تحقيق هانس بليكس حول اسلحة الدمار الشامل. وهو ما دونه في كتابه بعنوان "الأسلحة التي لم يعثر عليها". لأنه إذا كان الهدف من التدخل هو لوضع حد لانتشار أسلحة الدمار الشامل، كان هذا المسار على وشك تحقيق ذلك.

ما تم هو معاقبة شعب وليس الحكام ومن يقول أن ذلك من أجل الديمقراطية عليه أن ينظر الى حالة التطرف والتهديد بتقسيم البلاد السائدة اليوم من جراء تسليح الميليشيات المختلفة إما على أساس عرقي او ديني او عشائري.

سويس إنفو: وكيف تنظرون الى المسارات المتعاقبة للانتخابات والتصويت على الدستور وما إلى ذلك تحت إشراف حكومة انتقالية؟

جابرييل جاليس: لا يمكن إقامة حكومة انتقالية تحت الاحتلال هذا أولا . وثانيا يتم وفقا للمثل القائل "فرق تسد" تقسيم خيرات البلاد بمنحها لجهات بإمكانها أن تخضع استغلالها لشركات أمريكية، في حين يتم تجريد فئات أخرى من تلك الخيرات.

وهذه العملية كان بالإمكان أن يقوم بها الشعب العراقي بعيدا عن تدخل الاحتلال. وكلما تعفن الوضع كلما أصبح من الصعب الاستمرار في تعايش بين كل هذه الفئات. ومن اوقدوا هذه النار بالأمس يتساءلون اليوم عن كيفية إطفائها. الأجدى بهم لو لم يوقدوها بالمرة لأن الديمقراطية مسار لا يمكن أن يستورد من الخارج وكلما وقعت محاولات استيراد للديموقراطية كانت النتائج أتعس.

ولئن نجحت تجربة بناء وطن ديمقراطي في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية فلأن المانيا كانت لديها تقاليد ديمقراطية من قبل. أما العراق الذي عرف تجربة دكتاتورية زادت حدة في السنوات الأخيرة ، كان البلد العربي الأكثر تقدما. وكان الأجدى مصاحبة ذلك بدفع نحو التغيير الديمقراطي بدل القضاء على النظام كلية.

سويس إنفو: هل القضاء على كيان هذا البلد العربي الأكثر تقدما كان من بين أهداف هذا التدخل ؟

جابرييل جاليس: أعتقد أنه كان أحد الأهداف. وليس عبثا أن تم تحطيم مقومات الدولة وهو ما عمق الخلافات الداخلية بين مختلف المكونات.

وها نحن اليوم في لعبة توازن تهدف الى تقديم ضمانات لأكراد العراق بدون تقديم نفس الضمانات لأكراد تركيا لكي لا يتم إغضاب حكومة بلد حليف.

لقد كان لزاما احترام الهويات الوطنية والحرمة الترابية لأنه كلما تم تفكيك بلد بهدف الاستفادة كانت النتائج عكسية وخير مثال في هذا السياق ما حدث في يوغوسلافيا.

سويس إنفو: من بين النتائج التي توصلتم إليها في تحليلكم تكلفة هذه الحرب بلغة الأرقام. كم كلفت هذه الحرب ضد العراق؟

جابرييل جاليس: ما توصلنا إليه اليوم هو حوالي 200 مليار دولار او أكثر بقليل حسب العديد من المصادر الموجودة على شبكة الإنترنت ومن بينها العديد من المصادر الأمريكية التي اعتمدت على مصادر الكونغرس الأمريكي.

وما يجب أن نركز عليه من خلال هذه القراءات كمعهد بحث وتحليل، هو معرفة المنطق الكامن وراء هذه العملية فهده الأموال ليست أموالا ضائعة بالنسبة للجميع.

لقد اشرت في الدراسة الى مبدأ "التحطيم البناء" لجوزيف شومبيتر، وهو ما يعني أن هذه الأموال ستعاد رسكلتها بقيام جهة بالتحطيم بينما تقوم الجهة الثانية بالبناء والكل ينتمي الي كيان واحد. وهذه الفئات على اختلافها تقف وراء حملة إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي. وهو نظام يبدو أنه ناجع وإن لم يكن ذلك متماشيا مع الأخلاق.

وهذه المعلومات متوفرة لمن يرغب في التعرف عليها على شبكات الإنترنت وإن كانت لا تسترعي اهتمام وسائل الإعلام الكبرى.

سويس إنفو: وكيف تنظرون الى مستقبل العراق والمنطقة بعد هذا التحليل؟

جابرييل جاليس: لسنا منجمين ولكننا كبحاثة نقوم بتحليل المعطيات التي أمامنا. وإذا كان ما يحدث مقلقا على المدى القصير، فلدي قناعة من أنه على المدى الطويل ستتمكن الشعوب في العراق وفي الولايات المتحدة الأمريكية من تحكيم العقل والمنطق. وأن التقلبات في التحالفات من اتباع واشنطن الى أعداء لها ما هي إلا ظواهر ظرفية.

وما هو ضروري اليوم هو تحديد استراتيجيات اقليمية ومن مصلحة أوروبا أن تدلي بدلوها في منطقة الشرق الأوسط الذي يتطلب إيجاد حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي يعتبر شوكة في قلب المنطقة والعالم.

لقد تم الحديث عن اسلحة الدمار الشامل غير الموجودة في العراق ولكن نعرف جيدا أنها موجودة في إسرائيل وهذا يبدو أمرا غير مزعج بالنسبة للعديد. مهمتنا في المعهد هي دراسة كيفية جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة منزوعة من السلاح النووي، وبالتالي فإننا نقوم بدراسة ذلك حيث نتوقع أنه موجود وليس في المناطق الخالية منه.

على المدى البعيد يبدو لي أن على العالم وعلى الكيانات الإقليمية أن تحدد أولوياتها ومصالحها الحيوية. نحن اليوم في مرحلة إعادة تصنيف التحالفات الجيوستراتيجية والاقتصادية. ومن سوء حظ العراق أن كان ضحية كل هذه العوامل مجتمعة.

سويس إنفو: سؤال عملي أخير، بعد إعداد هذه الدراسة، ما هو مصيرها وكيف تنوون تعميمها؟

جابرييل جاليس: نقوم بنشرها وتوزيعها للمشتركين وللبعثات الدبلوماسية وللمؤسسات الحكومية في الكونفدرالية التي تساهم في تمويلنا. ونحن بصدد إعداد طبعة عربية لأننا نعتقد أنه من الفائدة تعميم منشوراتنا بلغات عالمية.

أجرى الحديث في جنيف محمد شريف - سويس انفو

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.