Navigation

جـزائـر بـدون ديــون .. نعمـة أم نـقـمة؟

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رفقة رئيس الكنفدرالية جوزيف دايس آنذاك في زيارة الدولة التي أداها إلى سويسرا يوم 30 نوفمبر 2004 Keystone Archive

يحاول الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة سداد الديون الجزائرية المستحقة لدى دول مختلفة حول العالم، بعد المداخيل الهامة التي نتجت عن ارتفاع أسعار النفط والغاز في السوق العالمية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 29 يوليو 2006 - 05:01 يوليو,

وقد تصبح الجزائر من بين دول العالم الثالث القليلة التي لا ديون خارجية لها على الإطلاق.

ابتداء من الفاتح أغسطس من العام الجاري، لن يتحدث المسؤولون الجزائريون مع نظرائهم السويسريين عن الديون المستحقة لسويسرا على الجزائر، على اعتبار أن الحكومة الفدرالية قد قبلت الدفع الجزائري المسبق لديونها المستحقة لسويسرا والمقدرة بستة وستين مليون دولار أمريكي.

ورغم أن مبلغ الدَّين ليس كبيرا، إلا أن رمزيته تحمل دلالات كبيرة من دون شك، وأراد أن يوجهها بوتفليقة إلى المجتمع الدولي الذي يتعطّـش، حسب مفهوم رئاسة الجمهورية للاستثمار في البلاد.

الواقع أن مسألة الديون الجزائرية تمثل عقدة من نوع خطير يرددها غالبية وزراء المالية والاقتصاد الذين تعاقَـبوا على حكم البلاد منذ ثمانيات القرن الماضي، عندما أدى انهيار أسعار النفط العالمية إلى انهيار في القدرة الشرائية والنقدية للدولة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية للمواطنين، الذين تحولت طبقتهم الوسطى من مثال للرفاه والحياة الرغيدة في المغرب العربي إلى مثال آخر لسوء المعيشة.

وكثيرا ما كرّر بوتفليقة أخطاءه وأخطاء ولي نعمته الرئيس الراحل هواري بومدين، عندما قررا، ضمن ما كان يُعرف بمجلس الثورة، اختيار النهج الاشتراكي لتسيير الاقتصاد وإشراف الدولة المباشر على ما يرونه رفاه الناس.

وما كان من الرئيس السابق الشاذلي بن جديد، الذي خلف بومدين، إلا إتّـباع نهج السلف مع اختلاف بسيط. فعندما توفي بومدين، كانت خزينة الدولة غير مملوءة، ولكنها غير فارغة. وتقدّر بعض المصادر ما كان بحوزة الدولة حينها ما يعادل 7 مليار دولار، وهو رقم مهم في نهاية عام 1978 من القرن الماضي.

غير أن هذا المال و فكرة الرفاه، لم يتمتع بهما غالبية الجزائريين، فقرر الشاذلي بن جديد، على غرار دول نفطية كثيرة، مثل المملكة العربية السعودية ونيجيريا وفنزويلا، الاستدانة من مختلف دول العالم لتمويل مشاريع اقتصادية أو لشراء السلع الاستهلاكية بكل بساطة.

أما ضمان السداد، فهو النفط والغاز بسبب غلاء سعريهما في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، وحدث أن استلفت الجزائر 44 مليار دولار لشراء سلع استهلاكية لا يعرفها النظام الاشتراكي، مثل السيارات اليابانية ومدن الملاهي، بالإضافة إلى سلع تثير الضحك لاهتمام الدولة بها، مثل السكر والقهوة والموز ومشتقات الحليب.

"إفلاس الدولة الجزائرية"

ثم جاء عام 1986، عندما انهارت أسعار النفط وبلغت 12 دولارا للبرميل، بعد أن حومت طويلا في مستويات الخمسين والأربعة وخمسين دولارا، ونتج عن ذلك أن وجدت الجزائر نفسها غير قادرة على سداد ديون الموز والجبن، وانكشفت أمام بنك الجزائر حقيقة مدوية، وهي أن دفع كل الديون مع فوائدها سيقفز برقم خمسة وأربعين إلى مائة وثمانية وعشرين مليار دولار يجب دفعها إلى الدائنين عبر ناديي باريس ولندن.

في نفس العام، كانت الاستخبارات العسكرية الجزائرية تطارد عبد العزيز بوتفليقة في سويسرا بتهمة سرقة أموال الدولة. ويذكّـر بوتفليقة في ندوات صحافية كثيرة مرارة تلك المرحلة بتناقضاتها التي تبعتها أزمة سياسية واجتماعية، عرفت صعود نجم الإسلاميين بزعامة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، عام 89 من القرن الماضي.

وعلمت سويس إنفو من عقيد متقاعد في الجيش الجزائري أن الصراع مع الإسلاميين أخفى شيئا رهيبا، وهو إفلاس الدولة الجزائرية بشكل شبه كامل.

ويشرح هذا الضابط المتقاعد الوضع الذي تلا إلغاء انتخابات عام 92، التي كادت الجبهة الإسلامية أن تفوز بها، "حيث تحوّلت الدولة إلى باحث عن المال بكل الوسائل والطرق، بعد أن أغلق الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران كل الأبواب الأوروبية على الجزائريين. فالحصول على دولار واحد، أصبح مهمة شبه مستحيلة".

ويضيف العقيد المتقاعد: "من كان يتصور أن جزائر هواري بومدين تبيع عبر ناقلات نفطها العملاقة بترول البلاد في أسواق روتردام للعقود العاجلة، وبأسعار بخسة جدا. لقد كنا نبيع النفط في السوق السوداء للحصول على المال، هذا ما حدث في بداية التسعينات إلى غاية عام 1997".

العملة الصعبة

أما الأدهى من هذا كله، فهو فراغ خزينة الدولة من العُـملة الصعبة في أواسط التسعينات، لدرجة أنها لم تتجاوز بضع مئات من الدولارات على أبعد تقدير.

وتزامن نقص الموارد مع الأزمة الأمنية، وأدى هذا بدوره إلى تقليص نفقات الجيش وانخفاض مستوى المعيشة وتخصيص الحكومة مبالغ هامة لسداد الدين، لتعلن في نهاية عام 1994 عجزها عن السداد وتستنجد بالمؤسسات المالية العالمية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، الذين فرضوا شروطا قاسية أدت إلى غلق المئات من مؤسسات الدولة وتسريح مئات الآلاف من العمال.

لقد عاش الرئيس السابق ليامين زروال ويلات الاتفاقات المُـهينة مع صندوق النقد الدولي منذ عام 1994 إلى أواسط عام 1999، عندما بدأت أسعار النفط في الارتفاع، ثم تحول عداء الجيش ومصالح الاستخبارات لبوتفليقة إلى صداقة حميمة، عندما تغيرت توازنات القوى داخل أجهزة الحكم، ما أدى إلى استقدام بوتفليقة ليكون حبيب الجماهير الجديد.

و بما أن بوتفليقة من الآباء الروحيين لفكرة الاستدانة، فيبدو أنه يريد تغيير هذه الصفة وإخراج الجزائر نهائيا من هذا النفق المظلم، بدليل أن الجزائر لم يبق لها سوى تسديد ما قيمته 10 مليار دولار، كي تنهي مشكلتها.

يُضاف إلى هذا صحة مالية تقدر في نهاية العام الجاري بثمانين مليار دولار، هي قيمة العملة الصعبة المتوفرة للجزائر، الأمر الذي يكسبها مصداقية عالمية لا مثيل لها.

"دولة بدون مشاكل هي مشكلة في حد ذاتها"

غير أن عمر أميني، المحلل الاقتصادي الجزائري المقيم في لندن، يقول في تصريح خاص لسويس إنفو: "إن جزائر من دون ديون، سيؤدي إلى مشكلة كبيرة مع دول صناعية كثيرة في أوروبا وحول العالم، على اعتبار أن دولة ما من دون مشاكل مالية، هي مشكلة في حد ذاتها".

والسبب، حسب السيد عمر أميني هو "قدرة الجزائر على التفاوض لتمويل المشاريع من زاوية قوية. فمن كان يظن أن الجزائر ستقول لا للشركات الفرنسية والأمريكية، التي تنافست لبناء مشروع الطريق السريع شرق – غرب، الرابط ما بين الحدود التونسية والمغربية"؟

في هذا المشروع، فازت شركات يابانية وصينية، وانكفأت اللوبيات الفرنسية بشكل خاص إلى الوراء في انتظار وقت أفضل، فيما يبدو سمته فراغ خزينة الجزائر واتسجدائها بالدول الأوروبية للحصول على ما يسد الرمق.

ويظهر من قصة الدَّين الجزائري أن الخلافات الجزائرية الفرنسية ليست كلها مرتبطة بالماضي الاستعماري، بل بعلاقات سياسية متناقضة خلفت آثارا كبيرة لدى الطبقة الحاكمة، التي يريد بوتفليقة من خلالها معاقبة فرنسا على ما فعلته في المؤسسة العسكرية في تسعينات القرن الماضي.

ويؤكد الرئيس الجزائري، عبر سياساته، أن استيراد الموز والقهوة يُـترَكان إلى القطاع الخاص، فيما تلتزم الدولة بتمويل المشاريع التنموية الضخمة، على أن الوقوع في فخ الدَّين ممكن جدا بسبب الإهمال الفظيع في فتح المجال للقطاع الخاص كي يُشغّـل ملايين العاطلين عن العمل. فالحصول على تسريح حكومي لبناء مصنع، قد يستغرق عاما كاملا، وهو واقع لم يتمكن بوتفليقة من تغييره، رغم ملايير الدولارات.

هيثم رباني - الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.