تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

جنوب غرب آسيا وهيستريا الحرب

الى اليسار حرس الحدود الباكستانيون يقفون وجها الى وجه امام نظرائهم الهنود على بعد 45 كيلومترا من مدينة لاهور الباكستانية

(Keystone)

عاد التوتر في جنوب غرب آسيا ليتصدر الأحداث الدولية في الوقت الذي مازالت فيه الحملة الأمريكية ضد "الإرهاب" في مراحلها الأولى والقوات البريطانية والأمريكية منهمكة في عمليات البحث عن المشتبه به أسامة بن لادن وزعيم حركة الطالبان المولى محمد عمر.

وتخيم غيوم سوداء فوق سماء جنوب آسيا بعد الحشد العسكري الضخم بين جانبي الحدود من قبل الجارتين النوويتين المتناحرتين ونصب صواريخ بالستية قصيرة ومتوسطة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية في سابقة من نوعها لم تشهدها شبه القارة خلال الحروب الثلاثة بينهما وحتى حرب كارغيل في إقليم كشمير عام 1999، وسط قلق دولي من مغبة نشوب حرب لا يحمد عقباها.

وسارع المجتمع الدولي إلى مناشدة الطرفين بضبط النفس ونزع فتيل الأزمة والتوجه نحو طاولة المفاوضات لحل خلافاتهما بالطرق السلمية. وبعث كوفي عنان برسالة إلى كل من الرئيس الباكستاني ورئيس الوزراء الهندي يحثهما بها على تهدئة الوضع وترطيب الأجواء بينهما. وكذلك الصين، الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا ومنظمة الدول الاسلامية.

نيودلهي اعتبرت الاجراءات الباكستانية ضد الجماعات الكشميرية التي تتخذ من اسلام آباد مقرا لها، غير كافية وطالبت بتجميد أموال الجماعات المسلحة وايقاف نشاطاتها واعتقال أنصارها واغلاق معسكرات التدريب وتسليم المتهمين الى الهند. وقامت نيودلهي بفرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية ضد اسلام آباد التي ردت بالمثل. علما أن الجانب الباكستاني هو المتضرر الأكبر إذ أن الاقتصاد الهندي قادر على تحمل الخسائر و تعويضها على عكس باكستان.

الحمائم والصقور في نيودلهي

العمل الإجرامي على البرلمان الهندي قسم الشارع وصانعي القرار السياسي في الهند إلى فريقين :

فريق حمائم السلام يتزعمه رئيس الوزراء أتال بيهاري فاجباي والذي فضّل اتخاذ العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية والفريق الآخر صقور الحرب المتشددين، على شاكلة وزير الداخلية لال كريشنا أدفاني ووزير الدفاع جورج فرناندز، اللذين ناديا بشن حرب تقليدية محدودة ضد باكستان وقصف مواقع في الجانب الآخر من إقليم كشمير بحجة أنها معسكرات لتدريب المسلحين الكشميريين.

ووقعت المناوشات على جانبي خط التماس مما أدى إلى خسائر بشرية ومادية بين الطرفين ونزوح المئات من سكان القرى الحدودية خوفا على حياتهم. وألغت الهند احتفالاتها العسكرية في الخامس عشر من الشهر المقبل وقلصت عدد القوات المشاركة في العرض العسكري في السادس والعشرين من يناير كانون الثاني، عيد الجمهورية، وهي إشارة واضحة إلى مدى خطورة الوضع وجدية نشوب حرب في حال فشلت الإجراءات الأخرى.

ماذا عن التوازن العسكري؟

وإذا نظرنا إلى الإمكانيات العسكرية للجارتين ووضعنا عتاد كل واحدة منهما في كفة. فسيتبين على الفور أن كفة الهند هي التي تتمتع بالوزن الأثقل. فعلى سبيل المثال، يبلغ عدد القوات البرية الهندية 1,263 مليون جندي أي ما يقارب ضعف القوات الباكستانية التي تضم في صفوفها 620000 جندي.

وفي الوقت التي تتوفر فيه نيودلهي على ما يقدر بثمانين إلى مائة صاروخ نووي تمتلك إسلام أباد 12 أو 20 من هذه الصواريخ على أقصى تقدير. ويظهر عدم التوازن العسكري بين البلدين جليا إذا ما نظرنا إلى عدد القوات الجوية والدبابات وقاذفات الصواريخ والغواصات فالهند غالبا ما تمتلك ضعف ما تتوفر عليه باكستان من هذه المعدات لا بل وتمتلك تجهيزات لا تنعم إسلام أباد بها أصلا مثل حاملة الطائرات أو الطائرات المروحية المقاتلة.

"باكستان أولا" : مصائب قوم عند قوم فوائد

عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة والحملة التي شنتها الولايات المتحدة ضد أفغانستان، اختارت باكستان الوقوف إلى جانب التحالف الأمريكي تحت شعار "باكستان أولا" وتخلت عن وليدها الطالبان وساهمت بشكل كبير في إنجاح الحملة الأمريكية ضد نظام الطالبان وتنظيم القاعدة من خلال توفير المعلومات الاستخباراتية والخرائط للطائرات الأمريكية التي نجحت في تدمير البينة التحتية لكليهما.

ومن ثم أدركت باكستان أن احتواء المنظمات المتشددة داخل أراضيها ليس من مصلحتها وبدأ النظام العسكري بقص جوانح هذه الجماعات والحد من نشاطاتها وكان الجميع يدرك أن الدور قادم للمنظمات الكشميرية خاصة الأشكر الطيبة وجيش محمد اللتان تتخذان من إسلام آباد مقرا لهما.

نيودلهي كانت ممتعضة للدور الأمريكي في أفغانستان وتصدر اسلام آباد الحملة الأمريكية ضد الإرهاب في الوقت الذي كانت تسعى جاهدة لجذب نظر التحالف الغربي إلى أن إسلام آباد هي الدولة الإرهابية. وجاءت عملية الاعتداء على البرلمان الهندي وتبني الجماعتين الكشميريتين اللتين تتخذان من باكستان مقرا لهما لخدمة المخطط الهندي وسارعت حكومة حزب البهارتيا جاناتا القومي الهندوسي إلى اغتنام الفرصة وشن حملة دبلوماسية شعواء ضد باكستان وسط تأييد داخلي ودولي لموقفها وتنديد بالعمل الإجرامي ضد البرلمان.

وبدأت بممارسة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على الحكومة الباكستانية وسارعت واشنطن إلى وضع المجموعتين الكشميريتين على قائمة المنظمات الإرهابية واعتبرتهما إسلام آباد منظمات غير شرعية وغير مقبولة علما أن الجنرال الباكستاني وحتى قمة أغرا الأخيرة مع رئيس الوزراء الهندي كان يعتبر أنصارها "مقاتلين أحرارا".

الحرب لا تخدم مصالح الهند

وحكومة فاجباي التي بدأت تخسر شعبيتها داخل الشارع الهندي وجدت الفرصة مواتية لكسب تأييد الناخبين في الولايات الهندية التي ستتوجه إلى الانتخابات في شهر فبراير شباط القادم خاصة ولاية أوترا برادش الأكثر كثافة سكانيا والأهم سياسيا في الانتخابات المحلية وهناك مقولة في الهند "أن من يحكم ولاية أوترا برادش يحكم الهند" آخذين بعين الاعتبار تهديدات المنظمات الهندوسية الأم البدء ببناء معبد هندوسي في آذار القادم في مدينة أيوديها في الولاية على أنقاض مسجد بابري الذي دمر على أيدي متطرفين هندوس في السادس من ديسمبر عام 1992.

لكن قيام الهند بشن حرب محدودة لن يكون من مصلحتها لأكثر من سبب:
-خسارة التعاطف الدولي مع موقفها الحالي.
-احتمال اندلاع حرب شاملة ومخاطر استخدام السلاح النووي على الأمن والسلام العالميين.
-وقوف الولايات المتحدة إلى جانب باكستان التي سمحت لها بإقامة قواعد عسكرية ولن تسمح واشنطن بتعرض قواتها للخطر.

وفي حين تنص المادة 51 من الفصل السابع في ميثاق الأمم المتحدة على حق الدفاع عن النفس للدول التي تتعرض "لاعتداء عسكري" إلا أن الحل الأفضل للهند هو جمع معلومات كافية عن دعم باكستان للمنظمات الإرهابية وإيوائها للأفراد المتهمين بالقيام بأعمال إرهابية وهذا ما دأبت إليه الهند، بانتظار الخطوة القادمة لتوريط باكستان.

وقد تكون هذه التوترات الحالية هي الخطوة الأولى نحو إعادة ترتيب العلاقات الهندية الباكستانية. ومن مصلحة الهند إيجاد السبل لنزع فتيل الأزمة الحالية دون السماح للمغامرين بحرب محدودة أو مجرد التفكير بحل عسكري لأن العديد من المراقبين يعتقدون أن قيام الهند بشن حرب على باكستان سيكون خطأ استراتيجيا وسياسيا فادحا، وان الحرب ستعزز من دور الولايات المتحدة في النزاع بين الجارتين وحضورها سياسيا وعسكري.

كما يرى المتتبعون للتطورات الراهنة ان الحرب لن تقضي على الإرهاب بل ستشد على سواعد المتشددين في باكستان، في الوقت الذي بدأت فيه هذه المنظمات تخسر الدعم الشعبي ومنهكة قواها وما يقوم به الجنرال الباكستاني لصالح الهند التي فشلت على مدى الثلاثة والخمسين عاما من قمع الجماعات الكشميرية ودعم القادة الباكستانيين في السابق لها. ورب ضارة نافعة.
د.وائل عواد - نيودلهي

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×