تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

حرب واشنطن الخفية بين الدفاع والخارجية!

الخلافات بين باول ورامسفيلد تكتسي في كثير من الأحيان صبغة عقائدية

(Keystone)

ما الذي يعنيه اختيار الرئيس بوش للسفير بول بريمر مبعوثا له إلى العراق بالنسبة لمعركة النفوذ بين وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكية في عراق ما بعد الحرب؟

المبعوث الرئاسي الجديد سيتولى مهامه كأعلى سلطة أمريكية في العراق، وتكون تبعيته لوزارة الدفاع.

منذ أن سيطر أعضاء بارزون في اليمين الأمريكي المحافظ الجديد على مناصب رئيسية في وزارة الدفاع، وشغلوا معظم مقاعد المجلس الاستشاري لوزير الدفاع دونالد رامسفلد، بدءوا، وقبل وقت طويل من شن الحرب على العراق، في انتهاج سياسة استراتيجية تهدف إلى تقليص دور وزارة الخارجية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة في إطار تنامي التحول داخل إدارة الرئيس بوش نحو "العدوانية"، وشن الحروب الاستباقية للرد على ما يصفونه بتحديات الإرهاب الدولي في القرن الحادي والعشرين.

وفي ذلك السياق، بدأت المعركة الخفية على مسرح السياسة الخارجية بين وزارة الدفاع، التي يعد دورها الرئيسي حماية المصالح القومية والأمن الأمريكي، وتعد أداة لتنفيذ السياسة الخارجية في حال اللجوء إلى القوة العسكرية، ووزارة الخارجية التي تساعد الرئيس الأمريكي في رسم وتنفيذ سياسته الخارجية باستخدام الطرق الدبلوماسية.

وسرعان ما أصبح العراق مسرحا للمنازلة بين أنصار الدبلوماسية وصقور الحرب في البنتاغون، وزج وزير الدفاع الأمريكي رامسفلد بصديقه الجنرال المتقاعد جي غارنر ليكون أعلى مسؤول أمريكي عن إدارة شؤون العراق بعد الحرب، وتجاهل كل الاقتراحات التي قدمتها وزارة الخارجية بالشخصيات الأمريكية العامة التي لها دراية واسعة بالشأن العراقي، وبالأجواء السياسية لمنطقة الشرق الأوسط.

وفي مرحلة لاحقة، وتكريسا لنفوذ وزارة الدفاع المتزايد في رسم السياسة الخارجية إزاء عراق ما بعد صدام، فرض رامسفلد على المسرح السياسي العراقي الدكتور أحمد شلبي، رئيس المؤتمر الوطني العراقي في المنفى، وأدخله إلى العراق على أسنة الرماح الأمريكية بصحبة بضع مئات ممن أسماهم المقاتلين من أجل حرية العراق، وذلك رغم تحفظات وزارة الخارجية ووكالة المخابرات الأمريكية على مصداقية أحمد شلبي الذي غادر العراق وهو طفل، وليس له ثقل سياسي داخل بلده.

دور البيت الأبيض

وهكذا، وجد الرئيس بوش نفسه أمام توجهات متباينة تماما فيما يتعلق بمستقبل الحكم المرتقب في العراق بعد الإطاحة بنظام صدام حسين، وبين قطبين داخل حكومته يتصارعان من أجل النفوذ، وتحديد من ستكون له الغلبة في السياسة الخارجية خاصة في العراق.

ويقول السيد توماس دونيللي، كبير الباحثين في معهد أمريكان إنتربرايز لأبحاث السياسة العامة، إن الرئيس يجد مناخا صحيا في ذلك التنافس، ويختار الأفضل لتنفيذ أهداف سياسته من خطوط كل سياسة يقترحها فريق وزارة الخارجية وفريق وزارة الدفاع. إلا أن إعلان البيت الأبيض عن تعيين الدبلوماسي المخضرم السفير بول بريمر مبعوثا للرئيس بوش لدى العراق، يعتبر بمثابة هدنة أبرمها الرئيس بين وزارتي الدفاع والخارجية.

السفير أعلى من الجنرال!

ولعل من أكبر مفارقات التنافس على النفوذ في العراق بين وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين، هو أن السفير بريمر أصبح أعلى مسؤولا مدنيا أمريكيا في العراق عندما كلفه الرئيس بوش بمنصب رئيس الإدارة المدنية الأمريكية لعراق ما بعد صدام. وبذلك، يحتل بريمر مرتبة أعلى من الجنرال المتقاعد جي غارنر، الذي كان المسؤول عن إدارة الشأن العراقي منذ انتهاء الحرب.

ومع ذلك، فإن السفير بريمر سيرفع تقاريره، ويكون مسؤولا أمام وزير الدفاع رامسفلد، ورئيس الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال تومي فرانكس، باعتبار أن الوضع في العراق لا يزال تحت السيطرة الكاملة للقوات الأمريكية.

غير أن وزير الخارجية كولن باول حاول أن يهدئ من روع الدبلوماسيين الأمريكيين إزاء التحدي الذي لم يسبق له مثيل لنفوذهم في تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكي كدبلوماسيين، وليس كعسكريين فقال، "إنه بينما يصبح من الضروري في أعقاب الحرب مباشرة أن تتولى وزارة الدفاع المسؤولية في العراق، فإنه بمرور الوقت سيبدأ الانتقال التدريجي إلى الجهود التي سيعهد بتنفيذها إلى الدبلوماسيين وإلى المنظمات الدولية."

ولعل اختيار الرئيس بوش للسفير بريمر بالتحديد كرئيس للإدارة المدنية الأمريكية يشكل حلا وسطا في الصراع الخفي بين الخارجية والدفاع. فالمعروف عن السفير بريمر انتماءه إلى الجناح المحافظ، وأنه صديق لوزير الدفاع رامسفلد ولنائبه بول ولفوفيتز، كما أنه اشتهر داخل وزارة الخارجية الأمريكية بالصرامة، واستعداده الدائم لاتخاذ مواقف حاسمة، والعمل على تنفيذ ما تنطوي عليه تلك المواقف. لذلك، وصفه الرئيس بوش بأنه "شخص يعرف كيف يدير الأمور."

كما أن خبرات السفير بريمر تتلاءم تماما مع متطلبات الجمع بين الجانب الأمني والجانب السياسي والدبلوماسي. فقد كان يشغل منصب مدير إدارة مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية، ثم اختاره الرئيس الأسبق رونالد ريغن سفيرا متجولا لمكافحة الإرهاب في عام 1986.

وكانت له نظرة ثاقبة في أن الإرهاب قد يصل بضرباته إلى العمق الأمريكي، فطالب عام 2000 بمراجعة السياسة الأمريكية إزاء الإرهاب الدولي، وحذر في جلسة استماع أمام الكونغرس الأمريكي قبل هجمات سبتمبر من احتمال تعرض مدن أمريكية لهجمات إرهابية تودي بحياة آلاف الأمريكيين. كما أنه طالب الرئيس كلينتن بضرورة مواجهة الدول التي ترعى الإرهاب بشكل أكثر صرامة، وخص بالذكر كلا من سوريا وإيران والسودان.

ولكن الرئيس بوش كلفه بشكل أساسي بالإشراف على تشكيل الحكومة المؤقتة في العراق، وجهود إعادة الاعمار على أن يركز الجنرال المتقاعد غارنر على مهمة إعادة الأمن والنظام واستعادة الخدمات الأساسية للشعب العراقي، وإصلاح المرافق الرئيسية كالكهرباء والماء والصرف الصحي والصحة، وتحسين المدارس في العراق.

ولعل تقسيم العمل، بدلا من التناحر على النفوذ، سيكون الطريق الذي اتخذه الرئيس بوش لحسم المعركة الخفية بين الدفاع والخارجية.

ومن مظاهر ذلك، أن مهمة التفاوض مع الزعماء العراقيين المحتملين لتولي مناصب قيادية في الحكومة الانتقالية أصبحت تتركز في مزيج من اليمين المحافظ الجديد الذي ينفذ استراتيجيات وزارة الدفاع وصقورها، ويمثله المبعوث الرئاسي إلى المعارضة العراقية زالماي خليل زاد، بينما يمثل الدبلوماسية الأمريكية نائب مساعد وزير الخارجية رايان كروكر.

ويأمل صقور وزارة الدفاع في أن يكون السفير بريمر صقرا في منصبه الجديد في زي دبلوماسي يستند إلى رصيد طيب من الخبرة في وزارة الخارجية.

محمد ماضي – واشنطن


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×