Navigation

Skiplink navigation

حصيلة سنوات بلخادم الخمس

عبد العزيز بلخادم، وزير الخارجية الجزائري السابق والأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني. Keystone

لا يُجادل أحد تقريبا أن عبد العزيز بوتفليقة كان، منذ عام 1999، الوجه الأبرز في الساحة السياسية الجزائرية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 مايو 2005 - 12:52 يوليو,

غير أن وجوها أخرى أظهرت قدرة لافتة على البروز، ومن بينها عبد العزيز بلخادم، الذي فاز بثقة الرئيس، ومكث وزيرا للخارجية خمسة أعوام، جسّـد خلالها سلطة بوتفليقة التي لا تناقش.

عندما أعلن الرئيس الجزائري عام 2000 أن وزير الخارجية الجديد سيكون عبد العزيز بلخادم، حذرت الصحف الجزائرية المعروفة بتوجهاتها العلمانية، والناطقة بالفرنسية بشكل خاص، من أن الإسلاميين قد وصلوا إلى إحدى وزارات السيادة، على اعتبار أن بلخادم رجل مصل وملتح، وزوجته وبناته يرتدين الحجاب.

فكان رد بوتفليقة حاسما: "لا تهمني لحية بلخادم، ولا حجاب بعض موظفات الحكومة، ولا قصر ثياب أخريات، فالجميع جزائري عندي".

وزاد البعض في تعليقاته، عندما قال بأن عبد العزيز بلخادم، ما هو إلا نائب لوزير الخارجية الفعلي، أي بوتفليقة، ولن تكون له آثار، لا على الدبلوماسية الجزائرية، ولا على سمعتها الدولية.

إلا أن مثل هذه التعليقات والآراء قد كشفت عن عجز واضح في فهم أفكار بوتفليقة وبلخادم، لأن الرجلين ينتميان إلى مدرسة واحدة وفكر سياسي واحد، ويؤمنان بفكرة سلطوية واحدة، لذلك، تتحول مسائل هامشية من قبيل اللّـحية والحجاب إلى مجرد أمور شخصية، لا أثر لها على التوجهات الأساسية للدولة.

إذن لماذا اختار بوتفليقة عبد العزيز بلخادم؟ الجواب نجده في مستويات مختلفة. أولها، ولاء بلخادم المُـطلق لحزب جبهة التحرير الوطني، ولفكرة وجوب خدمة الحزب لرئاسة الجمهورية، كي يُحافظ على حياته السياسية.

كما أن بلخادم من النوع المتدين الذي يحظى بدعم مؤسسات الدولة، مدنية كانت أو عسكرية، لأن الرجل بلحيته لا يؤمن لا بأفكار الإخوان المسلمين، ولا بأفكار التنظيمات الحركية الإسلامية، لأنه صوفي معتدل، وسلطة الحكومة المركزية تظل بالنسبة إليه، أكثر من ضرورة لحماية استقرار البلاد.

ثم إن العربي بلخير، أقرب مستشاري الرئيس، كثيرا ما امتدح عبد العزيز بلخادم أمام بوتفليقة. ومعروف أن بلخير من أشد المعارضين للتيار الإسلامي الحركي، ومدحه لبلخادم لا يفهم منه بوتفليقة أن مستشاره صار يميل للإسلاميين، بل بأن بلخادم مستوعب لضرورات الدولة، ومستعد للمضي قدما في تطبيق المشاريع.

وهكذا كان عبد العزيز بلخادم على مدى السنوات الخمس الماضية رجلا وفيا لبوتفليقة، ومقتنعا بكل أفكاره ومشاريعه، لذلك، لم يتردد في معارضة علي بن فليس، رئيس الحكومة السابق عندما اختلف مع بوتفليقة، وانفرد بحزب جبهة التحرير الوطني على أمل الفوز بالانتخابات الرئاسية التي جرت قبل عام.

ضمان توازن الحكومة

مجمل هذه المعطيات لن تكون كافية إذا ما تم التغافل عن أن بلخادم شخصية هامة جدا بالنسبة لرؤية بوتفليقة للأمور، لأن بلخادم يتقن العربية والفرنسية، كما أنه من أنصار التعريب وحماية الهوية الوطنية.

وبمثل هذه الشخصية، يضمن الرئيس توازنا داخل حكومته أمام وزراء يفضلون استعمال اللغة الفرنسية، أو لا يتقنون غيرها، ولا يرون حرجا في التعامل مع جمعيات مثيرة للشكوك في الأوساط الشعبية من قبيل نوادي الروتاري والليونز.

وعلى افتراض أن بوتفليقة اختار في تلك المرحلة السياسية الحرجة (أي ما بين 1999 و2004)، رجلا غير بلخادم كي يدير شؤون وزارة الخارجية، فهل كان بإمكان بوتفليقة أن يتحدث مع الدول الغربية والعربية في آن واحد بهدف تحسين صورة الجزائر في العالم؟

جواب المعارضين بأن ذلك كان ممكنا مشكوك فيه، لعدة أسباب من بينها أن الطاقة البشرية تظل محدودة أما الأهم فهو أن الحوار مع الدول العربية بأسلوب بوتفليقة يتقنه بلخادم جيدا. فلماذا يتعب الرئيس نفسه مرتين، بما أن هناك من يقوم بالمهمة على أحسن وجه؟

وعلى مدى خمسة أعوام قضاها بلخادم في وزارة الخارجية، لم يتسرب أي خبر عن غضب الرئيس على وزير خارجيته أو اختلاف في المفاهيم والأفكار، سواء تعلق الأمر بالعلاقة مع الدول العربية أو في سائر الملفات التي أدارها بلخادم بتوجيه من الرئيس الجزائري، ومن أهمهما العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

ثم لماذا يوصف بلخادم بأنه إسلامي خطير على مستقبل الدولة العلمانية؟ ماهي مواقفه تجاه الجزائريين المحتجزين في معتقل غوانتانامو الأمريكي في كوبا؟

لقد جلب بلخادم على نفسه سخط عائلات المحتجزين وجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان والمحامين، بالإضافة إلى قطاع كبير من التيار الإسلامي، فماذا كانت النتيجة؟

إزاحة شبح بن فليس

ثم لماذا يصر البعض على وصف بلخادم بأنه "إسلامي خطير على مستقبل الدولة العلمانية" وهو الذي لم يُبد أية حماسة أو اهتمام خاص في مواقفه تجاه الجزائريين المحتجزين في معتقل غوانتانامو الأمريكي في كوبا.

فالرجل لم يتحرك قيد أنملة بعيدا عن وجهة نظر أصحاب القرار، وناور كل المناورة في ملف الجزائريين المحتجزين، ولم يكن في تصرفه كوزير خارجية ذلك الإسلامي، المدافع عن أنصار أسامة بن لادن "المفترضين"، بل قدّم مصالح الدولة في العلاقات مع الولايات المتحدة ودافع عنها باستماتة كبيرة، وهذه ليست صفات "إسلامي حركي" كما لا زالت تؤكد بعض الصحف الناطقة بالفرنسية.

وبعد كل هذا، تظهر تصرفات وزير الخارجية الوفي في القمم العربية ببيروت وتونس والجزائر، واتباعه حذو القذة بالقذة كل أفكار الرئيس المتعلقة بمناقشة مصر، قيادة الجامعة العربية، وكيفية تسيير العلاقات مع المغرب وملف الصحراء الغربية، بالإضافة إلى الوفاء الذي أظهره في تسيير ملف العلاقات داخل المغرب العربي، إذ أظهر نشاطا كبيرا حظي بامتداح وزير خارجية المغرب، محمد بن عيسى.

ثم يُضاف لكل هذا، الطريقة التي ناصر بها بلخادم، عبد العزيز بوتفليقة، كي يفوز بعهدة رئاسية ثانية قبل عام من الآن. فبالإضافة إلى قيادته لوزارة الخارجية، عمل بجد كبير لزحزحة علي بن فليس عن قيادة جبهة التحرير الوطني، فشكل تنظيما موازيا سُـمي بالحركة التصحيحية، ناور بكل ما أوتي من قوة لدعم الرئيس.

فكانت السهرات الطوال مع شيوخ الطرق والزوايا الصوفية على مدى الفترة الممتدة من خريف عام 2003 إلى غاية أبريل عام 2004، بالإضافة إلى الاجتماعات الماراثونية مع معارضي علي بن فليس وممثلي الجمعيات الوطنية وقدماء المجاهدين والاتحاد العام للعمال الجزائريين وغيرهم كثيرون.

في تلك الفترة، وخاصة في بداياتها، اتهم البعض بلخادم بالجنون، لأن بن فليس أغلق كل الأبواب عبر ظفره بحزب جبهة التحرير الوطني، غير أن وزير الخارجية الوفي واصل في طريق لا يتناسب بالضرورة مع طبعه الهادئ، إذ طبق خططا وشارك في برمجة أخريات بأسلوب يوحي بأنه يتقن تحركات ورؤى بوتفليقة، وخاصة رغبته في إزاحة شبح علي بن فليس.

مسيرة مثيرة

لقد أظهر بلخادم وفاءً لا نظير له في الثبات على أسُـس النظام، كما يفهمها بوتفليقة، ورفض التغييرات التي كان يريد أن ينتهجها علي بن فليس، سواء عبر تجديد آليات عمل دوائر الحكم، أو في العلاقة بين السلطة ومجموع الأمة.

بحسابات بسيطة، لم تكن خطط علي بن فليس لتضر ببلخادم، لا من قريب ولا من بعيد، غير أن ذلك الإصرار العجيب على بقاء أسلوب الحكم القديم لم تجد له الأطراف التي توصف من طرف البعض بـ "شياطين الفتنة الداخلية" تفسيرا سوى حنين بلخادم إلى بوتفليقة، لأن كليهما من غرب البلاد.

لذلك، نجح - حسب رأي هؤلاء - في استمالة مناطق الغرب الجزائري إلى نصرة بوتفليقة، وفشل في المقابل في الظفر بنصرة شرق البلاد، رغم أن هذا الادعاء تنفيه نتائج الانتخابات الرئاسية التي أظهرت فوزا كاسحا لبوتفليقة في شرق وغرب الجزائر على حد السواء.

وبعد كل هذه المسيرة المثيرة التي استمرت خمسة أعوام، أظهر بوتفليقة عطفا "نادرا" على وزير خارجيته وسمح له بالانزواء والاستراحة عبر قيادة حزب جبهة التحرير الوطني، التي ساعدت بجناحها التصحيحي في فوز بوتفليقة بعهدة رئاسية ثانية.

وفي المحصلة، يمكن القول - من خلال تتبع مسار الأحداث في الجزائر، وليس عبر ما قام به عبد العزيز بلخادم فحسب - أن هناك عالمين مختلفين يفصلان الحكومة عن وسائل الإعلام المستقلة، على اعتبار أن منطق الأشياء مختلف بينهما.

فمنطق الحكم عند بوتفليقة ومعاونيه لا ينبني على أساس أكاديمي، كما أن "العالم الديمقراطي المغلق" الذي تعيشه وسائل الإعلام المستقلة، لا يمكن مقارنته بعالم الولاءات ومهمة الحفاظ على الدولة في المدى البعيد...

هيثم رباني - الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة