تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

حقائــق وأوهــام الأمـن القومـي العـربي

شكّـل الاحتلال العراقي للكويت عام 1990 ضربة قاصمة لمفهوم الأمن القومي العربي

(Keystone)

منذ قيام الجامعة العربية منذ 1945، ظل مفهوم "الأمن القومي العربي" يتراوح بين الأماني القومية صعبة التحقيق، والأحداث التي أثبتت عدم وجود هذا المفهوم.

وجاءت الحرب الأمريكية على العراق لتكشف عجز الدول العربية عن بلورة تصور أمني وإقليمي متكامل

كانت لمايلز كوبلاند، مؤلف كتاب "لعبة الأمم"، فكرة شهيرة لم يبتلعها أحد في العالم العربي أبدا، وهي أن أهمية "العروبة"، تأتي من كونها أسطورة وليست حقيقة.

ورغم ما تحمله تلك الفكرة من تبسيط لما هو قائم في المنطقة، إلا أنها تقترب من الواقع عندما يتعلق الأمر بمفهوم الأمن القومي العربي، الذي كان أقرب إلى أسطورة عمليا، رغم أنه اكتسب قوة افتراضية هائلة جعلت من انهياره في الحرب الأمريكية على العراق أشبه بزلزال تصدعت بسببه أركان النظام العربي، وكأنه كان قائما بالفعل.

لقد كان مفهوما دائما في المنطقة العربية، أنه لا يوجد "نظام أمني" حقيقي يجمع بين دول المنطقة، وأن ما هو قائم في واقع الأمر، نظرية تحمل اسم "الأمن القومي العربي" تعبر فقط عما يجب أن يكون، رغم أن كثيرين قد تعاملوا معها في الإعلام والسياسة، بل وعلى المستوى الأكاديمي وكأنها مبادئ ملزمة على الدول أن تتصرف وفقا لها، وإلا اعتبرت "مارقة" عربيا.

وعلى الرغم من أن السياسات الدفاعية للدول لم تكن تعول عليها، بل أن بعض الأنظمة العربية قد خرج عنها بصورة مذهلة، ظلت تلك النظرية تمثل "مقدسا قوميا" لا يُـمَـس،ّ حتى عام 1990 على الأقل.

تصدع عام 1990

في 2 أغسطس عام 1990، شهدت المنطقة ما أسمته صحيفة الأهرام المصرية في اليوم التالي "كارثة عربية مفزعة". فقد قامت إحدى الدول العربية باحتلال دولة عربية أخرى لينهار أحد أعمدة نظرية الأمن العربي، وهو افتراض أن التهديدات تأتي من الخارج، ثم بدأت القوات الدولية، التي طالما اعتبرت نظريا "وجودا أجنبيا"، في التوافد على المنطقة، وشاركت 9 دول عربية في التحالف الذي خاض حربا ضد دولة عربية أخرى، وهي العراق، قبل أن تتسع "شروخ" النظام العربي، ببداية عملية التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي عام 1991 لتفقد النظرية إطارها الدفاعي.

كان التعبير السائد وقتها أن مفهوم الأمن العربي قد تصدع، وأن هناك حاجة لإعادة بنائه على أسس جديدة، لكن يبدو أن ما حدث لم يكن كافيا ليدرك العرب أن شيئا كبيرا قد حدث.

فعلى الرغم من أن أصوات واقعية رسمية عربية كانت تشير إلى ضرورة الاستناد على المصالح الوطنية للدول في إقامة أية ترتيبات أمنية جديدة، مع تحليلات تؤكد أن على العرب أن يكونوا عمليين أمنيا بالاتجاه نحو التعاون الوظيفي كأساس لإقامة نظام أمن عربي جديد، إلا أن الموجة القومية، بمفاهيمها واستراتيجياتها، عادت لتكتسح مثل تلك الأفكار مرة أخرى.

سري للغاية

كانت أهم التعبيرات العملية عن هذا الوضع هي الدراسة التي أعدتها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية كمشروع صدر بقرار من مجلس الجامعة عام 1993 لمواجهة ما أسمته التحديات والتهديدات ضد أمن وسلامة الأمة العربية، والتي عادت معها معظم أساليب التفكير التي كانت سائدة قبل عام 1990، بما في ذلك وضع عبارة "سري للغاية" على غلافها، على الرغم من أن الصحف كانت قد نشرت نصها تقريبا، وأنها لا تتضمن ما يمكن اعتباره سرا بأي مستوى، خاصة وأن الأمر يتعلق بأمن بلا صاحب ولا خطة ولا قوات، ويستند إلى معاهدة دفاع مشترك لم تجتمع الهياكل التي أقرتها الدول فيها ولو مرة واحدة.

لقد فقدت الدول العربية آنذاك فرصة حقيقية للتفكير فيما يمكن أن يكون حقيقة، سعيا وراء إعادة إنتاج الأسطورة التي يدرك الجميع أنها لن تطبق عمليا، حتى إن تم التوقيع على وثيقة أخرى لها.

فقد تبنت الدراسة المفهوم الواسع للأمن، الذي يبدأ من الأمن العسكري وينتهي بالأمن الغذائي، الذي يضيع فيه معناه الحقيقي، كما أكدت على فكرة العدو الثابت (إسرائيل)، مع التعامل مع دول الجوار على أنها مصادر تهديد، والتأكيد على ما أسمته "الأطماع الأجنبية" مع السعي وراء تحقيق "القدرة العسكرية العربية الذاتية" في ظل تصور أن تكون ركيزة الأمن المستهدف "عربية صرفة".

وفي الواقع، كانت هناك إشارات تعبر عن الواقع الجديد، كالحديث عن "الأمن الوطني لكل دولة"، بل ومقترحات وظيفية، كإقامة أكاديمية موحدة للدفاع، ومؤسسة عربية للتصنيع الحربي، لكنها كلها كانت تصب في نفس الإطار القديم الذي يعمل في ظل مفاهيم الدفاع المشترك، كما لا يقدم حلا واقعيا لمشكلات الأمن الإقليمي التي كانت معظم الدول العربية تخوض مباحثات متعددة الأطراف للتعامل معها.

فكل المفاهيم المتعلقة بالأمن الإقليمي التعاوني، كالأمن الجماعي والأمن المشترك، ظلت خارج التفكير العربي الجماعي، على الرغم من أن الوطن العربي قد تحول عمليا إلى "شرق أوسط"، يتسم بالتدويل الشديد.

انهيار عام 2003

وجاءت الحرب الأمريكية على العراق لتطيح بكل شيء. فالانهيار هذه المرة قد تجاوز نظرية الأمن القومي العربي إلى النظام الإقليمي العربي ذاته.

فالدول العربية لم تتمكن من إدارة الأزمة أو منع الحرب أو المشاركة مباشرة فيها أو التأثير فيما يجري بعدها داخل العراق. وعقدت القمة العربية بصعوبة، لتنفجر الخلافات داخلها بعنف.

ويوازى ذلك في الأهمية وجود اعترافات أو إقرارات رسمية علنية، بأن الأوضاع قد تغيرت في ظل عبارات انطلقت من بعض المسؤولين العرب، كوزير خارجية قطر، تصف الحالة العربية بصورة شديدة القسوة.

وبالتالي، فإن ما أصبح مطروحا على الساحة العربية حاليا، ليس هو البحث في كيفية بناء نظام أمني للدول العربية، وإنما الكيفية التي يمكن أن تتم بها إعادة تأسيس النظام الإقليمي العربي من الأساس.

لذا، فإن القضية، حسب بعض تعبيراتها المؤسسية، هي جامعة الدول العربية ذاتها، وليس نظرية الأمن القومي العربي التي لم تعد قادرة على استيعاب ما يجري فيما يسمى اصطلاحيا "البيئة الاستراتيجية" العربية.

لكن ظل هناك إدراك دائم بأنه لا يمكن الحديث في النهاية عن نظام إقليمي دون مفهوم أمني. فالعروبة لا تزال، على الأقل من وجهة نظر الرأي العام، حقيقة سياسية وليست مجرد رابطة ثقافية، والمشكلة المثارة حاليا هي: كيف يتم التعامل مع تلك المشكلة الأمنية المفهومية، حتى لا تنفلت الأمور نظريا كما انفلتت عمليا.

ثلاثة تيارات عربية

ويبدو مما يثار في الوقت الحالي أنه لا يوجد اتجاه واحد بهذا الشأن. فهناك تيار راديكالي يُـصر على أن شيئا لم يتغير، متصورا أنه يمكن الاستمرار فيما كان قائما من قبل، وأن ما سيتم هو فقط إضافة أعداء جدد للأمة العربية.

ويرى تيار آخر أنه يجب إحداث تحولات حقيقية في مفهوم الأمن العربي ليقترب من مفاهيم الأمن الإقليمي المعتادة.

ويدفع تيار ثالث في اتجاه تأجيل البحث في مسألة الأمن برمتها، حتى لا يتم فتح الباب لعمل الشيطان في ظل فترة أقل ما توصف به هو "انهيار أمني".

لقد بدأت آثار الصدمة التي أصابت العرب في الحرب الأمريكية على العراق في التلاشي نسبيا، لكن لا تزال حالة من الترنح قائمة على المستوى الفكري، بما لا يتيح التنبؤ بدقة بطبيعة الأفكار الأمنية التي ستفرزها المرحلة.

لكن المؤكد أن مفهوم الدفاع المشترك الذي حكم التفكير العربي قد فقد قوته. وبالتالي، يتصور أن تظهر مفاهيم أمنية ذات أبعاد إقليمية براغماتية قد تستند أكثر على حق الدول في تحديد مصادر تهديد أمنها، والأسلوب الملائم للتعامل معه في ظل أطر تنسيقية، قد تتخذ طابعا متعدد الأطراف، أقل رسمية وأكثر وظيفية.

وسوف تكون مفاجأة حقيقية أن تعود الدول العربية إلى التفكير مرة أخرى بالأسلوب القديم، وكأن ما حدث في العراق هو مجرد حريق على مشارف النظام العربي وليس في صلبه وجوهره.

د. محمد عبد السلام – القاهرة


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×