خريجون عاطلون يحرقون أنفسهم!

صورة من الأرشيف التقطت يوم 17 يناير 2002 أمام البرلمان المغربي في الرباط إثر تدخل الشرطة لفض تظاهرة للخريجين العاطلين عن المل بالقوة Keystone Archive

تجمع العشرات من العاطلين عن العمل في الشارع الرئيسي في العاصمة المغربية الرباط ليحموا رفاقا لهم يضرمون النار بأنفسهم احتجاجا على تجاهل الحكومة لمطالبهم في التشغيل.

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 ديسمبر 2005 - 11:01 يوليو,

وقد أثار إقدام بعض الخريجين المغاربة العاطلين عن العمل على هذه الخطوة مزيدا من الجدل حول الظاهرة المزمنة وسبل حلها.

أمام البرلمان، حيث ممثلو الشعب، صعد العاطلون من احتجاجاتهم، فبعد سلسلة الاعتصامات والتظاهرات الهادئة والصاخبة والاضرابات عن الطعام، وجدوا أن فضيحة لـ "بلادهم وحكومتهم" قد تكون الرصاصة الاخيرة في الوسائل السلمية للاحتجاج، ربما قبل أن ينتقلوا الى وسائل أكثر عنفا تنقل بدورها الحكومة من موقف "المتفرج المفضوح" إلى موقف "المتألم المفضوح".

أربعة من العاطلين اصحاب الشهادات التقنية المتوسطة وحاملي ما يسموها رسائل اميرية، نسبة الى الملك محمد السادس حين كان وليا للعهد ورسائله للجهات المعنية لتأمين منصب عمل لحامليها، صبوا النفط على اجسادهم واضرموا بها النار، لان الجهات المعنية لم تنفذ التوصيات الاميرية رغم مرور اكثر من تسع سنوات على تسليمها.

النيران التي شبت بالاجساد الشابة، أتت على الكثير من ملامح اصحابها، دون ان تأتي على أرواحهم، وسط عويل وصراخ ونحيب زملائهم وتصديهم لرجال الاسعاف لمنعهم من التدخل ليوغل الاحتجاج الى اقصاه.

الحكومة لم تول اهتماما استثنائيا لهذه المأساة، كما لم تول سابقا اهتماما بالمظاهرات والاعتصامات اليومية مقابل مقر البرلمان في شارع محمد الخامس، أهم شوارع العاصمة المغربية والتي ينظمها العاطلون بمختلف فئاتهم وتخصصاتهم ومستوياتهم الجامعية.

شكل جديد للإحتجاج

يقول الباحث الاقتصادي المغربي نور الدين العوفي رئيس جمعية الاقتصاديين المغاربة واستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق بالرباط: "إن محاولة الانتحار حرقا التي قام بها المعطلون شكل جديد من اشكال الاحتجاج على الحكومة والتأثير على الرأي العام بعد ان أحس هؤلاء ان الاشكال التي سبقت، اعتصام او مسيرة او تظاهرة او اضراب عن الطعام، لم تصل بهم الى نتيجة ولم تحقق اي من اهدافهم، بل وجدوا ان الرأي العام والحكومة اعتادوا على تلك الاشكال ولم تعد تثير اهتمامهم".

ويعتقد العوفي ان ما جرى له دلالة رمزية ويقول في حديث خاص مع سويس انفو: "يجب الانتباه الى رمزية الاحراق الذي يعيشه المغرب منذ بداية التسعينات. فالشباب الذين بصلون الى الارض الاوروبية في إطار الهجرة السرية، كانوا يقومون بحرق اوراقهم المغربية من هوية شخصية او جواز سفر، لذا وصفت عملية الهجرة السرية بـ "الحريق" واطلق على المهاجر السري بـ "الحارق"، أي الحارق لاوراقه الشخصية".

ورمزية الحرق او الاحتراق عند العوفي تتجاوز مسألة الاوراق ويرى فيها "حرق شروط الانتماء للوطن والارتباط السياسي بالمغرب"، ويوضح ان "الاوراق تعني الحق بممارسة حقوق المواطنة من اثبات الحق المادي بالمواطنة والمشاركة في الوطن من خلال ممارسة حق الانتخاب واختيار تسيير البلاد".

وارتباطا برمزية الاحتراق فإن حادثة حرق المعطلين لاجسادهم إعلان عن فقدان الارتباط الاجتماعي بالوطن، فالانسان، حسب العوفي، يرى في الوطن اجتماعيا، الكفيل للعيش الكريم والكرامة الانسانية واذا فقد الانسان/المواطن الثقة بهذا الكفيل، فإنه يفقد ارتباطه الاجتماعي ومع فقدان الاحساس بالارتباط السياسي يصبح الوطن كلمة بلا معنى واذا كان فك الارتباط السياسي بالوطن يكون بحرق الاوراق فإن فك الارتباط الاجتماعي والانساني يكون بحرق الجسد وهو اقصى انواع فك الارتباط او الابتعاد وفقدان الثقة بالعمل الجماعي وفقدان الثقة ايضا بالجماعة او بالمجموع.

التنمية .. البشرية أم الإقتصادية؟

الا ان نور الدين العوفي يرى في حرق المعطلين لاجسادهم (وان كان عملا احتجاجيا فرديا) "أرقى" و"أسمى" اشكال الاحتجاج الانساني ورمزا للتضحية الفردية في سبيل المجموع، اذ ان المعطل الذي احرق جسده بالنفط امام الكاميرات يريد ان يساهم في اثارة قضية ومأساة مجموعة من المجتمع تشعر بضيم وظلم لحق بها.

ويأمل المعطلون من حادثة الاحراق في شارع محمد الخامس حافزا لايقاظ اصحاب القرار والحكومة لاعادة النظر في سياستها التشغيلية والاهتمام بقضية المعطلين، وان كان يصعب اعادة النظر في سياسة التشغيل خارج سياق معالجة الاستراتيجية الاقتصادية المعتمدة من الحكومات المغربية على مدى اربعين عاما، وهي نفس الاستراتيجية المعتمدة في دول العالم الثالث والقائمة على الارتقاء بمعدل النمو الاقتصادي، اي ارتفاع الدخل القومي وتحسين المؤشرات الاقتصادية. اي ان التنمية الاقتصادية شرط ضروري للتنمية البشرية، وهي الاستراتيجية التي اثبتت فشلها وأكد هذا الفشل ما ورد في تقارير التنمية البشرية التي يصدرها سنويا برنامج الامم المتحدة للانماء.

وقد أشار التقرير الأخير إلى أن تقدم ورقي المجتمعات تقوم بالترتيب على مستوى التعليم (التمدرس والامية) ومستوى الصحة والمستوى الاقتصادي (أي الناتج القومي). ووصل إلى نتيجة مفادها أن التنمية البشرية تعتبر شرطا ضروريا للتنمية الاقتصادية وليس العكس نظرا لان تحسين التنمية البشرية يوسع قدرات المجتمع ويسمح لافراده بتوسيع دائرة اختياراتهم.

لا مفر من إصلاحات حقيقية

ويقول نور الدين العوفي لسويس انفو إن الدولة المغربية أدركت منتصف الثمانينات مخاطر ظاهرة بطالة الشباب حاملي الشهادات العليا وشكلت المجلس الوطني للشباب والمستقبل الذي قدرت دراسات انجزها المجلس عدد الشباب حاملي الشهادات العاطلين عن العمل بحوالي 100 الف شاب، كما شخصت الدراسات اسباب الظاهرة في النظام التعليمي من جهة وسوق العمل وتحديدا في قصور الجهاز الانتاجي (وتخلف القطاع الخاص بوجه خاص).

ولان الاصلاح خلال السنوات الماضية اقتصر على نظام التعليم ولم يشمل النظام الاقتصادي، وفي ظل استمرار فشل المحاولات الترقيعية، فإن ازمة البطالة استفحلت بسبب زيادة الوافدين على سوق الشغل دون ان يترافق ذلك مع توسيع السوق.

ولا يشترط العوفي - على غرار عدد من الاكاديميين المغاربة - لتدبير مسألة البطالة تشغيل العاطلين في الجهاز الاداري للدولة، رغم ما في تشغيلهم من مصلحة للدولة كفاعل اقتصادي (نظرا لما يحملونه من شهادات علمية وما يمثلونه من كفاءات)، لكنه يدعو الى إنجاز إصلاحات حقيقية في الجهاز الانتاجي والوعي بان التنمية البشرية شرط للتنمية الاقتصادية.

كما يدعو إلى وضع ضوابط لتفعيل القطاع الخاص الذي لازال العمل معه غير مضمون وغير ملتزم بشروط العمل، من ضمان صحي واجتماعي ومستوى الاجور، واعتماده، كما الدولة، على استرتيجية زيادة الصادرات بدل تقليص الواردات مما جعله يبحث عن اسواق يعتمد في الدخول اليها على تنافسية الاسعار وبالتالي تقليص نفقات الانتاج والتي كان من بينها تقليص حجم كتلة الاجور، بالاضافة الى اعتماده على الدولة في الكثير من نشاطاته الاقتصادية والتهرب من استحقاقات عليه الالتزام بها.

احتجاجا على عدم تشغيلهم، أحرق عاطلون عن العمل انفسهم أمام الملأ، رمزا للاحتجاج وأملا للفت الانظار والتعاطف، لكن استمرار الازمة والمأساة الانسانية وتجاهل وعجز الدولة والفاعلين السياسيين والاقتصاديين في المجتمع قد يدفع باليائسين الى تصعيد يعبر عن عن حقد وانتقام ويكون حرقا واحتراقا، وبدلا من الاكتفاء بالاحتراق المنفرد يكون الاحتراق الاوسع والاكثر ضررا.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة