Navigation

دارفور والقوات الدولية.. أزمة في الأفق

مشهد من الجلسة التي صادق فيها مجلس الأمن الدولي على القرار 1706 في نيويورك يوم 31 أغسطس 2006 swissinfo.ch

أخيرا، صدر القرار الدولي رقم 1706 بنشر قوات دولية في دارفور وفق صلاحيات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 سبتمبر 2006 - 12:00 يوليو,

ورغم تأكيده احترام سيادة واستقلال السودان ودعوة حكومته للموافقة على القرار، إلا أن جوهره والتفسيرات الأمريكية والبريطانية له تعتبر أن هذه الموافقة ليست شرطا مسبقا مما ينذر بأزمة خطيرة في الأفق.

أخيرا، صدر يوم الخميس 31 أغسطس في نيويورك القرار الدولي رقم 1706 القاضي بنشر قوات دولية في دار فور وفق صلاحيات البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

ورغم تأكيده احترام سيادة واستقلال السودان ودعوة حكومته للموافقة على القرار، إلا أن جوهر القرار والتفسيرات الأمريكية والبريطانية تعتبر أن هذه الموافقة ليست شرطا مسبقا، فيما يظل موقف الخرطوم الرسمي رافضا، بينما رموز من المعارضة السودانية ترحّـب بالقرار من أجل ما تعتَـبره حماية للمدنيين ضد بطش الحكومة.

موافقة إفريقية

بالرغم من الاعتراضات الحكومية السودانية ومطالبات الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي بتأجيل النظر في قرار نشر قوات دولية في دارفور حتى منتصف سبتمبر لتأمين موافقة حكومية إيجابية وتعزيز الاستشارات حول القرار المرغوب، أصرّت واشنطن ولندن على إصدار القرار في اليوم الأخير من أغسطس، على أن يطبّـق في غضون شهر واحد، وذلك في ظل رئاسة بلد إفريقي لمجلس الأمن، وهو غانا، في إشارة رمزية إلى أن القرار يحظى بموافقة إفريقية، وليس فقط موافقة أوروبية أو أمريكية.

والحق أن هذا البُـعد الرمزي يتواصل مع بُـعد واقعي، يتمثل في أن الاتحاد الإفريقي نفسه اتّـخذ قرارا سابقا بإنهاء ولاية عمل القوات الإفريقية في نهاية شهر سبتمبر الجاري، وأبدى موافقته على أن تتحوّل مهمة هذه القوات إلى رعاية الأمم المتحدة، ماليا وسياسيا وعملياتيا، مستندا في ذلك إلى أن التمويل المتوافر لا يسمح بدور لهذه القوات بعد نهاية سبتمبر 2006.

الحجة المالية هنا، ليست في الواقع أكثر من مبرر ظاهري. فكثير من الدول الإفريقية لا ترى أي مبرر في مواجهة دبلوماسية مع الولايات المتحدة فقط لمناصرة السودان. فبالرغم من أن القوات الإفريقية كان يتم التعويل عليها في صياغة استراتيجية تخُـص القارة السوداء لحماية الأمن والسلم في الأزمات التي تنشأ بين الدول الإفريقية أو في داخلها، على أن يكون ذلك ضمن صيغة لتعاون دولي / إفريقي دائم، يقدّم فيه الجانب الدولي مساعدات مالية وتدريبية واستشارات ومعدات والأجهزة الضرورية، للقيام بأدوار حفظ الأمن وبناء السلام بصورة مناسبة، وأن يتحمّـل الجانب الإفريقي عبْء تقديم القوات وتحمّـل المخاطر المباشرة. لكن تجربة القوات الإفريقية في دارفور لم تسمح بالسير قُـدما في هذه الاستراتيجية.

إحباط متعمّـد

وظاهر الأمور وجوهرها معا، يرجّـح أن القرار الدولي، ممثلا في الإرادة الأمريكية المُـهيمنة على عمل مجلس الأمن الدولي، لم تجد في هذه الصيغة ما يُـفيد مصالحها المباشرة في القارة السوداء. ومن هنا، كان تقاعُـسها الواضح عن تنفيذ وعودها لتقديم الأموال والمعدات للقوات الإفريقية في دارفور، وهو ما انعكس سلبا على مواقف العديد من البلدان التي قدّمت الوعود نفسها، ككندا وألمانيا وفرنسا وغيرهم، ولكنها حذت المنحى الأمريكي نفسه.

وحتى القرار العربي الصادر في القمة العربية بالخرطوم في شهر مارس الماضي، بتوفير تمويل للقوات الإفريقية لضمان استمرارها بعد سبتمبر الجاري، لم ينفّـذ منه شيء، مما يُـشير إلى تكامُـل المواقف الدولية والعربية في إحباط مهمة القوات الإفريقية في دارفور، ناهيك عن أن اتفاق أبوجا، الذي يواجَـه بمعارضة من جناح عبد الواحد نور في حركة تحرير السودان، وحركة العدل والمساواة، لم يقدّم الكثير بعد مرور شهرين على توقيعه من أجل تحسين الوضع الإنساني في الإقليم المضطرب.

ومجمل القول هنا، أن الاقتراب الإفريقي الذاتي لحفظ الأمن والسلم، كما في تجربة دارفور، قدمت سابقة غير مبشّـرة وسيكون لها انعكاسها على جهود الاتحاد الإفريقي مستقبلا.

معادلات حاكمة جديدة

ومع صدور القرار رقم 1706، وتأمل مهام القوات الدولية، التي تشمل استعمال كافة الوسائل اللازمة، وهو التعبير الذي يشير بصورة غير مباشرة إلى شرعية استخدام الوسائل العسكرية، تغيّـرت المعادلات الحاكمة لأزمة دارفور بطريقة جذرية.

فالقضية لم تعُـد محصورة في إطارها السوداني والإفريقي والإنساني، بل تحوّلت إلى قضية تُـهدّد الأمن والسّـلم الدوليين، وبما يعطي شرعية للتدخّـلات الدولية المباشرة، سواء رفَـض بعض المعنيين بالقضية الأم أم قبلوا.

ومع الإصرار الحكومي حتى اللحظة في رفض القرار، فثمة أزمة سودانية دولية قيْـد التشكيل. فالرافضون لنشر القوات الدولية، ووفقا لمنطوق القرار، سيُـعدّون من المهدّدين للأمن والسلم الدوليين، ومن ثم تنطبق عليهم الإجراءات العقابية المنصوص عليها في القرار حصرا، وفي الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة إجمالا، وهي تدابير تشمل تجميد الأصول وحظر السفر والاعتقال للأفراد والمسؤولين الذين يُـعدّون متهمين بارتكاب جرائم حرب، واستخدام القوة ضدّهم وفرض العزلة الدبلوماسية والسياسية.

مهام دولية جديدة

ومن الجديد في مهام القوات الدولية، التي ستضُـم بدورها عناصر إفريقية وآسيوية وأخرى أوروبية تابعة للحلف الأطلسي، أن تقوم بمُـصادرة وجمع الأسلحة أو أي أعتدة يُـمثل وجودها انتهاكا لاتفاق السلام ولوقف إطلاق النار، وهو ما يعني أن هذه القوات سيكون عليها عبء تطبيق اتفاقي نجامينا لعام 2005 بشأن وقف العمليات العدائية، وأبوجا في مايو 2006، خاصة في جانبه الأمني، ولاسيما ما يتعلق بتجريد الجماعات المتّـهمة بارتكاب الفظائع من سلاحها، وفي المقدمة ميليشيات الجنجويد العربية، الذين تصفهم الدوائر الغربية بأنها السّـبب وراء الأزمة والمسؤولة عن جرائم حرب بحق أهل الإقليم.

وتشمل المهام أيضا، مراقبة وقف إطلاق النار والإبلاغ والتحقيق في انتهاكات وقف إطلاق النار، ورصد الأنشطة العابرة للحدود التي تضطلع بها جماعات مسلّـحة على طول حدود السودان، من تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى. وذلك، إلى جانب مهمّـات أخرى كانت تقوم بها القوات الإفريقية من قُـبيل مراقبة وقف إطلاق النار والفصل بين القوات المتحاربة والانتشار في مناطق عازلة وحماية مخيمات النازحين، وتأمين قوافل الإغاثة الدولية.

مخاوف حقيقية

ووفقا لهذه المهام، فإن المخاوف الرسمية من أن تقوم القوات الدولية المعززة بصلاحيات الفصل السابع باعتقال من أتَـت أسماؤهم من الرسميين أو المواطنين السودانيين في وثيقة المدّعي العام الجنائي الدولي كمُـتَـورّطين في جرائم حرب وإبادة جماعية، تصبح أقرب إلى الحقيقة، كما لن يكون هناك أي دور حاسم للقوات الحكومية في تطبيق اتفاق السلام في أبوجا، بل على العكس، فإن حركة وأنشطة هذه القوات الحكومية، وفي ضوء عدم الثقة في التحرّكات السودانية الرسمية، قد تكون هي محلا للمراقبة من قبل القوات الدولية الجديدة في حال نشرها بالفعل.

الأكثر من ذلك، فإن خُـطط الحكومة في السيطرة الأمنية على شؤون الإقليم، لن يكون لها أي قابلية للتطبيق، لاسيما تلك التي قـدّمت للأمم المتحدة وتقضي بنشر عشرة آلاف جندي سوداني إلى جانب القوات الإفريقية الموجودة، بداية من شهر يناير المقبل، وكان السودان يأمل أن تقبلها المنظمة الدولية، ولو بعد إدخال تعديلات عليها، جنبا إلى جنب استمرار مهمة القوات الإفريقية، لكن الفكرة الآن لم تعُـد مطروحة بالمرّة.

خيارات رسمية محدودة

ماذا عن الخيارات الحكومية؟ علينا هنا أن نلاحظ أن الموقف الحكومي في رفض القوات الدولية، ليس مؤيّـدا من القوى السياسية السودانية الأخرى، والتي يميل بعضُـها إلى الرفض ويؤيد بعضُـها الأخر نشر هذه القوات، وهنا تتّـضح عدّة عوامل للتأييد، منها موقف مبدئي بالتعاون مع الأمم المتحدة لحل مشكلات السودان الأكبر من طاقة أبنائه.

ثانيا، لكون نشر قوات دولية على الأرض السودانية ليس جديدا، فهي موجودة في الجنوب، والقرار الدولي الجديد يقوم بتوسيعها، وأن يمتد دورها إلى الإشراف على تطبيق اتفاق أبوجا للسلام في دار فور، والذي يُـعاني صعوبات عدّة.

ثالثا، الاقتناع التام بأن إطلاق يد الحكومة في شؤون دارفور دون رقيب دولي معتبر، لن يؤدي إلى استقرار الإقليم، بل إلى مزيد من التدهور والتراجع في أوضاعه.

ورابعا، وجود رغبة لدى قيادات معارضة عدّة في تجسيد فشل سياسات حكومة المؤتمر الوطني الحاكم، وأنها أوصلت البلاد إلى حالة وصاية دولية بشكل أو بآخر، مما يُـساعد على توسيع رُقعة التمرّد عليها.

هذه الأسباب التي تدعو أحزاب وقوى معارضة للترحيب بالقوات الدولية في دارفور، تُـضعف من القوة السياسية والمعنوية للموقف الحكومي الرافض، وتُـبرزه باعتباره موقفا حزبيا، وليس موقفا حكوميا معبّـرا عن عموم الأمة، خاصة وأن الشريك في الحكومة القومية، حسب اتفاق نيفاشا للسلام في الجنوب، أي الحركة الشعبية لتحرير السودان، لا ترى غَـضاضة في قبول القوات الدولية في دارفور لحسن تطبيق اتفاق أبوجا، كما هو الحال في الجنوب.

ومع ذلك، فإن رفض الحكومة رسميا نَـشر هذه القوات الدولية، يمثل مصدرا لتوتّـر مُـحتمل، خاصة إذا ما قام الجيش السوداني بإعادة الانتشار في مناطق مُـختلفة وبكثافة أكبر في دارفور.

والتوتر المحتمل هذا، سيكون له أبعاد عدة، فهو إشارة سلبية لكل الدول التي قد تفكّـر في المشاركة في القوات الدولية، مما سيجعل الكثيرين يعيدون التفكير في مثل هذه المشاركة المحفوفة بالمخاطر، وهو أيضا مَـدخل لتوتّـر مؤكّـد مع الولايات المتحدة، التي عرضت بعض المُـغريات المحدودة على الرئيس عمر البشير، إذا ما قبل هذه القوات الدولية طواعية، وهو ثالثا مصدر لتراجع علاقات السودان مع عدد من البلدان الإفريقية، لاسيما التي تحمّـست وعملت بكل جدّ لنقل القوة الإفريقية إلى رعاية الأمم المتحدة.

وإزاء هذه المصادر المتعدّدة من التوتر السياسي والدبلوماسي، تبدو الخيارات الرسمية العملية محدودة، وتتراوح بين حدّين، إما استمرار الرفض وتحمّـل النتائج، بما في ذلك احتمال مُـواجهة عسكرية في الإقليم، إذا ما أصرّت واشنطن على إرسال هذه القوات، رغما عن معارضة الحكومة، وإما تدخّـل الوسطاء، ومن بينهم وُسطاء عرب وأفارقة يسهمون في تليين الموقف الرسمي وإبداء بعض المُـرونة، نظير الحصول على ضمانات سياسية بأن لا ملاحقة إطلاقا للمسؤولين السودانيين تحت أي سبب، وأن يكون هناك مدى زمني مناسب لعمل هذه القوات الدولية الموسّـعة، مما قد يشجّـع على تغيير الرفض المُـطلق إلى مُـجرد تحفُّـظ، ومن ثم، تبدأ القوات الدولية في التدفق على دارفور وتبدأ مهمّـتها الحاسمة.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.