تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

دعم المانحين مشروط بالقضاء على الفساد

يعتبر الكثير من المراقبين أن بناء هذا المسجد الضخم (بتكلفة تناهز 35 مليون دولار بتمويلات من طرف رجال أعمال أثرياء مؤيدين للرئيس اليمني) يعتبر من الشواهد على تفاقم الفساد في اليمن

(Keystone)

حصول اليمن على المساعدات والدعم الخارجي بات مرهونا بمدى ما سيحققه هذا البلد العربي من خطوات في مكافحة آفة الفساد.

هذا ما يتردد على لسان مسؤولي البلدان المانحة والمؤسسات المالية الدولية، كما يتردد على لسان الجميع داخل البلاد، سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة.

كان يمكن لمثل هذا الربط بين دعم التنمية ومكافحة الفساد أن لا يعطى كبير عناية لو أن البلاد ليست بحاجة إلى مصدر كهذا للتمويل العمومي، لكن والمستقبل ينبئ بنضوب النفط في أفق عام 2012، حسب تقدير المؤسسات المالية الدولية ونظرا لأن مؤشرات التنمية البشرية متدنية تحتاج إلى استثمارات ضخمة، فإن الأمر لابد أن يؤخذ على محمل الجد، وفقا لما يُـجمع عليه المراقبون والمحللون.

ومن هنا، بات التلازم بين حصول اليمن على مساعدات لتحريك عجلة التنمية والتوجه نحو مكافحة ومحاصرة الفساد يُـهيمن اليوم على الساحة اليمنية ويشغل جل الأطراف المعنية، مما جعل الأنظار مشدودة لما ستسفر عنه الإجراءات والتدابير المعلن عنها حيال محاربة ظاهرة الفساد وكبح انتشاره.

ويعزي الحضور القوي لملف الفساد في المشهد السياسي اليمني إلى التقييمات السلبية التي حاز عليها هذا البلد في الآونة الأخيرة، حيث تبدو الصورة قاتمة من خلال رصد هذه الآفة كما أن المواقف منها كانت شديدة، لاسيما من قبل المؤسسات المالية الدولية.

فالبنك الدولي أعلن خلال العام الماضي عن تقليص دعمه لليمن من 420 مليون دولار عام 2002 إلى 280 مليون دولار عام 2005 بحجة ما أسماه "غياب الشفافية وانتشار الفساد"، ومن جهته، علق صندوق النقد الدولي مبلغ 300 مليون دولار منذ عام 2002 كانت مخصصة لليمن بحجة أن صنعاء لم تستكمل سياسات الإصلاحات المالية والاقتصادية التي بدأتها الحكومة اليمنية سنة 1995، بيد أنها لم تسِـر بالوتيرة التي أرادها الصندوق بسبب ما يعتبره البُـطء في تطبيق تعليماته.

"غـول" اسمه الـفـسـاد

أما منظمة الشفافية الدولية، فقد أعطت تقييما متدنيا لليمن في مؤشر الفساد، وعلى الرغم من أن المنظمة سجلت تحسّـنا طفيفا أدى إلى تراجع نسبي في الفساد، إلا أن اليمن بقي ضمن البلدان الأكثر فسادا في العالم. فقد احتل المرتبة 106 عام 2005 من بين 158 بلدا، فيما صنف في الرتبة 112 عام 2004 من بين 146 دولة والمرتبة 88 عام 2003 من بين 133، وكان التراجع بيّـنا في مؤشرات التنمية البشرية، طبقا لما أورده تقرير التنمية البشرية العالمي الصادر عن الأمم المتحدة، إذ جاء اليمن في المرتبة 151 عام 2005 من بين 177 بلدا بعد أن كان في المرتبة 149 عام 2004، وخسر اليمن إمكانية الاستفادة من صندوق دعم الألفية بسبب محدودية الشفافية فيه.

وخلال الزيارة التي قام بها الأمين العام لدول مجلس التعاون الخليجي السيد عبدالرحمن العطية مؤخرا بغية بحث سبل تأهيل اليمن للاندماج باقتصاديات دول الخليج، ظلت إشكالية الفساد تفرض نفسها بقوة رغم عدم وضوح موقف دول مجلس التعاون الخليجي منها.

وعندما طرحت الحكومة اليمنية مشروعا لتأهيل اليمن بغلاف مالي قدره مبلغ 48 مليار دولار يوفر اليمن منها حوالي 64%، فيما توفر بلدان الخليج الجزء المتبقي، حسب ما أعلنه وزير الخارجية اليمنية السيد أبو بكر القربي، أطل كابوس الفساد برأسه على ذلك المشروع، وقيل أن السير في تنفيذه مرهون بمدى ما ستتخذه حكومة صنعاء من خطوات لمحاربة هذه الظاهرة، لاسيما أن إجازة هذا البرنامج مرتبط بما سيقرره مؤتمر المانحين بشأن دعم اليمن والمنتظر انعقاده في نوفمبر المقبل.

هذا "الغول"، كما أسمته منظمة "برلمانيون ضد الفساد" التي أعلن عن تأسيسها مؤخرا، يهدد المجتمع اليمني ويدمر مستقبله. وفي تصريحات خاصة، قال النائب البرلماني المعارض السيد سلطان العتواني، نائب رئيس منظمة "برلمانيون ضد الفساد" لسويس انفو: "الفساد متعدد الأوجه والصور والمجالات، ويدمر المجتمعات والدول، ولهذا، ادعوا الجميع أن يتحدوا ضد الفساد وأن لا يحجبوا أي معلومة وأن يكشفوا جرائم الفساد والوقوف صفا واحدا من أجل مستقبلهم ومستقبل أبنائهم والحفاظ على كيان هذا البلد الذي ينخره الفساد". ويرى العتواني أن عملية محاربة الفساد هي الرهان على كسب المعركة، مشيرا في هذا الصدد إلى أن البلد تكبد كثيرا جرّاء انتشار هذه الآفة.

مكافحة الفساد.. آليات ومشروع متكامل

ويقدر إجمالي ما تكبده اليمن خلال السنوات الخمس الماضية 2000 - 2005 بسبب انتشار الفساد بحوالي 5 مليار دولار، فيما أن البلاد بحاجة ماسة إلى كل فلس، نظرا لشحة الموارد ودنو موعد نضوب النفط، حيث تعتمد الموازنة العامة بدرجة أساسية على العائدات النفطية التي تغطي حوالي 75% من موارد الموازنة العامة و10% التي تأتي من المساعدات والمنح الخارجية، وهي لا تمثل سوى 50% من المساعدات التي كانت تحصل عليها اليمن عام 1990، طبقا لما ذهب إليه وزير التخطيط والتنمية الأسبق أواخر العام الماضي.

ويزداد الأمر خطورة عندما نُـدرك أن العائدات الضريبية، طبقا للمعطيات الرسمية، لا تكاد تفي حتى ببند الأجور والمرتبات للعاملين في الوظيفة العمومية لوحده، في وقت تحذر فيه المؤسسات المالية الدولية من دنو نضوب النفط اليمني في أفق عام 2012، مما يحتّـم على الحكومة اتخاذ تدابير لترشيد وعقلنة الإنفاق عبر منظومة من التدابير الهادفة إلى محاربة الفساد والحؤول دون هدر الإمكانيات المحدودة أصلا.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة التي رسمتها الكثير من المرجعيات المعنية برصد ومتابعة هذه الآفة، بدأت السلطات اليمنية تتلمس الطرق المؤدية إلى اجتثاثها، وعمدت مؤخرا إلى تبني مقاربة متعددة الأبعاد تقوم على بلورة مشروع متكامل لمكافحة الفساد، كما بدا من خلال العديد من الفعاليات والتحضيرات الجارية.

وفي هذا الصدد، وخلال الندوة المنعقدة مؤخرا في صنعاء حول تفعيل آليات مراقبة وحماية المال العام، أوضح مدير مكتب الرئاسة علي محمد الأنسي الذي يتولى تدبير هذا الملف "أن قضية مكافحة الفساد هي قضية وطنية، مشيرا إلى أن هناك إرادة سياسية للتصدي لهذه الآفة، وأن على الجميع عدم التحرج من مناقشة هذه الظاهرة بكل شفافية ووضوح بغية محاصرتها والقضاء عليها، وبما يؤسس لثقافة تلفظ الفساد وتمقته".

ظاهرة مزمنة

وفي هذا السياق، عمدت الحكومة إلى تبني مجموعة من الإجراءات والتدابير الوقائية والزجرية، منها الإعداد والتحضير لإصدار قانون مكافحة الفساد، وتأسيس هيئة وطنية لمحاربة الفساد، وإصدار قانون الذمة المالية والشروع في دراسة مختلف العوامل المؤدية إلى انتشار هذه الظاهرة، بالتعاون مع فرق متخصصة من ألمانيا وفرنسا والأمم المتحدة.

إلى ذلك، يرى العديد من المتابعين والمحللين أن هذه المبادرات الرامية إلى مكافحة الفساد لا يمكن أن تؤتي ثمارها في الأمد المنظور، نظرا لأن مسألة الفساد في البلاد ليست من الظواهر الطارئة أو العارضة، وإنما هي عبارة عن ظاهرة بنيوية مزمنة تلعب فيها الأسباب العميقة التاريخية والسياسية والاجتماعية دورا كبيرا في تجذرها في البلاد وفي قيمها السائدة، مما يبعث على الاعتقاد بأن مهمة اجتثاث الفساد واستئصاله ليست بالمهمة السهلة التي يمكن أن تأتي ثمارها في ظرف وجيز، وإنما هي عملية شاقة لا تقف عند حدود إصدار القوانين واستحداث الهيئات، وإنما باحترام تلك القوانين وتطبيقها على الجميع دون محاباة أو استثناء.

وحتى تحقيق ذلك، سيبقى الانتظار هو القاسم المشترك بين مختلف المعنيين بهذه الإشكالية في الداخل والخارج على حد سواء، وسيظل الدعم الذي تشتد حاجة البلاد إليه مشروطا بالقضاء على الفساد.

عبد الكريم سلام - صنعاء


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×