تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

دوامةُ التصعيد والتصعيد المُضاد

الشرطة الاسرائيلية تنقل جثت الجنود الاسرائيليين السبعة الذين قتلهم مسلح فلسطيني صباح الاحد في مركز عبور بالقرب من مستوطنة يهودية بالضفة الغربية

(Keystone)

في الوقت الذي بدأت فيه الأفكار السعودية الجديدة تكتسب زخما إقليميا ودوليا، أقدمت إسرائيل على تصعيد غير مسبوق باقتحامها لمخيمي بلاطه وجنين للاجئين الفلسطينيين، وهو ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن سبعة وعشرين فلسطينيا وسقوط واحد وعشرين إسرائيليا على الأقل في غضون ساعات قليلة اثر هجمات فلسطينية.

وبالرغم من صحة ما أقدم عليه عديد المراقبين من ربط بين الأجواء الإيجابية التي خلفتها مبادرة الأمير عبد الله وبين التصعيد الإسرائيلي، إلا أن هذا ليس هو السبب الوحيد. إذ أن هناك معطيات أخرى تنبع من الوضع الداخلي الإسرائيلي ومن تداعيات الانتفاضة الفلسطينية وديناميكيات الصراع فيها.

لا شك أن المبادرة السعودية وضعت شارون دبلوماسيا وسياسيا في موقف لا يحسد عليه، فهو لا يستطيع أن يقبل هذه المبادرة، ليس فقط لأنه لا يستطيع قبول الانسحاب لأسباب سياسية وأيديولوجية، بل لان ائتلافه الحكومي سوف ينهار فيما لو قبل مضمون المبادرة.

من ناحية أخرى، لا يستطيع شارون رفض هذه المبادرة وذلك لان أكثرية دول العالم تجاوبت وأيدت مضمونها وجوهرها، ورفض شارون لها سوف يجعله في موقف الدفاع وستنتقل الضغوط الدولية ضده. لذلك حاول، حسبما يبدو، أن يجد من خلال التصعيد وتفجير الوضع الأمني مخرجا له من الحرج الدبلوماسي، خاصة في ظروف شهدت تراجعا في قوته الداخلية وفقا لنتائج آخر استطلاعات الرأي العام ومؤشرات أخرى هامة.

ومن المؤشرات الأخرى على صحة هذا الترابط بين التصعيد الإسرائيلي وبين مبادرة الأمير عبد الله هو اختيار إسرائيل لهذين المخيمين اللذين يعتبران من المعاقل الأساسية للانتفاضة والمقاومة وتحديدا نشطاء حركة فتح التي بدأت مؤخرا تلعب الدور الأساسي في عمليات المقاومة، في محاولة جديدة لاستعادة زخم دعم العالم الخارجي له في ادعائه المستمر بأنه يمارس حربا ضد الإرهاب.

الكرة أصبحت الآن في ملعب الرأي العام الإسرائيلي

ولا شك أيضا أن لهذه العمليات التصعيدية دوافع داخليه إسرائيلية، لقد شهدت الأسابيع الأخيرة تراجعا ملموسا في شعبية شارون وثقة الجمهور في حكومته، الأمر الذي يدفعه إلى محاولة رفع أسهمه وتحسين الثقة الشعبية به عن طريق إظهار قسوة اكثر تجاه الانتفاضة والمقاومة ليقول لجمهوره أن في جعبته دائما قوة اكبر.

ومن ناحية أخرى، فقد حققت المقاومة الفلسطينية أيضا في الأسابيع الأخيرة انتصارات متميزة ضد الجيش الإسرائيلي خاصة قتل الجنود الستة على أحد الحواجز المخصصة لحصار المناطق السكنية إن كانت مدن أو قرى أو مخيمات.

هذه الهجمات الناجحة خلقت لدى الجيش وقيادته والحكومة شعورا بالحاجة إلى عمل كبير يرد الاعتبار للجيش في نظر نفسه وفي نظر الجمهور الإسرائيلي الذي يعاني من تراجع معنوي وبداية يأس من إمكانية تحقيق السلام والأمن بالقوة على طريقة شارون.

عامل آخر يساعد على تفسير هذا التصعيد هو أن الطرفين يرفضان أن تكون الرصاصة الأخيرة للطرف الثاني. وهكذا فبقدر ما كانت عمليات المخيمات ردا على سابقاتها من العمليات الفلسطينية، جاءت عملية القدس مساء يوم السبت، والتي قتل فيها عشرة إسرائيليون وجرح أربعون، تلتها عملية أخرى صباح الأحد قتل فيها تسعة إسرائيليين سبعة منهم جنود. وهكذا فان الحقيقة الجوهرية في هذه المسألة أن العنف والضغط الإسرائيلي فقط يولد ردودا فلسطينية وهكذا دواليك.

وبالرغم من الثمن الباهظ جدا الذي يدفعه الشعب الفلسطيني، ليس فقط على المستوى البشري بل على مستوى الدمار الشامل لبنيته التحتية وغيرها، إلا أن الأمور تسير بما لا تشتهي سفن شارون. فوضعه الدولي الآن اقل راحة من قبل، وأحواله الداخلية أيضا في تراجع.

أخيرا، فعلى ما يبدو أن المقاومة والانتفاضة الفلسطينية قد جعلت الآلة العسكرية الإسرائيلية الهائلة عديمة الجدوى فيما يتعلق بتحقيق الأهداف الإسرائيلية، وربما أن الكرة الآن في ملعب الشعب الإسرائيلي الذي يظهر عليه الآن التخبط والحيرة وعدم وضوح الرؤية.

د.غسان الخطيب - القدس

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×