Navigation

رحـيـل والـــد حـكـيـم

آخر صورة رسمية التقطت للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يوم 11 سبتمبر 2004 خلال زيارة أداها إلى المنطقة الشرقية من أبو ظبي Keystone

لم يكن رحيل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارت العربية المتحدة الذي شُـيع ظهر الاربعاء الى مثواه الاخير بالمفاجئ.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 نوفمبر 2004 - 10:05 يوليو,

إلا أن خبر وفاة الرجل الذي يحظى باحترام واسع داخل العالم وخارجه نزل مثل الصاعقة على أبناء البلد والمقيمين فيه على حدّ سواء.

لم يكن رحيل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي شُـيع ظهر الاربعاء 3 نوفمبر الى مثواه الاخير بالمفاجئ، ذلك أن الاشاعات ما انفكّـت منذ أكثر من ثلاثة أسابيع تتردد، خاصة على الهواتف الجوالة، عن موته سريريا، إلا أن خبر وفاته نزل مثل الصاعقة على أبناء البلد والمقيمين فيه من الأجانب على حدّ سواء.

وخيّـمت أجواء الحزن على الامارات، وتوقفت الحياة في البلاد، وتعطّـلت المؤسسات الحكومية والخاصة، فيما ردّدت مكبّـرات الصوت من المساجد الآيات القرآنية في مختلف إمارات الدولة التي نعت فقدان مؤسسها وباني نهضتها، وقائدها العام، وفي كلمة "الوالد".

ولهذه الالقاب وغيرها التي كان يُـلقب بها الشيخ زايد ما يفسرها في المسيرة التنموية لدولة الامارات العربية المتحدة، والتي أصبحت في عقود ثلاث مثالا يحتذي، سواء في محيطها الاقليمي أو العربي.

باني الاتحاد والدولة

ينحدر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من قبيلة بني ياس بإمارة أبو ظبي، التي تحّولت منذ عام واحد وسبعين الى عاصمة اتحاد من سبع إمارات، يُـعاني أغلبها من الفقر والتخلف في تلك الفترة إلى الشيخ زايد مباشرة بعد استقلالها عن التاج البريطاني إلى توحيدها تحت راية واحدة، وهي إضافة إلى ابو ظبي، دبي، والشارقة، وأم القوين، ورأس الخيمة، وعجمان، والفجيرة.

وتعتبر امارة أبو ظبي الأغنى. فهي تمتلك 93% من ثروة البلاد النفطية، هذه الثروة التي استخدمها الشيخ زايد على امتداد العقود الثلاثة التي قضاها على رأس الاتحاد، في تطوير البنية التحتية للبلاد ككل، من بناء الطرقات السيارة والجسور والمدارس وإيصال الكهرباء إلى أقصى البلدات في الصحراء، وكذلك المياه، و غيرها من الخدمات الاجتماعية، وخاصة إقامة مدن بأكملها، وتوزيع بيوتها على أبناء الدولة مجانا في أغلب الأحيان.

وقد أصبحت إمارات الدولة وان كان بدرجات متفاوتة مدنا حديثة ذات اقتصاد قوي ومتنوع تجلب اليها المستثمرين والباحثين عن فرص العمل في مختلف المجالات من كل اصقاع العالم. فاكثر من مائة وخمسين جنسية تتعايش في إمارة دبي ذات البنايات الشاهقة والنزل الفخمة والقوانين المشجعة على الاستثمار حتى وان كان الفضل الاكبر في هذا النجاح يعزى الى آل مكتوم حكام الامارة التي تاتي في المرتبة الثانية من حيث الاهمية الاقتصادية بعد العاصمة.

ويتولى الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، حاكم إمارة دبي رئاسة الوزراء في الاتحاد. كما أنه يتولى منذ يوم الثلاثاء رئاسة الاتحاد المؤقتة، بحسب الدستور، لمدة ثلاثين يوما.

إلا أن حكام الامارات الستة الباقية لم ينتظروا مدة الشهر التي ينص عليها الدستور لاجتماع وتعيين رئيس جديد، بل بادروا إلى تعيين الشيخ خليفة بن زايد آل سلطان، الذي خلف والده كحاكم لأبو ظبي، رئيسا للاتحاد ساعات فقط بعد مواراة جثمان الرئيس الثرى.

الانتقال السلس للسلطة

ويعزى هذا الانتقال السلمي والسلس، وخاصة السريع، للسلطة إلى عناصر عدة، منها أساسا المكانة الاقتصادية المهمة التي تحظى بها إمارة أبو ظبي، وكذلك باعتبارها العاصمة، مما يدعم حاكمها في تولّـي الرئاسة، حتى وإن كان الدستور لا ينص على ذلك صراحة.

ويبدو أيضا أن التعجيل بتعيين خليفة بن زايد آل سلطان رئيسا لدولة الإمارات يأتي لقطع الطريق أمام الإشاعات والتكهنات والهمس باحتمال أن يسعى آل مكتوم إلى استغلال ثقل إمارتهم والعمل على تقاسم السلطات الاتحادية مستقبلا، وكسر احتكار آل نهيان لها، والذي تواصل أكثر من ثلاثة عقود متتالية، إلا أن أهمية دبي الاقتصادية لا تُـضاهي أهمية أبو ظبي. فاقتصادها يظل هشا لاعتماده شبه الكلّـي على الخدمات والتجارة، مما يجعله عُـرضة للتقلبات.

أما باقي الإمارات، فهي تعتمد اعتمادا شبه كلّـي على المساعدات التي تقدّمها لها أبو ظبي، مما يجعلها أبعد ما يكون عن التفكير في المطالبة بمنصب الرئاسة والعمل على تفكيك الاتحاد.

ولعل أكبر دليل على استقرار نظام الحكم في الامارات، خلوها من قوات الجيش والامن التي كان البعض يتوقع انتشارها بكثافة تحسّـبا لأي طارئ، وللحفاظ على الأمن في مثل هذه الحالات وفي بلد يشكو من مُـعضلة، مات الشيخ زايد دون أن يجد حلا لها، والمتمثلة في خلل كبير في التركيبة السكانية للبلاد، إذ لا يمثل المواطنون سوى نسبة 10% من عدد السكان، فيما البقية الباقية هي من الأجانب، وخاصة الآسيويين، وهي معضلة تشكو منها بلدان خليجية مجاورة مثل قطر الغنية بالغار، والبحرين.

كما أن الشيخ زايد تُـوفي دون أن يتمكّـن من استرجاع ثلاث جزر تحتلها إيران في مياه الخليج، وهي جزر طنبة الصغرى، و طنبة الكبرى، وأبو موسى، التي تكاد تكون المشكلة الوحيدة لدولة الإمارات المسالمة.

حكيم الخليج والعرب

رحل الشيخ زايد بن سلطان أل نهيان والعلم العربي في أسوإ حالاته. فالأفق مسدود أمام القضية الفلسطينية، وذلك منذ وصول رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون إلى الحكم، إضافة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش، الذي أسقط منذ وصوله إلى البيت الأبيض هذه القضية من دائرة اهتماماته، تاركا حرية التصرف لشارون الذي ألغى كل الاستحقاقات المتوجّـبة على إسرائيل بمقتضى اتفاقيات موقعة سلفا.

لقد كان الشيخ زايد من أكثر المساعدين ماديا للفلسطينيين، وهو ما قد يعتبر أضعف الايمان في وقت داب فيه العرب على التفرج بصمت عما يُـقترف من جرائم في حق الشعب الفلسطيني، ويحجم عن التدخل.

كما رحل الشيخ زايد، والعراق يرزح تحت الاستعمار الأمريكي البريطاني، ويموت أبناؤه بالعشرات يوميا تقريبا، ليضيف الاحتلال مأساة جديدة إلى مأساته المتواصلة منذ قرر النظام السابق في 2 أغسطس عام 1990 احتلال الكويت ليفرض على البلاد منذ ذلك الحين حظرا دوليا جعلها تتقهقر عقودا على كافة المستويات.

وقد دعا الشيخ زايد في أكثر من مناسبة إلى رفع هذا الحظر عن العراق، كما أنه اقترح على رأس النظام السابق الرحيل عن البلاد لتجنيبها الحرب.

وعلى المستوى العربي ككل، كان الشيخ زايد من دُعاة وحدة الصف العربي والمصالحة لتعزيز التعاون. دعوات رحل دون أن يراها تتحقق، وقد لن تتحقق أبدا.

أما على المستوى الإقليمي، فقد انتهج الشيخ زايد منذ البداية في معالجة قضية احتلال الجزر الثلاث من قبل إيران سياسة الحوار، رغم تعنّـت طهران في هذا الخصوص، وهو ما جنّـب بلاده ذات القدرات العسكرية المحدودة جدا، إن لم نقل شبه المعدومة مقارنة بإيران، ويلات المواجهة المسلحة والتي يعلم سلفا عواقبها.

ولعل أكثر ما سيفتقده أبناء الامارات، الزيارات التفقُّـدية التي كان يقوم بها الشيخ زايد من وقت إلى آخر إلى مناطق مختلفة من الدولة يختلط خلالها بمواطنيه، يستمع إلى شكواهم ويعمل على الاستجابة إلى طلباتهم، هذا فيما سيفتقد العالم العربي عنوانا للحكمة في منطقة تتجاذبها المطامع الأجنبية والإقليمية، وتتقاذفها الأزمات الواحدة تلو الأخرى.

رفيقة محجوب - دبي

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.