Navigation

رغم التهديدات، الأجواء هادئة في العراق

لم يتأثر سير الحياة العادي للمواطنين العراقيين بـعـدُ بالتهديدات المتصاعدة ضد بلادهم Keystone

اثارت موافقة العراق على عودة غير مشروطة للمفتشين عن الأسلحة ارتياحا واسعا داخل العراق وخارجها. لكن كيف تسير حياة الناس في العراق في خضم هذه التطورات الخطيرة؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 17 سبتمبر 2002 - 10:29 يوليو,

مراسلنا في بغداد يؤكد أن الأجواء هادئة بشكل عام وأن تصاعد حملة التهديدات والإستعدادات لم تنعكس على وتيرة الحركة في الشارع العراقي.

نقول، بسهولة، قد يندهش لنا البعض، لا تبدو ثمة انعكاسات عميقة التأثير في الشارع العراقي إزاء تصاعد حملة التهديدات التي يطلقها أركان الإدارة الأمريكية والرامية إلى شن عمل عسكري واسع النطاق ضد العراق.

ويمكن للمراقب المحايد أن يلاحظ العديد من المؤشرات الدالة في مّجملها على واقعية هذا الحكم الذي قد لا يصدقه كثيرون لم يعايشوا الواقع العراقي في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص.

صحيح أن العراقيين الذين خاضوا حربين على مدى اكثر من اثنين وعشرين عاما، وهي سابقة قد تدرج يوما ما في موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية، يتطلعون إلى أن يعيشوا في ظل أجواء سلام ورخاء اقتصادي وهدوء يمنحهم فرصة التقاط الأنفاس والتقدم بقوة نحو العصر.

هذا الحلم المشروع والطبيعي الذي قد يستكثره عليهم البعض، بات متزامنا اليوم مع تراجع الإكتراث بذلك الإيقاع الصاخب الذي يثيره كل هذا الكم الهائل من التصريحات والتحليلات والتصريحات المضادة والأخبار المتضاربة التي باتت تملأ كل الأجواء من حولهم وكلها تقريبا تصب في اتجاه واحد وهو حتمية العمل العسكري وشموليته وغاياته التي لم تعد خافية على أحد في العراق.

الذي يلفت النظر بحق في العراق هذه الأيام هو تلك الطريقة الغير مكترثة والهادئة التي يتعامل بها العراقيون مع القضية التي تنصرف لها أسماع وأنظار الكون منذ أسابيع.

فبرغم أن التهديدات الأمريكية تصخ الآذان وبرغم أن العراقيين قلّما يجافون العادة المتأصلة لديهم في إدارة قرص المذياع بحثا عن صوت مذيع تبثه إذاعة بعيدة وراء البحار، خاصة مع غياب الفضائيات التلفزيونية في منازلهم، إلا أنهم على العموم ينصرفون إلى أعمالهم في الصباح الباكر بهمّة ربما لا توازي حجم المستقبل المظلم الذي تنذرهم به تلك الأخبار المشؤومة التي سمعوها في الليلة الماضية.

توجس وقلق لكن بدون هلع!

المفارقة البارزة هنا هي أنه فيما يتوقع كثير من العراقيين أن يتعرضوا لضربة جوية وصاروخية في إطار الحرب الأمريكية المعلنة ضدهم، ينفي البعض الآخر أية إمكانية لحدوث ذلك. فيما يبدو بعضهم غير مكترثا بالأمر تماما وكأن ما يتم التداول بشأنه في أروقة البيت الأبيض والبنتاغون ومجلس الأمن أمر يعني شعبا آخر لا علاقة لهم به.

ومع أن بعض العراقيين يبدون قدرا من القلق بشأن مستقبل بلادهم ومستقبلهم الشخصي أيضا، وهذا مشروع ومفهوم، إلا أن قلقهم هذا يبتعد كثيرا عن حالة الهلع التي كانت تظهر عليهم مع كل حالة مماثلة في السابق، بل وحتى في الحالات التي كانت تهدّدهم فيها الولايات المتحدة بعملية زُعـم أنها ستبدو شبيهة لما يقوم به مبضع الجراح الحاذق.

ومن الملفت أيضا أن هذا التصعيد الخطير في الموقف حول العراق لم يؤدّ إلى نشوب أزمة في السوق العراقية على الإطلاق. وأبدى المراقبون اهتمامهم بأنَّ ذلك الصراخ المتعالي من حول العراق لم ينعكس سلبا على واقع الحركة التجارية والمالية في الأسواق العراقية، خلافا لما كان يحصل في أية بوادر أزمة بين العراق والأمم المتحدة في مراحل سابقة.

ويبدو أن عدم اكتراث العراقيين الذين تطـحـنُـهُـم العقوبات الشاملة المفروضة عليهم منذ أكثر من آثني عاما يعود إلى عوامل عديدة، بعضها واقعي وعملي وبعضها الآخر يتعلق بشخصية الفرد والمجتمع في عموم العراق. فهذه الشخصية المركبة استطاعت أن تخزّن كمّا هائلا متوارثا من الصبر وقوة التحمل والقدرة على المواجهة بنفـس طويل. ولا يظهر في حركة الأسواق العراقية هذه الأيام ما يشير إلى سعي البعض لتخزين مواد غذائية أو سلع أساسية خلافا لما كان سائدا في الماضي.

صحيح أن معدلات صرف العملات الأجنبية إزاء الدينار العراقي في السوق الموازية تتجه نحو الارتفاع هذه الأيام، إذ يبلغ سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الدينار العراقي حاليا نحو 2000 دينار، فيما كان لا يتجاوز 1970 دينارا مطلع الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر، إلا أن هذا الارتفاع الذي يعد طفيفا في المنظور العراقي يعني أن أصحاب رؤوس الأموال ما يزالون، حتى الآن، غير متهافتين على شراء الدولار بكميات أكبر من المعتاد.

ولا يُخفي أغلب العراقيين توجّسهم وقلقهم، غير أن التوجس شئ والهلع شئ آخر، إذ لا يجد المراقب في العاصمة العراقية، رغم ارتفاع درجة حرارة التصريحات والتحركات المضادة، أيا من المظاهر الواشية بالخوف والهلع ومن بينها على سبيل المثال ظاهرة تخزين الوقود بكميات تزيد عن الحاجة تحسبا لأي طارئ.

أسباب الهدوء والاطمئنان الشعبي

يعزو بعض المراقبين هذا الاطمئنان النسبي إلى أن العراقيين تعوّدوا سماع التهديد بأعمال عسكرية طيلة السنوات 12 الماضية بل واعتقاد البعض انهم يتعرضون لأعمال عسكرية من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا بشكل يومي في شمال وجنوب العراق من خلال الطلعات الجوية فوق مناطق الحظر الجوي ( التي تعتبرها بغداد عملا غير شرعي جاء بقرار انفرادي من قبل هاتين الدولتين)، والتي لوحظ مؤخرا ارتفاع درجة تهديدها وزيادة عدد ضحاياها في صفوف المدنيين العراقيين والمنشآت الخدمية والسكنية في جنوب العراق بشكل خاص.
في المقابل، يعزو آخرون هذا الإطمئنان إلى أن العراقيين يأملون من المجتمع الدولي ومن أشقائهم العرب موقفا داعما يلتزم وجهة نظرهم ويدافع عنها.

وبرغم أن العراقيين على يقين بأن الولايات المتحدة يمكن أن تضرب عرض الحائط بالرأي العام العربي والدولي بل وحتى بالأصوات المعارضة للحرب داخل الولايات المتحدة نفسها، لا زال البعض في الشارع العراقي يأمل خيرا من الجهود السياسية المبذولة من هذا الطرف العربي والدولي أو ذاك، مع أن حجم الخلاف بين الموقفين العراقي والأمريكي من الشمولية والعمق بما يحول دون الإسراف في التفاؤل، بمعنى انه لا يجوز للعراقيين أن يعلقوا عليه آمالا أكبر من حجمها. فالتجربة الطويلة مع الولايات المتحدة تجعل من كل الاحتمالات واردة وقائمة أيضا حتى آخر لحظة .

ويعزز الاطمئنان الشعبي العراقي استمرار العمل بنظام البطاقة التموينية الشهرية الذي يؤمِّن احتياجات الفرد العراقي الأساسية والذي بدأ العمل به في شهر سبتمبر 1990 أي بعد شهر واحد من فرض عقوبات الأمم المتحدة على العراق، خاصة وان تسلم العراقيين لحصصهم التموينية لشهرين مقدّما بدلا من حصة شهرية واحدة كان عامل تطمين خلافا لما كان يفترض أن يكون عامل قلق .

الرياضة والأعراس والدراسة ..

يلفت الانتباه أيضا أن كثيرا من العراقيين لم يجدوا افضل من الرياضة وكرة القدم بالتحديد لتناسي التهديدات الأمريكية ووطأة العقوبات الاقتصادية التي ترزح تحتها بلادهم منذ اكثر من 12 عاما، إذ انه وبرغم هموم المعيشة ووطأة الحصار وقسوة البحث المضني عن لقمة العيش وحبة الدواء، قلَّما تجد بين العراقيين من لا ينصرف إلى تشجيع هذا النادي الرياضي أو ذاك، وهي ظاهرة امتدت إلى الإناث بعد أن كانت حكرا على الذكور في السابق .

وليس هذا فحسب، بل أن منظر آلاف العراقيين المتجهين نحو مدرجات ملعب الشعب الدولي، الأكبر بين ملاعب العاصمة، عصر كل يوم بات مألوفا، مما يعبر عن إصرار العراقيين على عدم تفويت الفرصة لمشاهدة منافسات أندية كرة القدم وخاصة تلك المصنفة في الدرجة الأولى .

بل إن بغداد المهددة بالحرب والدمار الأمريكيين انشغلت أيما انشغال واحتفلت على نحو يثير الدهشة بفوز الفريق العراقي على نظيره الأردني في نهائي كأس غرب آسيا .فما أن أُعلن عن فوز الفريق العراقي حتى انطلقت السيارات وهي تجوب الشوارع معلنة الفوز عبر أبواقها تعبيرا عن فوز ثمين طال انتظاره .

وتعبيرا عن سير الحياة بوتائر طبيعية، فإن بإمكان رواد الفنادق الكبرى أن يتمتعوا ليالي الاثنين والخميس من كل أسبوع على نحو خاص بحضورهم دون دعوة رسمية لعشرات من الأعراس التي يقيمها العراقيون في تلك الفنادق إضافة إلى مشاهدة مئات السيارات المزينة بالزهور وأشرطة الزينة الملونة وهي في طريقها لتزف العرسان الجدد إلى أقفاص من ذهب.

كما أن توجّه اكثر من أربعة ملايين ونصف المليون طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة في العراق مطلع الأسبوع الثالث من شهر سبتمبر الجاري مبتدئين العام الدراسي الجديد 2002 /2003 يمكن أن يسجل علامة إضافية على تعامل العراقيين العادي مع الأحداث الجارية من حولهم .

هذه العينات من مظاهر الحياة اليومية في العراق اليوم، تؤكد بلا ريب أن إيقاع الحياة في العراق لا زال أقوى من إيقاع الحرب وقرع طبولها الذي يصمّ الآذان، إلى حد .. الساعة.

مصطفى كامل - بغداد

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.