Navigation

رهانات المستقبل وإكراهات الحاضر

وزير الخارجية الأمريكي كولن باول مستقبلا نظيره اليمني أبو بكر القربي في واشنطن يوم 5 فبراير 2004 Keystone

استرعى حدث توقيع اتفاقية لتنمية التعاون التجاري والاستثماري بين الولايات المتحدة واليمن اهتمام الأوساط السياسية والاقتصادية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 13 فبراير 2004 - 14:09 يوليو,

لكن التوقعات تباينت حيال المردودية التي ستعود بها على كلا الطرفين استنادا إلى عدد من المعطيات والسياقات التي جاء فيها هذا الحدث.

ترى الأوساط الرسمية اليمنية، وكما ورد على لسان مسؤولين يمنيين كبار، وفي طليعتهم وزير الخارجية، أن توقيع هذه الاتفاقية بين البلدين بمثابة مؤشر "محراري" يمكن به قياس مسار العلاقات بين البلدين، وعلى أنها في طريقها إلى ولوج مرحلة جديدة من التعاون التجاري والاستثماري بعد تنامي التعاون الأمني والعسكري بينهما منذ دخولهما في الشراكة من أجل مكافحة الإرهاب عقب تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

وترى هذه الأوساط أن الاتفاقية الإطارية لتنمية التعاون التجاري والاستثماري بين الدولتين مرحلة ممهدة لتنامي التعاون، وسيتمخض عنها فوائد كبيرة على الاقتصاد اليمني، حيث ستؤدي، حسب المنظور الرسمي، إلى تدفق الاستثمارات الأمريكية إلى اليمن، وفتح الأسواق الأمريكية أمام الصادرات اليمنية دون حواجز ومعوقات، وسيساهم ذلك بارتفاع الصادرات اليمنية إلى أسواق أمريكا، كما سيعمل على تنوعها.

وسيؤدي كل ذلك إلى خلق مناصب شغل جديدة وانتعاش سوق العمل اليمني الذي يعاني حاليا من ارتفاع ملحوظ في نسبة البطالة تقدر ما بين 37% و45 % بين قوى العمل بسبب السياسية الانكماشية التي تنتهجها الحكومة اليمنية منذ الشروع في تنفيذ الإصلاحات المالية والاقتصادية عام 1995 وإلى اليوم.

تفاؤل الحكومة وصمت المعارضة

وتعول السلطات اليمنية على أن تجني ثمار هذه الاتفاقية بعد تدفق الاستثمارات الأمريكية المنتظرة، وبفعل الحوافز والمزايا التشجيعية التي تتضمنها الاتفاقية للسلع اليمنية على غرار ما حصل في الأردن الذي عرفت صادرته المتجهة للأسواق الأمريكية ارتفاعا ملحوظا منذ توقيعه على اتفاق التبادل التجاري الحر عام 2000.

ومقابل الرهانات الرسمية المعقودة على هذه الاتفاقية، لم يصدر موقف واضح للمعارضة اليمنية، وقد التزمت حتى اللحظة الصمت رغم ما يثيره ملف العلاقات اليمنية الأمريكية دائما من جدل سياسي بين السلطة والمعارضة.

ومرد صمتها، حسب المراقبين والمحللين، يعود إلى أنها مازالت في بيات شتوي بسبب إجازة عيد الأضحى من جهة، وإلى عدم توافرها على معلومات كافية حتى يعلن الموقف، فضلا عن الموقف تجاه القضايا والاتفاقيات التي تكون الولايات المتحدة طرفا فيها أصبح يغلب عليها التمهل والتروي من قبل، إما لأنها في الغالب الأعم تحاط بسرية كبيرة في مراحلها الأولى ولا تتضح مضامينها وأبعادها إلا عند عرضها على السلطة التشريعية لمناقشتها، وإما لأنها مثيرة للارتياب والشك تجاه النوايا الأمريكية، تقتضي التريث والانتظار حتى لا يفلت الخطاب من عقاله.

مجرد خطوة أولى

وبين الرهانات الرسمية وتريث المعارضة أو انتظارها، يرى المحللون الاقتصاديون والسياسيون أن الاتفاقية الموقعة بين اليمن والولايات المتحدة من حيث مضمونها لا ترقى إلى مستوى اتفاقية التبادل الحر الموقعة مع الأردن أو التي يتواصل التفاوض بشأنها مع المغرب والبحرين، وإنما هي عبارة عن اتفاقية إطارية للتجارة والاستثمار، تهدف إلى تشجيع العلاقات التجارية والاستثمارية عن طريق تطبيق جملة من التدابير والإجراءات للتخلص من العوائق غير التعريفية (الفنية والإدارية)، وليس الجمركية.

وبالتالي، فهي تشكل خطوة مرحلية أولى في اتجاه الوصول إلى إبرام اتفاق للتبادل التجاري الحر بين الجانبين على غرار الاتفاق الأمريكي الأردني. ولكي تؤتي الاتفاقية ثمارها، فهي مقيّـدة بعدد من الشروط، ناهيك عن الوصول إلى تلك المرحلة المتقدمة من التعاون.

من جهة أخرى لن يتمكن اليمن من الاستفادة من الإمكانيات المتاحة حاليا إلا بعد اتخاذه لخطوات أخرى على صعيد تحرير الاقتصاد والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، والمصادقة على اتفاقية حقوق الملكية الفكرية، وتطبيق حقوق العمال التي نصت عليها توصيات منظمة العمل الدولية المتضمنة في "إعلان الدوحة".

وعلاوة على كل الاشتراطات السابقة، فإن الاتفاقية تظل محكومة بمعطيات الظرفية السياسية الحالية بما تتطلبه من تدابير تلبي تطلعات الإدارة الأمريكية، سواء على مستوى مكافحة الإرهاب أو على مستوى التعامل مع المنطقة العربية بأسرها، وهذا يعني أنها ستبقى متروكة للحسابات السياسية والاقتصادية للإستراتيجية الأمريكية في المنطقة بأهدافها الجديدة، كما بدأت تكشف عن نفسها شيئا فشيئا منذ إعلان الحرب على الإرهاب، ولاسيما منذ احتلال العراق.

ارتفاع مؤمــل

ومؤدى تلك الإستراتيجية سبق أن عرضته الإدارة الأمريكية ضمن تصورها لمستقبل المنطقة العربية تحت ما يسمى بعملية دفع الإصلاحات الاقتصادية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وهو المشروع الذي أطلقه الرئيس الأمريكي جورج بوش عقب انتهاء حربه على العراق، ويرمي من ورائه إلى إحياء علاقات بلاده الاقتصادية بالمنطقة العربية التي تصدّعت بسبب الحرب على الإرهاب، وغزو العراق. ومن أهم ملامح ذلك المشروع، التبشير بإنشاء منطقة تجارة حرة في الشرق الأوسط بحلول عام 2013 تضم البلدان العربية إليها.

وتشير الإحصائيات المنشورة إلى أن قيمة الصادرات اليمنية إلى الولايات المتحدة بلغت في عام 2001، ما يقدر بـ 140 مليون دولار من إجمالي الصادرات الخارجية، وارتفعت إلى 246 مليون دولار عام 2002، واقتصرت تلك الصادرات على النفط والبن اليمني، فيما استورد اليمن من الولايات المتحدة ما مقداره 121 مليون دولار عام 2001 و366 مليون دولار عام 2002.

ومن المؤمل أن تساعد الاتفاقية على رفع حجم الصادرات والواردات بين البلدين عن سقفها الحالي، الذي يتراوح مابين 5 إلى 6.5% على التوالي. أما الاستثمارات الخارجية الأمريكية في اليمن، فهي محصورة في قطاع النفط الذي تنشط فيه عدد من الشركات الأمريكية منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.

إكراهات الحاضر...

ويرى الخبراء الاقتصاديون أن الشق الثاني من الاتفاقية المبرمة بين الدولتين، والمتعلق بمنح مزايا وحوافز متبادلة بين الطرفين لتشجيع التدفقات الاستثمارية، سيكون المستفيد الأول منه الولايات المتحدة نظرا لأن الاستثمار الأمريكي موجه بالأساس إلى قطاع النفط، وهذا القطاع لا تسري عليه الحوافز المنصوص عليها في قانون الاستثمار اليمني، وإنما تركه المشرع لاتفاقيات خاصة يناقشها ويجيزها مجلس النواب.

لذا، فإن توقيع الاتفاقية مع الجانب اليمني سيمنح الاتفاقيات الأمريكية في قطاع النفط سندا قويا عند مناقشتها أمام السلطة التشريعية، وهو الغرض الذي ظلت الولايات المتحدة تسعى لتحقيقه منذ سنوات، نظرا لاستبعاد هذا القطاع من الاستفادة من مزايا وحوافز الاستثمار المنصوص عليها بكل قوانين الاستثمار منذ صدورها عام 1991، وحتى القانون الجديد الصادر عام 2002.

وعلى صعيد الشق التجاري للاتفاقي، ستستفيد الصادرات الأمريكية في المرحلة الأولى من رفع الحواجز غير الجمركية التي تنص عليه عادة مثل هذه الاتفاقية الإطارية النمطية التي تسبق عادة اتفاقية التبادل الحر (التي وقعت عليها الولايات المتحدة حتى الآن مع 34 بلدا) لأن التعريفة الجمركية في اليمن قد شهدت تخفيضات كبيرة منذ عام 1996 في أعقاب تنفيذ صنعاء لبرنامج التقويم الهيكلي.

فقد انخفضت التعريفة من نسب كانت تصل إلى 200% إلى شرائح تتراوح ما بين 5% كحد أدنى و25% كحد أعلى بموجب القانون الصادر عام 1997 بشأن التعريفة الجمركية تماشيا مع تعليمات المؤسسات المالية الدولية (أي صندوق النقد والبنك الدوليين)، وفي المرحلة الثانية، وخاصة بعد انضمام اليمن إلى منظمة التجارة العالمية، ستوفر للسلع الأمريكية معاملة تفضيلية، طبقا لمقتضيات اتفاقية التجارة الدولية للمنظمة.

وفي المحصلة يبدو أن مدى تحقيق الفوائد المرجوة لكل طرف من طرفي الاتفاقية يظل مرهونا بمدى توافر الشروط المساعدة على استثمار المزايا والحوافز التي تنص عليها من جهة، ومتوقفا على حجم ووزن الثقل الاقتصادي والسياسي لكل جانب.

ونظرا لأن جميع هذه المعطيات تميل لصالح واشنطن مقارنة بما هو عليه حال صنعاء من محدودية التأثير السياسي والاقتصادي. وبالتالي، تظل رهانات المستقبل، ولفترة طويلة، محكومة بإكراهات الحاضر.

عبد الكريم سلام – صنعاء

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.