Navigation

سلام السودان .. الحاضر الغائب

مظاهرة تدعو إلى السلام في السودان Keystone

تعدُّدت منابر التفاوض، ودخلت ليبيا والاتحاد الإفريقي على خط التسويات، فيما يبدو أن السلام في السودان صار قضية دولية وإفريقية وعربية ومحلية بكل المقاييس.

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 ديسمبر 2004 - 16:44 يوليو,

وبدلا من اقتصار الأمر على رُقعة الجنوب وحده، إذا بغرب البلاد وإقليمها الممتد والمسمّـى بإقليم دارفور، يشهد أزمة وتوترا قبليا، ونشوء حركات تمرّد مسلحة، استدعت بدورها تدخلا دوليا وإفريقيا.

البحث عن السلام والأمن في السودان هو العنوان الأبرز لأحداث عام 2004. فبالرغم من الجهود السياسية والتفاوضية التي بُـذلت على مدار العام، والضغوط الدولية والإقليمية التي مُـورست على الأطراف السودانية المعنية، فما زال هذا البحث جاريا على قدم وساق في كل بوصة من أرض السودان، بل يجوز القول، وبناء على خبرة العام المنصرم، إن رقعة البحث اتّـسعت كثيرا في نهاية العام عما كانت عليه في مطلعه.

فبدلا من اقتصار الأمر على رُقعة الجنوب وحده، إذ بغرب البلاد وإقليمها الممتد والمسمّـى بإقليم دارفور، يشهد أزمة وتوترا قبليا، ونشوء حركات تمرّد مسلحة وقتالا شديدا، استدعى بدوره تدخلا دوليا وإفريقيا.

وفي الشرق أيضا تهديدات من مؤتمر البجا وجماعة الأسود الحرة، بأن يكون طريق التمرد المسلح هو الأسلوب المعتمد، لإنهاء التهميش الذي يرفل فيه أهل الإقليم منذ زمن طويل، وللحصول على الحقوق الضائعة.

البحث عن السلام في السودان لم يقتصر على أهله وحسب، بل أن خبرة عام 2004 تُـوضح كثرة الساعين إلى هذا السلام. فهناك منابر متعددة للتفاوض، وأخرى لتقديم العون، وأخرى لحث الأطراف على معالجة الأزمات بالحوار.

ومن هنا، برز دور تشاد في أزمة دارفور، ثم دخلت ليبيا ومصر، وأخيرا الاتحاد الإفريقي، وذلك جنبا إلى جنب منظمة الإيجاد ووكيلها البارز كينيا، التي ترعى مفاوضات السلام الخاصة بالجنوب، ووراء كل هؤلاء، كانت الولايات المتحدة ودول أوروبا، والأمين العام للأمم المتحدة، ومجلس الأمن الذي أصدر قرارين مهمين حول دارفور.

خلافات جنوبية مثيرة

نشوء التوترات غربا وشرقا مع اختلاف في درجة الحدة، في الوقت الذي تلوح فيه نهايات حرب العشرين عاما في الجنوب، يعني أن السلام الموعود في الجنوب لن يكون سلاما شاملا، كما يتطلع إليه أهل البلاد وجيرانهم الإقليميين.

كما أن السودان الجديد المتصور ديمقراطيا، وتسود فيه معايير المواطنة، وتنتشر فيه الحريات، وتُـحترم فيه حقوق الإنسان، وتتدعم فيه المشاركة الشعبية الأوسع، قد لا يتحقق بالقدر المأمول.

فحتى الجنوب نفسه فاجأ المراقبين في نهاية العام بأن هناك انقسامات وخلافات وانشقاقات آخذة في التفاعل بين قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان، على خلفية الادّعاء بتركيز القرارات المصيرية في يد زعيم الحركة جون قرنق، واحتكاره التفاهمات والاتفاقات مع الحكومة السودانية، دون أن يكون لمساعديه والقادة الآخرين في الحركة أي دور في ذلك.

وهذا هو الخلاف الذي بدا محكوما بعاملين. أحدهما خلفيات قبلية كالتنافس التاريخي بين القبائل الكبرى، كالدينكا التي ينحدر منها قرنق نفسه، والشيلك والنوير التي ينحدر منها قادة كبار ميدانيون في الحركة، كنائبه سيلفا كير، ويرون أنهم مُـستَـبعدون من عملية صنع القرارات المصيرية.

والعامل الثاني، ما يُـشاع من أن قرنق أعد خُـطة لتقاسم السلطة في الجنوب في ظل اتفاقات السلام المنتظرة، وبحيث تحصل قبيلته الدينكا بور على 30%، ودينكا بحر الغزال ودينكا ابيى على 30% أخرى، وتتقاسم قبيلتا الشلك والنوير 26%، وباقي القبائل الاستوائية نسبة 14%، فيما يدعم سيطرة قبائل الدينكا على السلطة في ركائزها الوزارية والبرلمانات الجنوبية والمحليات، على حين يبقى القليل لباقي القبائل الجنوبية.

مؤشرات سلبية

مثل هذا الخلاف المبكر يُـعطي مؤشرا سلبيا على مصير تطبيق اتفاقيات السلام الخاصة في الجنوب، في الوقت الذي استقرت فيه القوى والأحزاب السياسية في الشمال على عدم منازعة المؤتمر الشعبي العام الحُـكم في النصف الأول من الفترة الانتقالية، المقررة بثلاث سنوات، تُـجرى بعدها الانتخابات البرلمانية، ثم بعدها بعام آخر تُـجرى الانتخابات الرئاسية.

ومثل هذا التوافق بين أحزاب الشمال على ترك مسؤولية الحكم في الفترة الانتقالية للطرفين الموقعين على اتفاقيات السلام، من شأنه أن يضع كامل المسؤولية في تطبيق الاتفاقيات على المؤتمر الوطني الحاكم، في الوقت الذي لم يصل فيه بعدُ إلى توافقات وتفاهمات بشأن المستقبل مع التجمع الوطني المعارض، الذي يشكّـل مظلة الأحزاب والقوى المعارضة، بعضها في الخارج، وبعضها في الداخل، الأمر الذي يجعل مصير اتفاقيات سلام الجنوب نفسه قابلا للمساومة، ومُـعرّض لغياب المساندة الشعبية، ويفتح الباب أمام مماحكات سياسية حول التطبيق.

التوتر المحتمل بشأن تطبيق اتفاقيات السلام في الجنوب، سواء بين قادة وكوادر الحركة الشعبية من جانب، أو بين الحكومة والمؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية من جانب ثاني، وأيضا بين الحكومة والقوى السياسية الشمالية من جانب ثالث، يعني أن السلام الموعود لن يتحقق تلقائيا بمُـجرد التوقيع المُـنتظر مطلع العام المقبل، بل ستكون هناك حاجة لإيجاد قاعدة شعبية تمتد في أقاليم الوطن ككل وتتمسك بالاتفاق وتحرص على تطبيقه.

لكن هذه القاعدة الشعبية نفسها تبدو منقسمة على نفسها، وربما لا يعنيها التطبيق أصلا. فأهالي إقليم دارفور الذي شغل العالم وشغل السودان طوال العام، يركّـزون بدورهم على مشكلتهم الذاتية، والتي تمزج بين تهميش حكومي، ونزاع قبلي على الماء والكلأ، فضلا عن غضب الطبيعة، ممثلا في حالة جفاف ممتدة وندرة الموارد.

وفي المحصلة، فإن أمنهم ضائع والحكومة عاجزة عن القيام بواجباتها، والذين يتحدثون بإسمهم كحركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان، يرنون إلى استجلاب الضغط الدولي على الحكومة السودانية، ويُـعطلون المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الإفريقي، ويصفون تدخّـله بالمنحاز للحكومة.

وطوال عام كامل، لم يكن للحركتين سوى هم واحد، هو زيادة حدة الأزمة في الإقليم، وتأكيد الانفلات الأمني، والترويج لتهم الإبادة الجماعية، وتعطيل عمل مؤسسات الإغاثة الدولية، ومطالبة الأمم المتحدة بعقوبات على الحكومة، وتدخل عسكري مباشر في الإقليم، وفقا لنموذج الحماية الدولية الذي قُـدّم للأكراد في شمال العراق، والذي انتهى عمليا إلى حكم ذاتي وإرهاصات استقلال عن البلد الأم، وهو ما ركّـز عليه قادة حركتي التمرد مرارا.

ضغط أمريكي متواصل

وفي الوقت الذي كافحت فيه الحكومة مزاعم الإبادة الجماعية في دارفور، وحرصت على استبعاد التدخل الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة، وسعت إلى تجاوب محسوب مع القرارين الدوليين 1556 و1564 المليئين بالفخاخ السياسية والقانونية، وقبلت التفاوض تحت مظلة الاتحاد الإفريقي، وقبلت مراقبين أفارقة وقوات تابعة للاتحاد، كانت الولايات المتحدة تتقدّم خطوة في سبيل الضغط على الحكومة لإنهاء الحرب في الجنوب، مع التلويح بمعونات، ورفع العقوبات الأمريكية على السودان، وتتراجع خطوة في مقام الدعوة إلى فرض عقوبات دولية على السودان، كما نادت بعض الدول الأوروبية في مرحلة ما قبل التحقق من زيف مزاعم الإبادة الجماعية في دارفور.

لكن المسيرة الأمريكية كعادتها، لا تعرف الخط المستقيم دائما، وتقبل الانقلاب على الذات، حتى بدون مبررات أو مقدمات، وهذا ما حدث في الأسابيع الأخيرة من العام، في وقت اشتدت فيه وتيرة المفاوضات في نيفاشا الكينية بين الحكومة والحركة الشعبية، من أجل التوصل إلى تسويات للنقاط المهمة، التي عطّـلت الاتفاق النهائي، ومع بروز لحظات أمل بسلام في الجنوب، إذا بالرئيس الأمريكي يوقع على قرار بفرض عقوبات على السودان تحت مبرر العجز الحكومي من اتخاذ الإجراءات المناسبة لحل الأزمة الإنسانية في دارفور، والأكثر من ذلك، تتقدم واشنطن بمشروع قرار في مجلس الأمن ليجعل من العقوبات أسلوبا دوليا في مواجهة السودان.

وإذا كان الأمريكيون قد اعتادوا على أسلوب العقوبات في مواجهة خصومهم، والذين لا يتوافقون معهم على الخط نفسه، فإن عقوبات الحالة السودانية تأتي في مُـنعطف حرج لكل جهود بناء السلام وتوطيد الأمن في السودان.

وإذا قدّر لمنهج العقوبات أن يسود في التعامل الدولي مع السودان لحظة إقدامه على تحولات كبرى تنص عليها اتفاقيات السلام في الجنوب، فإن التفاؤل بسودان جديد مستقر وآمن سيبدو لا محل له من الإعراب.

د. حسن أبو طالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.