تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

سنة البحث عن الانفراج السياسي

(swissinfo.ch)

مع اقتراب نهاية العام تبدأ "سويس انفو" في رصد حصيلة عام ألفين وواحد عربيا ودوليا، ففي تونس كان من المؤمل أن تكون الحصيلة الاقتصادية والسياسية لعام ألفين وواحد أفضل لولا عوامل داخلية وخارجية فاجأت الجميع وقلبت العديد من التوقعات.

كانت سنة 2001 على الصعيد التونسي سنة - مثلها مثل سابقتها- مثيرة من الناحية السياسية، حيث تعددت الاشتباكات بين معارضة تبحث عن موقع قدم ومدخل يخرجها من حالة التهميش التي تعاني منها، وبين سلطة مطمئنة لوضعها وتشبثة بالأسلوب الذي أدارت به البلاد طيلة السنوات الماضية، لكن إذا تمكنت الحركة الاحتجاجية والأطراف المستقلة داخل المجتمع المدني قد حققت عديد النقاط لصالحها خلال النصف الأول من هذه السنة، فإن عوامل خارجية وأخرى محلية قد وفرت مناخا ملائما مكن النظام من استرجاع المبادرة ومحاولة تجيير الأوضاع الجديدة التي ولدتها أحداث 11 سبتمبر لصالحه.

جاءت ضربة البداية مع صدور الحكم الابتدائي بسنة سجنا على الدكتور منصف المرزوقي. حصل ذلك في سياق متوتر على الصعيد الحقوقي، حيث احتد الصراع القانوني والسياسي بين الهيئة المديرة الجديدة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وبين السلطة التي رفضت التسليم بنتائج المؤتمر الخامس لهذه المنظمة التي تستمد أهميتها من استقلاليتها وعلاقاتها الدولية الوثيقة.

لقد شكل ذلك الصراع محورا مفصليا وعلامة فارقة لسنة 2001 ومنطلقا لتوجيه انتقادات شديدة لنظام الحكم من قبل عديد الصحف ووسائل الإعلام الفرنسية بالخصوص وكذلك المنظمات الحقوقية الدولية. بل إن حزبا حاكما هاما مثل الحزب الاشتراكي الفرنسي سمح لنفسه بالإعلان عن تجميد علاقاته مع التجمع الدستوري الديمقراطي، احتجاجا على ما اعتبره تدهورا لأوضاع الحريات وحقوق الإنسان.

وبينما كانت الأوساط مشغولة بالملف الحقوقي، وجد إسماعيل السحباني الأمين العامة للاتحاد العام التونسي للشغل نفسه بعد عشرية كاملة في خدمة النظام، مضطرا في مرحلة أولى إلى تقديم استقالته من منصبه، ثم التعرض لمحاكمة بتهم السرقة وسوء التصرف. وهو ما فتح المجال أمام حركية جديدة في صفوف النقابيين، ولفت الأنظار مرة أخرى إلى الساحة النقابية التي تراجع أداؤها السياسي الديمقراطي بشكل كبير، بعد أن كانت لاعبا رئيسيا في التوازنات العامة للبلاد.

وإذ استمرت الصحف المحلية ووسائل الإعلام البصرية والسمعية فاقدة للقدر الأدنى من هامش حرية الرأي والمبادرة، فإن عاملا جديدا مفاجئا أربك المشهد الإعلامي، ومثل تحديا قويا للسلطة التي نجحت في تطويق الصحافة. لقد تمكن تلفزيون "المستقلة" الذي يبث برامجه من لندن أن يحدث اختراقا داخل الرأي العام، من خلال انفتاحه على الوسط الاحتجاجي، وإعطاء الفرصة للعديد من النشطاء والمعارضين لمخاطبة التونسيين بجرأة غير معهودة، بلغت أحيانا حد تجاوز ما يعتبر عادة خطوطا حمراء.

وهو ما جعل السلطة تقدم على اعتقال المعارض الجريء محمد مواعدة المتمسك بقيادته الشرعية لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وترتكب ما اعتبره الكثيرون خطئا فادحا عندما قامت باعتقال السيدة سهام بن سدرين، على إثر تصريحات قوية أدلت بها في إحدى برامج "المستقلة". هذا الاعتقال أثار موجة واسعة من التعاطف داخل تونس وخارجها، مما دفع بالسلطة إلى الإسراع في إطلاق سراحها.

في تلك الأجواء المشحونة، وعلى إثر انتخاب المحامين السيد البشير الصيد عميد جديد لهم رغم كل الجهود التي بذلتها الدوائر الرسمية لإسقاطه في الانتخابات، حصلت مفاجأة أخرى غير منتظرة، عندما قرر أحد القضاة الخروج عن تحفظه، والإعلان بلغة صريحة وجريئة بأن القضاء التونسي غير مستقل، وأن القضاة يتعرضون للضغوط لمنعهم عن القيام بعملهم في نطاق الحياد وسيادة القانون. لقد فجر القاضي المختار اليحياوي قنبلة لا تزال تداعياتها متواصلة داخل المؤسسة القضائية وخارجها. ومما زاد في أهمية تصريحات الرجل ومواقفه، كونها قد صدرت عن شخصية عرفت بحيادها ونظافتها، وجاءت في سياق كثر فيه الحديث عن " استقلالية القضاء والتشكيك في نزاهة العديد من القضاة ".

لقد أنعشت تلك الأحداث والتراكمات المعارضة، بما في ذلك الأحزاب المعترف بها، حيث عقد الحزب الديمقراطي التقدمي مؤتمره في أجواء حماسية، وبحضور مختلف فعاليات المجتمع المدني التي صفقت كثيرا للخطاب الافتتاحي الذي ألقاه أمينه العام السيد نجيب الشابي. كما دعت حركة التجديد (الحزب الشيوعي سابقا) إلى تنظيم مؤتمر ساعدها على الدخول في مراجعة خطها السياسي، خاصة فيما يتعلق بعلاقتها بالنظام.

تهاوى البرجان وتهاوت بعدها الآمال

حينما اعتقد الفاعلون الرئيسيون في الداخل بأنهم أصبحوا قريبين من تحقيق بعض المكاسب ذات الأهمية، تهاوت بنايتا التجارة العالمية في نيورك ومعهما تهاوت الآمال في حدوث تغيير المناخ السياسي المحلي في اتجاه التفتح الديمقراطي المنشود.

لقد قلبت أحداث 11 سبتمبر المعطيات بشكل ملحوظ. فبعد أن كانت السلطة التونسية محجوجة من قبل خصومها والشبكة الدولية لمنظمات حقوق الإنسان وعديد وسائل الإعلام الغربية الهامة، أصبحت مثالا يضرب به في مجال " مكافحة التطرف والإرهاب ". بل إن الرئيس شيراك وكاتب الدولة الأمريكي المكلف بملف الشرق الأوسط، اتفقا عند زيارتهما لتونس على وصفها بالبلد النموذج في هذا المجال.

وهو ما اعتبر دعما قويا لنظام الحكم الذي استمر في التعامل مع الملفات السياسية بنفس الأسلوب: رفض الضغوط، وتجنب اتخاذ الإجرءات ذات الطابع الشمولي، ومواصلة القيام بالإصلاحات ذات الطابع القانوني، التي كان آخرها الإعلان بمناسبة الذكرى الرابعة عشر لاستلام الرئيس بن علي السلطة عن مراجعة الدستور، وإحداث غرفة برلمانية ثانية، وإدخال بعض التعديلات على المجلة الانتخابية. وهي قرارات اختلف النخبة في تقييمها، حيث اعتبرها البعض " هامة من شأنها أن تمهد لتأسيس الجمهورية الثانية "، وآخرون وصفوها بالجزئية، مؤكدين في حوار نشرته تفاصيله صحيفة الصباح أن تنقية المناخ السياسي يجب أن تسبق التعديلات القانونية.

عندما شعرت الأوساط الديمقراطية أن الكرة أصبحت في مرماها، حاولت أن تتصدى لهذا الهجوم المضاد من خلال القيام ببعض المبادرات. أعلنت أربعة أحزاب عن الشروع في التنسيق فيما بينها، في خطوة لافتة للنظر تؤكد البحث من جديد عن بناء قطب ديمقراطي فاعل. كما بادرت شخصيات قانونية من مختلف الاتجاهات بتأسيس مركز للدفاع عن استقلالية القضاء، أحالت رئاسته للقاضي مختار اليحياوي الذي احتجب صوته بعض الوقت.

أخيرا تعددت المبادرات داخل الوسط النقابي،واعلن مؤخرا رسميا عن تشكيل "الكنفدرالية الديمقراطية للشغل " التي اختلفت الآراء حول تقييمها.

تلك هي تضاريس السنة السياسية التي سيودعها التونسيون بعد أيام. وكان أهم ما ميزها جدال مستمر حول أوضاع حقوق الإنسان والحريات، ورغبة من قبل المعارضين في تحقيق انفراج سياسي جدي. وقد فاجأ ممثلوا الأحزاب القانونية داخل مجلس النواب السلطة عندما طالبوا بدورهم بسن عفو تشريعي عام، وفتح الحوار مع الرابطة، فعرضوا أنفسهم لإنذار وتوبيخ من قبل بعض الصحف الرسمية.

وفي مقابل هذه التطورات لا زالت الرؤية الرسمية تنظر للمسائل بشكل مختلف، وتفتخر بالاستقرار الذي استمر لأكثر من عشر سنوات، وتسعى للبقاء مع المحافظة على الاستمرارية. فهل ستتمكن الأوساط الديمقراطية من استعادة المبادرة خلال الأشهر القادمة ؟.وبقطع النظر عن طبيعة الإجابة، فالأكيد أنه بين سنة انقرضت وأخرى حلت بأسرارها ووعودها، فإن التونسيين سيستمرون في انتظار الانتقال إلى مرحلة تطوى فيها صفحات الماضي، وتتحقق خلالها الاصلاحات السياسية الكبرى.

صلاح الدين الجورشي - تونس

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×