سنوات محمد السادس .. الخمس

العاهل المغربي الملك محمد السادس في إحدى مراسم الإحتفال بالذكرى الخامسة لتوليه العرش العلوي في العاصمة الرباط يوم 31 يوليو 2004 Keystone

خمسة أعوام وقليل من الايام مرت على تولي الملك محمد السادس العرش العلوي، فتحت خلالها أوراش لازالت مستمرة تدفع بالبلاد نحو آفاق تعوضها عن عقود ضاعت..

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 أغسطس 2004 - 16:52 يوليو,

منذ صيف 1999، انفتحت ملفات كان من المحرمات الحديث عنها وانتهجت مقاربات جديدة لقضايا كان مجرد الاقتراب منها مسا بالمقدس.

السنوات الخمس لمحمد السادس ملكا، رغم ما حملته من جديد وشكلت في بعض فصولها قطيعة مع عهد والده الملك الحسن الثاني، الا انها في جوهرها تبقى سنوات استمرار لذلك العهد، وقد يكون ذلك احدى سنن الملكية المغربية بل الحياة اليومية المغربية، استمرارية العهد ممزوجا بالتحول البطيء الحذر الذي لا تُـدركُ اخاديد التغيير فيه الا بعد ان يصبح الجديد راسخا ويحسب جزءا من المعتاد والمألوف.

ولا يضير محمد السادس ان يكون عهده استمرارية لعهد والده، الذي كان قد دخل في اواخره مرحلة التحول الملموس في المشهد السياسي والمجتمعي المغربي، فقبل وفاته بسنة واشهر اربعة كان الحسن الثاني قد ادخل البلاد 1998 مرحلة التناوب بتكليفه الزعيم الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي تشكيل حكومة يمثل اليسار عمودها الفقري تدبر الشأن العام والاهم تدبر "الانتقال الديمقراطي" والتي حملت عنوان الانتخابات التشريعية 2002 دون ان يشوبها التزوير او تدخل السلطات.

التدبير اليساري للشأن العام ومرحلة الانتقال الديمقراطي، برضى وتشجيع ملكي، كان ضرورة ليعلن الحسن الثاني ميلاد مغرب جديد ينسجم ويتجاوب مع حاجاته الملحة في الديمقراطية والانتعاش الاقتصادي من خلال ضمانات ادارة حديثة موثوقة تشجع الاستثمار خاصة الخارجي.

وحين تولى محمد السادس العرش رسميا في الثلاثين من يوليو 1999 واصل نهج والده، فأسبغ رضاه على حكومة اليوسفي وكلفها بمواصلة مهامها بنفس برنامجها وتركيبتها وازاح من وسطها ادريس البصري وزير الداخلية ورجل والده القوي، ليس فقط لعدم انسجام بين الرجلين بل ايضا اشارة للفاعل السياسي المغربي لما مثله ادريس البصري من رمزية للمقاربة الامنية لقضايا البلاد ولتدخل السلطة في كل قضايا العباد.

حركية في مجال حقوق الإنسان

المفهوم الجديد للسلطة كان شعار العهد الجديد الذي اطلقه محمد السادس بعيد توليه العرش. والملموس بالجديد من السلطة الحريات وحقوق الانسان واعطى الاشارات بعودة المعارض اليساري ابراهام السرفاتي الذي ابعد من البلاد لانه "برازيلي الجنسية" على حد توصيف الحسن الثاني ثم رفع الاقامة الاجبارية عن الشيخ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والاحسان الاصولية المتشددة التي لازالت لا تعترف بالملك اميرا للمؤمنين، والذي كان ادريس البصري يقول انه "تحت حماية السلطة".

الا ان الاهم تشجيع محمد السادس للناشطين في ميدان حقوق الانسان للذهاب بعيدا في حركيتهم، فبعد تصفية السجون من كل معتقلي الرأي، بدأت صفحات الصحف والكتب تبحث في ملفات الماضي وانتهاكاته والابرز كان ملفات معتقل تزمامارت، وبدأ المعتقلون السابقون يتحدثون وبدأت القوافل تشد الرحال نحو تلك المعتقلات، وتشكلت لجان من الدولة لتعويض المعتقلين وعائلاتهم ماديا وجبر الأضرار التي لحقتهم من الانتهاكات التي تعرضوا لها، وفي الاسابيع الاخيرة استحدثت مؤسسة الحقيقة للاستماع رسميا الى المنتهكة حقوقهم لاراحتهم ولتسجيلها للتاريخ.

كان عدم السماح بالعودة الى سلوكيات الماضي، خوفا مشتركا، الا ان تباينا ظهر بين الفرقاء، ولازال مطروحا، ويتعلق بمحاسبة المسؤولين عن ارتكاب هذه الانتهاكات من أشخاص لازال بعضهم حتى الان يتولى مناصب امنية وعسكرية رفيعة. وليس ذلك محل التباين الوحيد، فضوابط السلطة لمنع تكرار خروقات وانتهاكات حقوق الانسان لازالت غائبة قانونيا، حيث ادركت السلطات العليا ونشطاء حقوق الانسان ان ما عرفته البلاد بعد الهجمات الانتحارية التي شهدتها الدار البيضاء في 16 مايو 2003 من ملاحقات واعتقالات واختطافات وتعذيب في السجون، ذكرت بما شهده مغرب الستينات والسبعينات، او ما عرف بمغرب "سنوات الرصاص".

واذا كان ضحايا تلك السنوات من الناشطين اليساريين فإن ضحايا ما بعد 16 مايو كانوا من الناشطين الاصوليين. وهو ما سجله التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية الذي اتخذته منظمات حقوق الانسان المغربية برهانا على جدية مخاوفها. وقد قررت السلطات مؤخرا سن قوانين تحرم التعذيب وتعاقب عليه.

وترافقت الانفراجات في ميدان حقوق الانسان مع توسيع هامش الحريات الصحفية وبدء تناول مختلف القضايا التي تهم البلاد، بما فيها قضايا القصر. وهنا لا بد من القول بأن التعثرات التي شهدها الميدان الصحفي في نهايات عام أفين بإغلاق بعض الصحف او اعتقال صحافيين، لا يلغي التقدم الملحوظ في هذا الميدان وإقدام السلطات على اتخاذ خطوات اضافية بعد اقرار قانون تنظيم الفضاء السمعي البصري مؤخرا.

الصحراء والتنمية.. تحديات جوهرية

كان أمل العهد الجديد انتعاشا اقتصاديا من خلال تحديث البنية التحتية ومكافحة الرشوة والفساد، لكن الارث الثقيل الذي خلفته عقود من سوء التدبير والفساد وعدم الاستقرار السياسي، حال دون هذا الانتعاش او على الاقل دون تحقيق الحد الادنى من طموحات مدبري الشأن المالي، ولازال يحدو هؤلاء امل الانتعاش من خلال اتفاقيات التبادل التجاري الحر المبرمة مع الولايات المتحدة والشراكة القائمة مع الاتحاد الاوروبي، بعد ان بات واضحا ان الامال باجتذاب استثمارات من دول نفطية قد تبددت، نظرا لاوضاع هذه الدول الاقتصادية وما خلفته حرب الخليج الأولى عام 1991 وتداعياتها المستمرة.

واذا كان الطابع الاجتماعي والانساني للعهد الجديد قد نـضُـح من خلال سلسلة المشاريع والمؤسسات التي تمت إقامتها.. واذا كان قد بادر بتحقيق مصالحة تاريخية مع المحافظات الشمالية التي خصص لها الملك محمد السادس اولى جولاته داخل البلاد، فإن قضية الصحراء الغربية لازالت معلقة بين أروقة الامم المتحدة ما أثر سلبا على العلاقات الجزائرية المغربية وعلى إحياء اتحاد المغرب العربي.

وقد دفع الملك محمد السادس منذ توليه العرش خطوات هامة في ملف تسوية نزاع الصحراء الغربية بما حرك الملف دون ان تنقله الى الامام. ومنذ نهاية 1999 يتداول المعنيون بنزاع الصحراء الغربية افكارا حول حل سياسي للنزاع لا يلتزم بكل مقتضيات مخطط سلام الامم المتحدة الذي يتكون من اجراءات مترابطة تصل بالصحراويين الى استفتاء تحت رعاية الامم المتحدة لتقرير مصيرهم في دولة مستقلة او الاندماج بالمغرب.

ويذهب الحل السياسي المطروح والذي اطلق عليه اسم الحل الثالث، بإتجاه منح الصحراويين حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية، وهو ما عرف فيما بعد بمشروع بيكر وضُـمـن في قرار مجلس الامن الدولي رقم 1495، الا انه كان حلا مؤقتا وهو ما لا يقبل المغرب به فهو يريده حلا دائما.

وبين الدائم والمؤقت تتحرك منذ اسابيع مدريد وباريس على جبهة الجزائر والرباط التي عرفت تحلحلا بتبادل الزيارات بين مسؤولي البلدين ومبادرة الملك محمد السادس رفع تأشيرة الدخول عن المواطنين الجزائريين ورد الفعل الجزائري الايجابي على هذه المبادرة.

ولان الملفات مترابطة، ينتظر المغرب، بعد خمس سنوات من حكم محمد السادس، وئاما في علاقاته مع الجزائر ينعكس ايجابا على نزاع الصحراء الغربية وتشييد المغرب العربي يقيم كتكتل إقليمي علاقات متطورة مع الدول الصناعية وتحديدا الاتحاد الاوروبي، بما يساهم في انتعاش اقتصادي يخفف من حدة البطالة والفقر وما تفرزه من ظواهر سلبية سياسية واجتماعية لا يمثل العنف الا واحدة منها. كما أن ابتعاد شبح العنف يشجع على الاستثمار الداخلي والخارجي ويُضـعـف الضغوطات التي تُـتـخـذ مبررات لانتهاكات في ميدان حقوق الانسان وتقليص في هامش الحريات.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة