Navigation

سوريا بعد خدام: 3 خيارات مُــرّة

من اليمين إلى اليسار: زهير مشارقة وعبد الله الأحمر وعبد الحليم خدام في مناسبة الإحتفال بالذكرى الخمسين لنشأة حزب البعث العربي الإشتراكي (دمشق: 4 يوليو 1997) Keystone Archive

هل وقع النظام السوري في "خطيئة إستراتيجية" ثانية، بعد خطيئته الأولى العام 2003 حين راهن على أن إغراق الاميركيين في المستنقع العراقي، سيجعلهم يهرولون إليه ويقدمون رأس لبنان (مجدداً) ككبش فداء على مذبحه، كما فعلوا العام 1989؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 04 يناير 2006 - 19:01 يوليو,

إلى حد الآن، يبدو أن الأمر كذلك.

فهو أطل في البداية على قرار مجلس الأمن الرقم 1559 الذي طالبه بالإنسحاب من لبنان وعدم التدخل في شؤونه، بأنه "لا يستأهل حتى الحبر الذي أريق على جنباته"، كما قال وزير الخارجية فاروق الشرع أواخر العام 2004.

وإنطلاقاً من هذا الفهم الخاطيء، وبرغم معرفة النظام المسبقة بوجود صفقة كبرى أميركية- فرنسية وراء إصداره، تم بعد إغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري التعامل مع لجنة التحقيق الدولية على أنها، مثلها مثل القرار 1559، لا تستأهل حبر القرار الدولي الذي دعا إلى تشكيلها.. وهكذا، تعاطى طاقم الرئيس بشار الأسد معها على أنها مجرد "لعبة قضائية" يكفي التذاكي فيها عبر إستخدام أدوات إستخبارية، كهسام هسام وزهير الصديق، كي يتداعى كل بنيانها كبنيان من كرتون.

قرار مجلس الأمن الرقم 1644 "اللّين" أوحى للنظام أن لعبته القضائية نجحت وتم إجهاض مهمة لجنة التحقيق. لكنه مرة اخرى، لم ينتبه إلى ان هذه كانت السابقة الاولى في تاريخ الامم المتحدة التي تضع فيها هذه الأخيرة يدها على جريمة إغتيال سياسي وتكرّس لها جلسات ولجان وقرارات.

كما لم ينتبه (وهنا الاخطر) إلى أن ما كان يشك به هو نفسه كان صحيحاً: لجنة التحقيق مسيسة بالفعل، وتقف وراءها قوى إقليمية ودولية عاتية تريد معاقبة النظام السوري على تخطيه للعديد من الخطوط الحمر، وعلى ممارسته أدوارا خطيرة لا تتناسب ووضعه الإستراتيجي الإقليمي الجديد.

وهذه كانت "الخطيئة الإستراتيجية" الكبرى الثانية.

الأستحقاق

الآن، إستحقت فواتير الخطيئة الثانية وجاءت لحظة الحقيقة لدفع أثمانها الباهظة. وهي لحظة تجلت تظاهراتها الكاملة بعد الظهور المفاجيء من "لا مكان" (بالنسبة لدمشق) لعبد الحليم خدام نائب الرئيس السابق ورجل نظام حافظ الأسد الأول في لبنان، ليقّوض كل هيكل التعاطي السوري مع لجنة التحقيق.

وسيكون لخدام ما يريد على الأرجح.

فمن المستبعد تماماً ان يقدم سياسي محّنك كخدام على إذاعة "البلاغ الرقم واحد" من باريس ضد النظام الذي ساهم هو إلى حد بعيد في بنائه، بدون أن يكون مستنداً إلى "بلاغات" إقليمية ودولية ومحلية تسند إنقلابه التاريخي الشامل هذا.

كما أنه من المستبعد بالدرجة ذاتها ألا يكون لقنبلته الإنشطارية توابع إنشطارية أخرى ستليها حتماً، داخل سوريا وخارجها.

ثم إن بيان خدام قد أنهى عملياً عمل لجنة التحقيق الدولية حول اغتيال رفيق الحريري. فاللجنة، وبعد حصولها على "شاهد ملك" من هذا العيار الثقيل للغاية، لم تعد في حاجة إلى مزيد من الأدلة والمعطيات. شهادة خدام وحدها ستكون كافية لحمل الهيئة الدولية على الإنتقال من التحقيق إلى التجريم، ومن الإشتباه إلى سوق الأتهامات.

وهذا، على أي حال، كان واضحاً من إسراع اللجنة إلى القفز مباشرة إلى قصر الأسد ووزارة الشرع مطالبة بـ "الإستماع إلى شهادتهم"، بعد ثلاثة أيام فقط من إدلاء خدام ب "شهادته التلفزيونية". وهو سيكون واضحاً أكثر خلال الأيام القليلة المقبلة، حين ستطالب اللجنة باعتقال القادة الأمنيين السوريين الخمسة الذين حققت معهم في فيينا، وأيضا بجلب ماهر الأسد وآصف شوكت إلى التحقيق.

الأنشوطة

ماذا يعني كل ذلك؟

المعنى واضح: الأنشوطة الإقليمية- الدولية تستخدم لجنة التحقيق لتضيق الخناق ليس فقط حول عنق الطاقم الحاكم في دمشق، بل أيضاً حول رقبة النخبة الامنية-العسكرية الحاكمة، التي سيكون عليها قريباً الإختيار بين "الطاقم والنظام"، قبل أن تضطر لاحقاً للإختيار بين "النظام والوطن"، كما فعل خدام، أو على الأقل كما قال أن هذا سبب خطوته.

لقد وضع خدام نهاية غير سعيدة لتماسك هذه النخبة طيلة أكثر من 30 عاماً. وسيكون على أعضاء هذه الأخيرة الآن أن "يحزروا" (أي أن يتكهنوا) سريعاً من هو الطرف الجديد الذي سينتصر في معركة "الصراع على سوريا"، قبل أن ينضموا إليه. وهذا الطرف، بالمناسبة، سيكون هو في الغالب هو ذاك الذي سيستند إلى القوى الإقليمية- الدولية العاتية ذاتها التي يستند إليها السيد خدام!

لكن، كيف سيتم من الان فصاعداً الفرز السياسي في دمشق، بعد إنقلاب خدام؟

3 إحتمالات

هناك ثلاث إحتمالات:

- تطورات، أو بالأحرى صراعات، داخل الطاقم الحاكم.
- تطورات، او بالأحرى صراعات داخل النظام ككل.
- تحركات من خارج النظام لقلب النظام.

فلينت ليفريت، مدير شؤون الشرق الأوسط في مجلس الامن القومي الاميركي في الفترة بين 2002 و2003، كتب في 30 أكتوبر 2005 حول الإحتمال الاول ما يلي : "بشار الأسد لا يملك سلطة والده. ولذا سيكون عليه تقاسم السلطة مع الآخرين أكثر بكثير ما فعل أبوه، خاصة شقيقه ماهر قائد الحرس الجمهوري (الذي يعتبر أفضل الوحدات السورية تجهيزاً) وآصف شوكت مدير الإستخبارات العسكرية وزوجته (شقيقة بشار) بشرى التي تعلب ادوار كبيرة من وراء الستار".

آصف وماهر متورطان، على ما تقول لجنة التحقيق، في عملية إغتيال الحريري. وقد ورد اسميهما في التقرير الأول لدتليف ميليس والذي لم ينشر إلا عبر الإنترنت لأسباب لا تزال غامضة. وإذا ما أصرت لجنة التحقيق والدول الغربية على سوريا كي تسلّم هاتين الشخصيتين إلى لجنة قضائية دولية، فسيواجه بشار لحظة حقيقة خطيرة، لأن كلاً من شوكت وماهر عكاز ومنافس له في آن. ومن جهة أخرى، طالما بقي الأثنان إلى جانبه، سيكون من الصعب على أي كان في بنية السلطة السورية شن إنقلاب ناجح، الأمر الذي يجعلهما مناسبين للرئيس.

لكن، إلى متى، خاصة إذا ما غرق آصف وماهر، وقررا إغراق بشار وكل السفينة السورية معهما؟

ما لم يجب بشار على هذا السؤال بنفسه، عبر التضحية بهذين الإثنين لإنقاذ نفسه، سيكون على النظام ككل إتخاذ القرار ربما على حساب الرئيس نفسه. وهذا سيعني إنشطار هذا النظام إلى قسمين: المؤسسة الأمنية التي يسيطر عليها الطاقم الحاكم (حتى الان على الأقل) والمؤسسة العسكرية، أي الجيش الذي قد يقرر حينها أنه يجب التضحية بكل هذا الطاقم لإنقاذ نفسه.

ونحن نتحدث هنا بالطبع عن إنقلاب عسكري. وهو إنقلاب ليس مستبعداُ البتة، إذ تؤكد مصادر موثوقة أنه جرت بالفعل محاولة إنقلابية من هذا النوع قبل أسبوعين تم إجهاضها قبل التنفيذ ببرهة وجيزة. كما تؤكد دوائر سياسية لبنانية محايدة أن الولايات المتحدة ودولة عربية كبرى نافذة (هي السعودية) لهما علاقات سياسية ومالية مع العديد من الجنرالات السوريين.

لكن، وفي حال فشل أحد هذين الخيارين، يبقى الخيار الثالث: خلق حالة لا إستقرار في سوريا، عبر إضعاف النظام و"إذلاله" على يد لجنة التحقيق، ثم تفجير كل القنابل الموقوتة في وجهه، من الأكراد إلى الاخوان المسلمين، مروراً بخدام ورفعت الأسد(المتمركز في شمال العراق كما يقال) وبقية قوى المعارضة السورية في الخارج.

أخيرا، هل يمكن أن يكون ثمة بديل رابع ما، يتضمن تغيير سياسة الطاقم السوري الحاكم الحالي، بدل تغييره هو ذاته؟

لا يبدو ان هذا ما زال وارداً. ليس بعد قنبلة خدام!

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.