سوريا والغرب: هدنة بين حربين ؟

الرئيس السوري مستقبلا الأمين العام لجامعة الدول العربية يوم 15 ديسمبر 2005 في دمشق swissinfo.ch

نزل قرار مجلس الأمن الدولي حول تقرير المحقق الدولي دتليف ميليس الثاني، برداً وسلاماً على قلب دمشق وحلفائها اللبنانيين (حزب الله وحركة أمل).

هذا المحتوى تم نشره يوم 16 ديسمبر 2005 - 11:31 يوليو,

ومع أنه كانت هناك توقعات بأن يكون المجلس أكثر حزماً وقوة في إدانة دمشق، إلا أنه لم يصدر أي تهديد بفرض عقوبات عليها في الوقت الحاضر.

لقد كان هؤلاء يتوقعون أن يكون المجلس أكثر حزماً وقوة في إدانة دمشق لـ "عدم تعاونها الكامل" مع لجنة التحقيق الدولية حول إغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. إلا ان القرار الرقم 1644 إكتفى بـ "إبداء قلقه البالغ" لأن الحكومة السورية لم تقدم بعد "التعاون الكامل وغير المشروط الذي طلبته لجنة التحقيق"؛ وهذا بدون أن يهدد بفرض عقوبات عليها في حال حاولت مواصلة التلكؤ في التعاون.

أكثر من ذلك: لم يؤيد مجلس الأمن طلب لبنان توسيع عمل لجنة التحقيق الدولية ليشمل جريمة إغتيال النائب والصحافي جبران تويني وباقي الشخصيات التي إغتيلت منذ صيف العام 2004، وترك موضوع المحكمة الدولية في عهدة الأمين العام للامم المتحدة كوفي أنان.

لماذا هذا الموقف الدولي "المتراخي" (وفق تعبير وزير لبناني معارض لسوريا)؟. ثمة هنا تفسيران:

الاول، أن تقرير ميليس الجديد لم يتضمن في الواقع جديداً يمكن أن يحّفز مجلس الامن على الإنقضاض بالعقوبات على سوريا. كل ما فعله هو تكرار توجيه أصابع الاتهام لبعض الشخصيات الأمنية السورية، ومواصلة مطالبة دمشق بـ "التعاون الكامل".

والثاني، أن روسيا والصين والجزائر مارست ضغوطاً قوية على فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا لمنعها من فرض عقوبات مبكرة على سوريا، من جهة، ولعرقلة التوسيع الفوري لعمل لجنة التحقيق، من جهة اخرى، خوفاً من ان يؤدي ذلك إلى وضع كل أجهزة الأمن السورية في قفص الأتهام باغتيال جبران تويني وجورج حاوي وسمير قصير، إضافة إلى رفيق الحريري، ومحاولة اغتيال وزير الدفاع إلياس المر والإعلامية مي شدياق.

هذه الاجواء الدولية المسترخية أراحت قليلاً الوضع المحلي اللبناني المتشنج، خاصة بعد ان علّق وزراء الشيعة مشاركتهم في الحكومة الأسبوع الماضي، إحتجاجاً على "تفرّد" الغالبية الوزارية والنيابية بقيادة تحالف تيار المستقبل (السني) واللقاء الديمقراطي (الدرزي) وقرنة شهوان (المسيحي) بالطلب من مجلس الامن تشكيل "محكمة ذات طابع دولي" وتوسيع التحقيق الدولي ليشمل كل جرائم الإغتيال.

وينتظر الان أن ينحسر التوتر السياسي في لبنان قليلاً، وربما يسحب هذا نفسه أيضاً على التوتر الشديد في العلاقات اللبنانية - السورية، والتي حاول عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية، إطفاء جذوتها خلال مهمته المكوكية الأخيرة بين بيروت ودمشق.

راحة مؤقتة

لكن وبرغم كل هذه الحقنات المهدئة للوضع، لا تزال نيران الأزمة اللبنانية-السورية متقدة تحت الرماد، وهي قد تعاود الإشتعال بقوة في أية لحظة لأسباب عدة أهمها:

أولا: أن "هدوء" مجلس الامن في هذه المرحلة، لن يعني بأي حال هدوء لجنة التحقيق الدولية خلال الأشهر الستة المقبلة التي وصفها رئيسها المستقيل بأنها ستكون "أشهراً سورية بإمتياز". وهذا يعني أن النظام السوري سيتعرض خلال الفترة المقبلة إلى ضغوط خانقة بسبب توجّه لجنة التحقيق للتركيز على التحقيق مع كبار قادة أجهزة الأمن السورية، على رأسهم رجل النظام القوي آصف شوكت مدير الإستخبارات العسكرية وربما أيضاً ماهر الأسد شقيق الرئيس بشار الأسد.

ثانيا: أن المجابهة بين دمشق وواشنطن مرشحة لتصعيد خطير في قادم الأيام، لان الثانية تنوي بعد إنتهاء الانتخابات العراقية بدء سحب قواتها بشكل تدريجي من المستنقع العراقي. وهذا سيستلزم في مرحلة ما إحلال قوات عربية - إسلامية – دولية مكان القوات المنسحبة لضبط الامن في المدن العراقية الرئيسية.

وتقول هنا مصادر دبلوماسية مطلعة إن مشروع إرسال قوات عربية - إسلامية إلى بلاد ما بين النهرين بات موضوعاً منذ فترة على نار قوية بموافقة مصرية- سعودية، وان العقبة الوحيدة الان في وجه هذا المشروع هي سوريا.

فقد أبلغ قادة فلسطينيون، التقوا الرئيس السوري الأسد مؤخراً، سويس إنفو أنه خلال المفاوضات بالواسطة التي تجري بين دمشق وواشنطن، طلبت هذه الاخيرة من الأسد الموافقة أن تكون القوات السورية على رأس فيالق الردع العربية التي يمكن ان ترسل إلى العراق لفرض السلام فيه، لكنه (أي الأسد) رفض. وحينها، يضيف القادة، طلبت واشنطن أن يكتفي الأسد بإعلان تأييده لقوات الردع العربية، لكنه رفض. وحتى حين طلب منه الوسطاء عدم إتخاذ موقف سلبي من هذه القوات في حال تشكيلها، رفض أيضاً.

هذه الرواية الموثوقة تحتاج بالطبع إلى توكيد رسمي. بيد ان المواقف المتصلبة التي إتخذها الرئيس السوري في مناسبتين إثنتين خلال شهر واحد، تشي بأنها (أي الرواية) صحيحة على الأغلب.

المناسبة الأولى كانت خطابه في جامعة دمشق، حين أعلن بوضوح ان الأميركيين يضعونه امام خيار "القتل أو الإنتحار" ، وانه في هذه الحالة لن يختار الأنتحار و"لن يحني رأسه". والثانية، في لقائه قبل أيام مع التلفزيون الروسي، حين أعلن أن فرض العقوبات على سوريا "سيزعزع ليس فقط إستقرارها وإستقرار المنطقة، بل إستقرار العالم كله".

وهذا يعني ان التصعيد من كلا الجانبين (أي السوري والاميركي) سيكون هو المرجح في المرحلة المقبلة.

ثالثا: وبالطبع، حين تتأزم العلاقات السورية- الدولية، ستتأزم معها حتماً العلاقات السورية- اللبنانية، لان دمشق تعتبر أن التحقيق في اغتيال الحريري يعني تحويل لبنان إلى منصة إنطلاق للإنقضاض على نظامها.

وهذا بالطبع تطور خطير، لانه يعني ان الصراع بين الطرفين يرقص على إيقاع طبول حرب خارجية، تقرعها فرق موسيقية دولية-إقليمية صاخبة تعمل الان على إعادة رسم كل شيء في المنطقة: من الخرائط الكيانات، إلى الهويات والمسلمات.

هذه نقطة.

وثمة نقطة ثانية لا تقل أهمية: كلا النظامين اللبناني والسوري يبذلان كل جهد ممكن لتوريط الشعبين والمجتمعين فيهما في هذه المجابهات الخطرة. وهكذا يتم إستنفار العصبية الوطنية السورية ضد اللبنانيين، فيما ينشط العصبيون اللبنانيون لنشر البغضاء والكراهية ضد كل ما هو سوري وحتى عربي.

وهذا تطور يحدث للمرة الاولى في التاريخ العربي، بما في ذلك حتى تاريخ الصدام الكويتي-العراقي في أوائل التسعينات، حين بقيت أصوات عدة في كلا الجانبين تدعو إلى عدم تحميل الشعبين مسؤولية خطايا صدام حسين وأخطاء بعض القادة الكويتيين.
في لبنان وسوريا، لا تسمع الان مثل هذه الأصوات. وهذا مؤشر على مدى الأستقطاب الحاد الذي وصلته إليه الامور في كلا البلدين.

هدنة قصيرة

حسناً. إلى أين الآن من هنا؟

إلى إنتظار الجولة الجديدة من عض الأصابع بين دمشق والغرب. وهو إنتظار لن يدوم طويلاً على الأرجح، بسبب التطورات التي ستتسارع من الان فصاعداً بعد انتخابات العراق.

اما قرار مجلس الأمن الهاديء، فلن يكون في الواقع أكثر من مجرد هدنة قصيرة بين حربين.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة