تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

سياسية الخُطوة .. خطوة في السودان

المبعوث الرئاسي الأمريكي الى السودان جون دانفور حرص في جولته الى المنطقة الشهر الماضي على تأكيد أن واشنطن ليست لها مبادرة جديدة للسلام في السودان

(swissinfo.ch)

مع اقتراب موعد الـ15 من يناير كانون الاول 2001 الذي حددته الادارة الامريكية لطرفي النزاع في السودان من اجل الاستجابة لـ"مقترحات" واشنطن، يبدو ان لا احد في الخرطوم او في صفوف المتمردين مستعد لتأليب الولايات المتحدة ضده.

نجحت سياسة "الخُطوة خطوة" التي انتهجتها الإدارة الأمريكية تجاه الأزمة السودانية عشية عيد الفطر بإعلان واشنطن موافقة طرفي النزاع المسلح، "الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان"، على التفاوض لوقف إطلاق النار برقابة دولية في منطقة جبال النوبة جنوب غربي البلاد، وتشكيل فريق دولي برئاسة الولايات المتحدة للتقصي في شان اتهامات الاسترقاق والاستعباد والاختطاف القسري والتزام الطرفين تجنب قصف الأهداف المدنية والإنسانية، وتسهيل برنامج الإغاثة والتعمير في المنطقة.

وبذا يكون طرفا الصراع قد وافقا دون تعديلات جوهرية على المقترحات الأربع التي طرحها المبعوث الرئاسي الأمريكي جون دانفورث على الحكومة و"الحركة الشعبية" خلال جولته الشهر الماضي. غير أن الخرطوم أبدت تحفظين: الأول يتصل بالآلية التي تراقب التزام الطرفين تجنب قصف الأهداف المدنية والإنسانية، والآخر يتعلق بموضوع الرق والاستعباد.

وأُعلن الاتفاقُ بعد مفاوضات شاقة وطويلة استمرت أسبوعا في الخرطوم حيث قاد الفريقَ الفني الأمريكي منسقُ شؤون السودان في الخارجية الأمريكية جف ميلنغتون، ورأس الجانبَ السوداني وزيرُ الدولة للخارجية شول دينق.

وسادت المفاوضات لغة خشنة قبل أن تفضي إلى نتائج عكست ارتياح الجانب الأمريكي وارتياب الحكومة السودانية. ويُنتظر أن تستكمل بوصول المبعوث الأمريكي إلى البلاد خلال الأسبوع الأول من الشهر المقبل للاتفاق على موعد للتفاوض بين طرفي النزاع على وقف إطلاق النار تحت رقابة دولية.

ولكن اللافت للنظر هو أن السيناتور السابق دانفورث حرص في جولته في المنطقة منتصف الشهر الماضي على تأكيد أن واشنطن ليست لها مبادرة جديدة للسلام في السودان. وقالها بطريقة اكثر حسما في مؤتمره الصحافي في الخرطوم وحرص أيضا على تكرار هذا الموقف في محطتيه الأخيرتين في نيروبي والقاهرة. غير انه ذكر انه يحمل أربع مقترحات وأفكار اعتبر التجاوب معها عربونا لبناء الثقة بين طرفي النزاع.

يمدون الجزرة احيانا ويحتفظون بالعصا مرفوعة

وعند النظر إلى هذه المقترحات، يكتشف المراقب انها خطوات اجرائية واجبة التنفيذ وليست مجرد افكار، حيث امهل الطرفين شهرين لتنفيذها منذرا انه سيحمل من يتقاعس عن ذلك مسؤولية وأد مساعيه السلمية.

ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن المشهد السياسي السوداني وبوجه أخص المسرح المتعلق بالحرب الأهلية في جنوب البلاد. فقد قاد الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر، أول وساطة بين الخرطوم و"الحركة الشعبية لتحرير السوادن" في كانون الأول ديسمبر من عام 1979، وكانت قريبة من كل الجهود الجارية لوقف الحرب. لذا يبدو أنها قررت أن يكون مدخل تحركها إلى السلام في السودان براجماتيا وعمليا، وفضلت ان تنأى بنفسها عن تكرار سيناريو مباردة الهيئة الحكومية للتنمية في شرق افريقيا "ايقاد" والتي لم تراوح مكانها منذ عام 1994، والمساعي المصرية الليبية التي لم تغادر بعد محطة الاماني الطيبة.

وبدا أن واشنطن تؤثر ألا تطرح مبادرة أو خطة متكاملة المعالم على الأطراف المتحاربة طمعا في نيل رضاها خشية الغرق في تفاصيل الجدل المتطاول، وهذا لا يعني بالطبع أنها لا تملك خطة بل تريد أن تستأثر بها لنفسها لتتعامل مع الأطراف المعنية بمبدأ "المعرفة حسب الحاجة". وتعطي لنفسها مرونة اكبر في فرض أسلوبها لا أسلوب أي من طرفي الصراع في التعاطي مع خطتها الرامية لتحقيق السلام في السودان مستهدية بسياسة "الخطوة ..خطوة".

ولم تخرج الافكار والمقترحات الامريكية التي طرحت حتى الان، من تقرير اعده فريق عمل من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن في شباط فبراير الماضي عن "السياسية الامريكية لانهاء الحرب في السودان" الذي قدم الى ادارة الرئيس جورج بوش الجديدة لتبنيه.

ويعد اهم مساعدين في فريق المبعوث الرئاسي الامريكي الى السودان هما السفير السابق روبرت اوكلي ومنسق شؤون السودان في الخارجية جف ملينغتون، من الاعضاء البارزين في فريق العمل الذي اعد توصيات التقرير، فضلا عن ان تعيين المبعوث نفسه لم يكن الا استجابة لاحدى توصيات التقرير التسع، التي اخذت منها ادارة بوش حتى الان سياستها القائمة على التواصل مع الحكمة السودانية، وتجاوزت بها سياسية العزل والاحتواء التي سارت عليها ادارة الرئي السابق بيل كلينتون. غير ان سياسية التواصل هذه لا تحمل البشرى للخرطوم بالضرورة وربما تكون اكثر مضاضة من سياسية العزل في عهد كلينتون، فهو تواصل قائم على "حشر الانف" يمد الجزرة احيانا الا انه يحتفظ بالعصا مرفوعة.

الاتفاق "فاتح شهية" لواشنطن

ومن ابرز توصيات التقرير، اعطاء اولوية لوقف الحرب على عداها والتركيز على اجراءات بناء الثقة، وتحسين اوضاع حقوق الانسان، وضمان انسياب المعونات الانساينة ووقف القصف الجوي على الاهداف المدنية، وكلها جاءت في صلب الخطوات الاربع الواجبة التنفيذ التي طرحها دانفورث على طرفي الحرب. وتبقى التوصية المهمة التي ابرزها التقرير لحلحلة ازمة الحرب في جنوب السودان والتي تقوم على صيغة "سودان واحد بنظامين" أي اقامة نظام حكم ذاتي لمنطقتين في الشمال والجنوب في اطار يحفظ شكل الدولة السودانية الواحدة، وهي صيغة يعتقد مخترعوها انها تضرب اكثر من عصفور بحجر واحد.

فمن جهة، قد تسكت المخاوف المصرية من رؤية دولة جديدة كاملة السيادة في محيط امنها القومي جنوبا، وتدرك واشنطن انه ليس بوسعها فرض حل لقضية الحرب في جنوب السودان لا ياخد في الاعتبار مصالح مصر الحيوية. ومن جهة اخرى، يبدو مثل هذا الحل مغريا للكثير من القوى الجنوبية السودانية، وحل كهذا لن يجد معارضة من جيارن السودان الافارقة ولكن من المؤكد انه لن يكون سهلا على الحكومة السودانية قبول مثل هذا الطرح او بلعه.

ويعتقد مراقبون للشان السودانين ان الاتفاق الذي اعلنته واشنطن عشية عيد الفطر، يمثل بالنسبة للولايات المتحدة "فاتح شهية" وسيؤدي الى تسارع خطواتها للانتقال الى خطوة تالية في خطتها، وهي ستعدها اساسا لعملية بناء الثقة باعتبار ان مجرد اتفاق الطرفين المتحاربين يثبت ان الوصول الى اتفاق شامل ليس مستحيلا، وانهاه مطالبة بان تضع كل ثقلها وراء الخطوات التالية مستفيدة من المناخ الذي وفرته احداث الحادي عشر من سبتمبر ايلول الماضي، حيث صارت قوة الضغط المتاحة لها لا يمكن مقاومتها مما يتوقع انها ستمارس ضغطا طبيرا على الطرفين.

مقترحات واشنطن تحجم باقي المبادارت

وسيحرر الاتفاق في خطوته الاول، الادارة الامريكية من ضغوط اللوبي اليميني المتطرف الذي وضع الحرب في جبال النوبة وقصف المواقع المدينة وتهم الرق والاستعباد والعون الانساني في مقدمة اجندته الامر الذي سيوفر للمبعوث الامريكي وهو قس، حرية الحركة دون ضغوط داخلية في الولايات المتحدة ويطلق يد ادارة بوش دون ان تلتفت وراءها.

وسيحجم النجاح الاول للجهد الامريكي، كل المبادرات الاخرى سوى "ايغاد"، لذا يتوقع ان تتراجع مساعي مصر وليبيا للمصالحة والسلام في السودان لان تركيز الولايات المتحدة سيكون حول قضية الحرب والسلام، وليس التسوية الشاملة حيث ترى ان مناطق الصراع المسلح هي البؤر الملتهبة.

وستركز على التعالم مع الحكومة و"الحركة الشعبية" باعتبارهما طرفي النزاع المسلح، وبالتالي فانها ستدعم التحرك عبر "ايقاد" لا سيما وهي تقود منبر شركاء "ايقاد" نم الدول الغربية، وستحاول استيعاب الجهد المصري لها في اطار "ايقاد" لقناعتها باهمية الدور المصري، وهذا يتيح لها تلقائيا ابعاد ليبيا، ومثل هذا التوجه سيجد دعما من "الحركة الشعبية" التي تعتبر ان مبادرة مصر وليبيا قاصرة لانها لا تعترف بحق تقرير مصير جنوب السودان.

غير ان قوى سياسية مؤثرة في شمال السودان، ترى ان المسعى الامريكي الحالي يقدم معالجات جزئية لا تسوية شاملة للازمة السودانية، ويخاطب اعراض المشكلة لا جذورها وتعتقد ان وقف الحرب الاهلية اولوية قصوى ولكن اقرار السلام يقتضي القضاء على الاسباب الحقيقية للحرب لا الانشغال باعراضها. وان الحل المطلوب ينبغي ان ياتي في اطار مشروع متكامل مقبول لكل اهل السودان ويؤسس لنظام حكم شرعي يستند على الديمقراطية المستديمة والتداول السلمي للسلطة، واذا غابت هذه العناصر الاساسية عن أي مشروع للحل، فان اية محاولة اخرى لا تعدو ان تكون مسكنا مؤقتا لا يقود الا الى الانفجار.

النور احمد النور - الخرطوم

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×