تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

سيناريُوهات مختلفة لـمُـسـتـقـبـل الجزائر

من اليمين، رئيس الوزراء الحزائري المُستقيل أحمد أويحيى وخلفه عبد العزيز بلخادم (2006، مكان ويوم التقاط الصورة غير مُحدد)

(Keystone)

يُريد الرئيس الجزائري تعديل الدستور للفوز بعهدة رئاسية ثالثة، أو على الأقل تنصيب نائب له (من غرب البلاد؟) مع الابقاء على المادة التي تنص على عدم تجاوز مدة العهدتين.

ويؤكد بهذه الرغبة شكوك الذين عارضوا تسلمه الحكم عام 99 والتي جزموا من خلالها أنه لن يلتزم بتعهداته مع القادة العسكريين الذين أوصلوه إلى المرادية.

رغم المقاومة الشديدة التي أبدتها جهات مختلفة في أجهزة الحكم المتعددة، قرر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة دفع أحمد أويحيى إلى تقديم استقالته من رئاسة الوزراء، رغم أن أويحي قد نفذ (بكل ما تحمله الكلمة من معنى) كل المشاريع الصعبة والقذرة التي يتجنب السيد بوتفليقة الخوض فيها، ومن بينها ملفا القبائل والزيادة في الأجور.

كما أن اتباع أويحيى لسياسات بوتفليقة، وتوصيات جهات نافذة في السلطة ساعدت بوتفليقة في ترأسه للبلاد، جعلت من أويحي السياسي الأقل شعبية والأكثر كرها من قبل غالبية الجزائريين، الأمر الذي يرهن حظوظه للفوز برئاسة البلاد في المستقبل القريب والمتوسط على الأقل.

هنا يجب التذكير بحدثين هامين أغضبا بوتفليقة وجعلاه يفسر اتفاقاته السابقة مع من أوصلوه إلى الرئاسة بالطريقة التي يريدها، أولهما ما بلغه خلال علاجه بفرنسا قبل خمسة أشهر من أن رئيس حكومته قد اجتمع بقيادات غير سياسية بارزة وأطلعها على رغبته في خلافة بوتفليقة "الذي لا يُرجى شفاءه".

أما الأمر الثاني، فهو تشبث أويحيى برغبة غالبية أصحاب القرار الذين لا يريدون تعديلا دستوريا يُفضي إلى إلغاء المادة التي تنص على تولي أي جزائري لمنصب الرئاسة لفترتين لا غير، مدة كل واحدة منها خمسة أعوام.

غضب واختلاف وتوجس

لا يريد بوتفليقة أي نقاش حول رغبته في تعديل الدستور، كما أنه يدخل في هستيريا من الغضب عندما يُقال له: "سيدي الرئيس، لا يمكنك حكم الجزائر لفترة رئاسية ثالثة لأن صحتك لا تسمح بذلك".

ويتضح أن غضب بوتفليقة على أويحيى نابع من غضبه على من بلغه أنه اجتمع بهم، على أساس أنه تلقى ضربة من الخلف. ولكن من هو الذي تلقى ضربة من الخلف، عبد العزيز بوتفليقة أم المؤسسة العسكرية؟

يرى أنصار بوتفليقة أنهم يعملون ضمن سياق سياسي طبيعي يسمح لهم، حسب قوانين الجمهورية، بالتحرك ضمن ما يخولهم إياه الدستور الذي لا ينص على منع تعديل الكثير من مواده المتعلقة بنظام الحكم ومدة حكم رئيس الجمهورية.

ويرى عبد العزيز بلخادم، الذي عينه بوتفليقة خلفا لأحمد أويحىي في رئاسة الحكومة، أن النظام الرئاسي المطلق أفضل من النظام البرلماني الحالي.

ويضيف بلخادم أن منصب رئيس الحكومة قد لا يكون ضروريا على أساس أن رئيس الجمهورية يقوم بمهام رئيس الحكومة (مثلما هو الحال في الجارة تونس)، فلا داعي لمنصب رئيس جمهورية مكرر.

في حين يرى معارضو بوتفليقة من الطبقة السياسية الفاعلة، أن الأمر أكبر من تعديل دستوري وأكبر من تولي بوتفليقة لعهدة رئاسية ثالثة لم يُتفق عليها أبدا.

فنظرة بسيطة إلى الوزراء المتمسكين بوزارات السيادة تُظهر أن كلهم من غرب البلاد، فقبلهم بوتفليقة من الغرب وهو نفسه وزير الدفاع، ثم رئيس الحكومة ووزير الخارجية ثم وزير العدل والداخلية والطاقة.

وبمنطق جزائري بسيط مبني على التقاليد السياسية المتبعة منذ استقلال البلاد في عام 1962، فإن أمرا كهذا يخفي "كوارث" أخرى في حالة ما عدّل الفريق الحاكم حاليا المواد الدستورية المرتبطة بمدة الحكم، وإضافة مادة تسمح لرئيس الجمهورية بتسمية نائب له يخلفه في حالة وفاته أو مرضه، أي أن رئيس البرلمان سيختفي من صورة ترتيبات الخلافة بشكل تام.

تساؤلات

لا شك أن تقديم الخلاف بين معارضي ومؤيدي بوتفليقة يُظهر أن الأزمة في أعلى هرم السلطة هي الآن على أشدها. ولكن، هل يمكن لبوتفليقة فعلا أن يفعل ما يريد؟ وهل المؤسسة العسكرية عاجزة عن منعه من تعديل الدستور الذي قد يُدخل البلاد في دوامة من الصراع الجهوي، بين غرب يحكم لأطول فترة ممكنة، وشرق ووسط وجنوب وبربر مندهشين مما يجري أمامهم؟

ترى أوساط سياسية فاعلة أن التجرؤ على تعديل الدستور منبعه التأكد من أن الطبقة السياسية ميتة، وأن المعارضة لا وجود لها، وأن القادة العسكريين الذين يمكنهم ضبط موازين المدنيين المتهورين قد اختفوا.

في هذا السياق، يتضح وبشكل لم يسبق له مثيل، أن أخطاء المدنيين هي التي تدفع الجيش إلى التدخل ومن ثم الاستقواء على السياسيين من باب أن "المساعدة لابد لها من ثمن"!

يُعتبر سرا شائعا أن قدوم بوتفليقة إلى السلطة قد جاء بعد مفاوضات عسيرة مع قادة عسكريين كبار أفهموه أن وصوله إلى الرئاسة مرتبط بإعادة الهدوء السياسي والسلم المدني بين الجزائريين، لأن العسكر بطبيعتهم لا يمكنهم فعل ذلك. كما أن تسلمه مقاليد الحكم مرتبط بتبييض صورة البلاد دوليا والعمل بذكاء لمسح صورة الجيش المتوحش الذي يؤذي المدنيين العزل.

عمليا ونظريا، نفذ الطرفان بنود الاتفاق، وخرج كل واحد منهما راضيا، واستعادت البلاد بعضا من عافيتها. ولكن لماذا الزيادة على الاتفاق وإقالة أويحيى وتعيين بلخادم الذي لا يلقى الإجماع المطلوب داخل أوساط الطبقتين، السياسية والعسكرية؟

معادلة مفترضة وتوقعات

اتصلت سويس إنفو ببعض الإعلاميين الجزائريين الذين فضلوا عدم الكشف عن هويتهم، وشرحوا المعادلة السياسية لعبد العزيز بوتفليقة بالشكل التالي: "لقد عمل بوتفليقة منذ توليه الرئاسة على إضعاف نفوذ الأجهزة الأمنية على القرار السياسي، ودعم عمله بتنحية من يُحسبون على التيار الفرنسي، وأبعد بعضهم سفراء في الخارج، وهذه التحركات ترضي الكثيرين، وهي تدخل في إطار أفكار الإصلاح التي طرحتها تيارات سياسية عديدة".

ويواصل هؤلاء قائلين: "غير أن هذا التعديل وهذه التحركات، لم يُقصد بها إصلاح الخلل لصالح الأجيال المقبلة، بل لتدعيم الحكم الفردي المطلق الذي ينشده بوتفليقة تحت غطاء الحكم الرئاسي، ذي السبعة أعوام مضروبة في ثلاث عهدات رئاسية"، حسب رأيهم.

ثم تأتي نتيجة معادلة بوتفليقة - دائما حسب رأي بعض الإعلاميين الجزائريين - كالآتي: "بما أن بوتفليقة مريض ولا يمكنه منطقيا الفوز بعهدة رئاسية ثالثة، فإن المشاكل التي ستنجم عن تعديل دستوري وسيطرة مطلقة على مقاليد الحكم من قبل فئة قليلة تربطها علاقات صداقة قديمة، من شأنها إعادة المحسوبين على التيار الفرنسي إلى الواجهة، وقد يُقحم هذا أجهزة أخرى في العملية السياسية حفاظا على التوازن الداخلي الذي تهدده الجهوية بكل أبعادها الخطيرة".

سيــناريـوهات

بالتوزاي مع كل ما يحدث في الخفاء والعلن، تُطرح حاليا في الجزائر سيناريوهات مختلفة لمرحلة ما بعد تعيين عبد العزيز بلخادم وإعلانه أن هدفه الأول هو تعديل الدستور، وهي كالتالي:

الأول، أن يتمكن بوتفليقة من تعديل الدستور وجعل المدد الرئاسية ثلاثا، مدة كل واحدة منها سبعة أعوام. ثم يكمل بوتفليقة العهدة الحالية التي بقي منها ثلاث سنوات وبعدها يتولى أمر البلاد لسبع سنوات أخرى.

الثاني، أن تبدأ مقاومة من داخل أجهزة الحكم وخارجه للتعديل الدستوري، بناء على مخاطره المهددة للسلم المدني والتناسق الوطني.

الثالث، أن يعلن عجز بوتفليقة عن أداء مهامه الرئاسية بسبب المرض أو الوفاة، ويخلفه نائبه الذي يعينه، وهو الذي ينتظر أن يكون (بنسبة هائلة) من غرب البلاد.

الرابع، أن ينتظر خصوم بوتفليقة تطور حالته الصحية التي يعلمون مدى خطورتها، ويتفاعلون من المحيطين به شيئا فشيئا كي لا يظهر الأمر على أنه انقلاب أو رغبة في التخلص من مشكلة. ثم يتم التعامل مع عجزه عن أداء مهامه الرئاسية بسبب المرض أو الوفاة، ثم يعلن عن انتخابات رئاسية مسبقة من دون تعديل للدستور.

إلى أين؟

لقد حملت إقالة أويحيى الكثير من المعاني، وفتحت النزاع من أجل الرئاسة على مصراعيه من دون سبب مقنع، سوى انعدام الثقة بجدوى التعديل الدستوري أو سيطرة جهة من جهات البلاد على مقاليد الأمور حبا في السلطة، وليس بناء على ميزات علمية أو مالية.

كما أن بوتفليقة، بإقالته لأحمد أويحيى، قد أدخله وأدخل أنصاره من رجال الأعمال وبعض العسكريين إلى "الجحيم"، ومن ثم فقد قطع الطريق على أنصار الحل العلماني المطلق كي يتقلدوا منصب الرئاسة دون إزعاج من أي كان، بالإضافة إلى زعزعة حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه أويحيى.

أما جبهة التحرير الوطني التي يتزعمها عبد العزيز بلخادم، فسيفرح بعض قيادييها بتسلم بلخادم منصب رئاسة الحكومة. لكن البقية ستنتظر إمكانية هبوب رياح التغيير، لأن التعديل الدستوري سيعصف حتى بمستقبل قيادات طموحة في جبهة التحرير الوطني، بما أن ممارسة الحكم بشكل مطلق سيمنعها من أي تقدم، ولا يمكن حينها التحدث عن التداول على السلطة.

لا مفر من القول أن المستقبل السياسي للجزائر يمر بفترة صعبة جدا لأن تعقد النسيج الاجتماعي للبلد لا يمكنه تحمل تسلط جهة ما على باقي الجهات دونما سبب مقنع. ولئن يؤكد البعض أن الطبقة السياسية الفاعلة والمؤسسة العسكرية قد "انتهتا"، فإن البعض الآخر يؤكد في المقابل أن الخطوط الحمراء لم تتحول بعد إلى صفراء أو برتقالية، وأن المساس بالسلم المدني عبر ممارسة العنف أو التلاعب بالقوانين إنما هما وجهان لعملة واحدة، بما أن نتيجتهما .. واحدة!

هيثم رباني - الجزائر


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×