تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

شجرة فلسطين .. وغابة العراق

(Keystone)

قال وزراء الخارجية العرب في ختام اجتماعهم العادي يوم الاحد في القاهرة ان مبادرة السلام السعودية تمثل "الفرصة الاخيرة" لاسرائيل تجاه السلام.

إلا أن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى رفض أن يفصح عن الإجراءات التي يمكن للعرب اتخاذها إذا رفضت إسرائيل الخطة السعودية، وأعتبر هذا التصريح "رسائل واضحة" للدولة العبرية، كما أنه لم تخرج عن المؤتمر الخطوط الرئيسية لمبادرة السلام السعودية في ثوبها العربي.

فأطرف ما قيل عن المبادرة السعودية الجديدة لحل النزاع العربي- الإسرائيلي، هي أنه "مبادرة اللامبادرة".. هذا الوصفُ أنفرد به رئيس وزراء لبناني سابق. لكنه سرعان ما حظي بإجماع الوسط السياسي والإعلامي في بيروت التي تستعد لاستقبال القمة العربية (ومعها مبادرة الأمير عبد الله) في 27 مارس آذار الحالي.

ويوضح هذا السياسي اللبناني البارز أسباب استخدامه تعبير "اللامبادرة" بآلاتي: كل الأطراف المتصارعة في الشرق الأوسط تفسرّها كما تريد، وتعتبرها مطابقة مع كل مواقفها ليس فقط المبدئية السياسية بل أيضا المبدئية.

وهكذا الرئيس السوري بشار الأسد، وبعد زيارتين الأسبوع الماضي إلى كل من بيروت وجدة، أعلن أن سوريا ترى نفسها في مبادرة عبد الله "لان هذه الأخيرة تتمسك بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وبالقدس، وبالانسحاب الإسرائيلي الشامل من الأراضي المحتلة بما في ذلك مرتفعات الجولان". هذا في حين أن بيان وكالة الأنباء السعودية كان اكتفى بالإشارة إلى أن الرئيس السوري أيد مبادرة ولي العهد السعودي.

والرئيس المصري حسني مبارك، اكتشف في المبادرة السعودية الداعية إلى التطبيع العربي الشامل مُقابل الانسحاب الإسرائيلي الشامل، فرصة لا للتسوية العامة بل لإحياء الدور المصري كـ "وسيط" بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولذا فهو دعا من واشنطن ارئيل شارون وياسر عرفات إلى قمة ثلاثية معه في شرم الشيخ.

والرئيس الفلسطيني عرفات كان (بلسان صائب عريقات ونبيل شعث) من أشد المتحمسين للمبادرة، لأنها ستسهل عليه مستقبلا "التسويات الوسط" في القضايا التاريخية والاستراتيجية المعقدة، مثل القدس واللاجئين والمستوطنات.

وحتى الرئيس الإيراني محمد خاتمي أوحى بأنه قادر على إدخال فيل الجمهورية الإسلامية الإيرانية من إبرة المبادرة السعودية "طالما أنها تتطابق مع الدعوة الإيرانية إلى سلام في فلسطين يستند إلى العدل والديموقراطية، والى فكرة إجراء استفتاء حول مستقبل فلسطين" على حد تعبيره.

ومن أيضا؟ هناك بالطبع الولايات المتحدة وإسرائيل. فالأولى، وبرغم تصفيقها البارد في البداية ثم الحار لاحقا لـ "رؤية الأمير عبد الله" (كما أسمتها هي )، إلا أنها لم تقرأ فيها سوى تطبيعا عربيا شاملا مع إسرائيل مقابل التطبيق الشامل لمبادرتي ميتشل وتينيت اللتين لا تتحدثان (كما هو معروف) سوى عن وقف العنف في فلسطين تمهيدا لاستئناف مفاوضات سياسية غير محددة المعالم.

أما الثانية (أي إسرائيل) فقد اشتمت فيها بعض روائح الدم المنبعثة من التوترات السعودية-الأميركية بسبب أحداث سبتمبر، فسارعت إلى الطلب من الرئيس المصري ترتيب قمة سرية بين الأمير عبد الله وشارون.

كل على ليلاه

ماذا تعني كل الاجتهادات الذاتية، الغريبة في تناقضاتها؟

الإعلام السعودي لم ير فيها سوى مظاهر تأييد عارم للمبادرة السعودية. وهذا أمر كان متوقعا أصلا بسبب الارتباط الوثيق بين الإعلام والسياسة في الشرق الأوسط العربي.

بيد أن المحللين المحايدين في المنطقة شبهّوا هذا التطور بتظاهرة يقودها الأمير عبد الله حاملا يافطة عامة واحدة هي "التطبيع=الانسحاب" فيما كل من المتظاهرين خلفه يغني على ليلاه. كما انهم رأوا فيه (التطور) دليلا واضحا على أن الأطراف المعنية كافة تدرك بان السلام العربي- الإسرائيلي ليس الهدف الحقيقي للمبادرة.
ويقول هنا أحد هؤلاء المحللين أنه حتى لو أقرت قمة بيروت العتيدة المبادرة السعودية، فأن ذلك لن يغير في شيء من الحقائق الآتية:

أولا، أن إسرائيل لن تكون مستعدة للتسوية النهائية لا الآن ولا حتى بعد سنة أو اكثر. فخليفة شارون المحتمل في أية انتخابات إسرائيلية جديدة سيكون بنيامين نتنياهو أو جنرال آخر اكثر تطرفا منه.

ثانيا، انه لم يعد من السهل على أحد (بما في ذلك حتى الرئيس عرفات) وقف الانتفاضة الفلسطينية، بعد أن كادت العمليات العسكرية الأخيرة تحوّلها من مجرد انتفاضة إلى ثورة مسلحة على النمط الجزائري.

ثالثا، وهنا الأهم، السلام العربي– الإسرائيلي ليس على أولويات إدارة الرئيس الأميركي بوش. الإرهاب هو الأولوية من الآن وحتى إشعار آخر قد يستمر سنوات عدة.

وبالتالي فان الإدارة الأميركية لا تريد اكثر من تهدئة للأوضاع في الضفة الغربية وغزة، لتسهيل حربها العامة ضد الإرهاب، وبالتحديد ضد العراق. وإذا ما كانت مبادرة الأمير عبد الله تخدم هذا الهدف المرحلي، فليكن.

العّطار بن لادن

الأطراف الرسمية في الشرق الأوسط (وعلى عكس الشعوب التي تتعرض إلى ما يشبه "غسيل الدماغ" الإعلامي) تعي هذه الحقيقة تماما. ولذا يتحرك كل منها لقطف كل ما يمكنه قطفه من كعكة المبادرة السعودية.

على رأس هؤلاء الرياض نفسها، التي تعتبر أن إطلاقها مبادرة شاملة غير قابلة للتطبيق في هذه المرحلة ولا تورطها في "التفصيلات الخطرة" المتعلقة بالقدس واللاجئين، من شأنه فتح أبواب الحوار على مصراعيها مع الولايات المتحدة، حول سبل ترميم ما أفسده "العطار" أسامة بن لادن من علاقات بين الطرفين في 11 سبتمبر.

وكما هو معروف، سبق للمسؤول الأميركي السابق مارتن انديك أن حدد شروط هذا الحوار بجلاء في دراسة نشرتها دورية "فورين أفيرز" الشهر الماضي. وهذه الشروط هي : دعم أمريكا في حربها ضد الإرهاب، ولاحقا ضد العراق؛ تجفيف مستنقعات الدعم المالي لما يسمى بـ"الحركات الإرهابية"؛ التحوّل من مراقب إلى شريك كامل لأميركا حين تحين ساعة التسوية العربية-الاسرائيلية (بمعنى التوقيع على تسويات القدس واللاجئين والمستوطنات)، وأخيرا تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية و"ايديولوجية" جذرية "على المدى البعيد".

أما بالنسبة لسوريا وايران ومصر فهي، كما السعودية، تدرك أيضا أنها قادرة على المناورة قدر ما تشاء على جبهة التسوية مع إسرائيل، طالما أن هذه التسوية ستبقى في علم الغيب الأميركي إلى أجل غير محدد، وذلك بدون الحاجة إلى إغضاب الولايات المتحدة "بلا مبرر".

ويبقى العراق.

وهنا كان لرئيس الوزراء اللبناني السابق تعليق لا يقل طرافة. إذ هو قال إن الاقتراح السعودي يبقى "مبادرة اللامبادرة" طالما أن الحديث متمحور حول فلسطين. لكن حين يوضع الاقتراح في إطار العلاقات العربية – الأميركية وفي سياق الحرب الأميركية ضد الإرهاب، تصبح المبادرة اكثر من مجرد شجرة بسيطة متواضعة. إنها تتحّول إلى غابة كاملة اسمها العراق.

وكان المسؤول يعرب بذلك عن اعتقاده أن مركز الجذب الحقيقي في الأحداث الشرق أوسطية الراهنة (على الأقل في جانبها الدولي الأميركي) ليس فلسطين بل.. العراق.

سعد محيو- بيروت

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×