Navigation

شهادة كلارك تضع إدارة بوش في مأزق

ريتشارد كلارك المنسق الأمريكي السابق لمكافحة الإرهاب في البيت الأبيض يُـدلي بشهادته أمام لجنة التحقيق المستقلة في هجمات 11 سبتمبر يوم 24 مارس 2004 Keystone

وجّـه ريتشارد كلارك، المنسق الأمريكي السابق لمكافحة الإرهاب، ضربة لإدارة جورج بوش أمام لجنة التحقيق المستقلة في هجمات 11 سبتمبر.

هذا المحتوى تم نشره يوم 30 مارس 2004 - 17:19 يوليو,

كما وضع السيد ريتشارد كلارك حكومة الرئيس بوش في موقف بالغ الحرج لأنه اعتذر بالنيابة عن الحكومة التي كان يشغل فيها منصب أعلى مسؤول عن مكافحة الإرهاب.

عندما طلبت لجنة التحقيق المستقلةِ في هجمات 11 سبتمبر من ريتشارد كلارك، المنسّـق الأمريكي السابق لمكافحة الإرهاب إلقاء كلمته الافتتاحية، وجّـه أكبر ضربة لإدارة الرئيس بوش التي تُـرّوج لفكرة مفادها أنها الحكومة القادرة على التصدي بضراوة لخطر الإرهاب على الأمن القومي الأمريكي.

فقد التفت السيد كلارك إلى أعضاء أسَـر ضحايا هجمات سبتمبر الذين حضروا الجلسة وقال: "لقد خذلتكم حكومتكم، فالذين وضعتُـم فيهم الثقة لحمايتكم خذلوكم، ولقد خذلتكم أنا أيضا. إننا حاولنا قدر جهدنا، ولكن ذلك لا يهم، إننا أخفقنا، وبسبب هذا الفشل أطلب منكم، عندما تظهر كل الحقائق، أن تتفهموا ما حدث وتسامحوننا".

وبذلك الاعتذار، وضع السيد ريتشارد كلارك حكومة الرئيس بوش في موقف بالغ الحرج لأنه اعتذر بالنيابة عن الحكومة التي كان يشغل فيها منصب أعلى مسؤول عن مكافحة الإرهاب، واتهم في شهادته أمام اللجنة بأن إدارة الرئيس بوش لم تعتبر الإرهاب أولوية عاجلة قبل هجمات سبتمبر، وأن الرئيس بوش تجاهل تحذيراته بشأن تنظيم القاعدة، وكان مهتما بعد الهجمات بإيجاد صلة بين أحداث سبتمبر وبين النظام العراقي لتبرير شن الحرب، وسرعان ما أدّى غزوه للعراق إلى إضعاف الحرب الأمريكية على الإرهاب.

ومع أن جورج تينت، مدير وكالة المخابرات الأمريكية ودونالد رامسفيلد، وزير الدفاع حاولا إقناع اللجنة بأنه لم يكن من الممكن تجنّـب هجمات سبتمبر ودافعا عن إدارة الرئيس بوش في تعاملها مع خطر الإرهاب على الأمن القومي الأمريكي، فإن ساندي بيرغر، المستشار السابق لشؤون الأمن القومي في عهد الرئيس كلينتن أكّـد في شهادته أمام لجنة التحقيق أنه حذّر خليفته في المنصب كوندوليزا رايس في ثلاثة اجتماعات خلال فترة انتقال السلطة في مطلع عام 2001 من أن المشكلة الأولى التي يتعيّـن عليها مواجهتها هي الإرهاب الدولي وتنظيم القاعدة بالتحديد.

وركّـزت لجنة التحقيق ضغوطَـها لإجراء مقابلة مُـطولة أخرى مع مستشارة الرئيس بوش لشؤون الأمن القومي، وقبِـل البيت الأبيض أن تلتقي مستشارة الأمن القومي باللجنة في مقابلة غير علنية، ولكنه اشترط ألا تكون شهادتها غير العلنية أمام اللجنة تحت القسم القانوني بأن "تقول الحق .. كل الحق، ولا شيء غير الحق".

النتائج الأولية تُـوحي بالتقصير

ومع أن التقرير النهائي للجنة التحقيق المستقلة في هجمات 11 سبتمبر سيصدر في آخر يوليو القادم، فإن اللجنة عرضت تقريرا مبدئيا مفاده، كما قال رئيس اللجنة توماس كين، أن شهادات المسؤولين الحاليين والسابقين التي استمعت إليها تُـظهر أن نجاح الإرهابيين في الهجوم على نيويورك وواشنطن يعود إلى فشل نظم الاتصال والتنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية الأمريكية، وأنه كان يتوجّـب على إدارتَـي الرئيسين بيل كلينتن وجورج بوش التحرك بشكل مبكّـر لاستهداف تنظيم القاعدة وزعيمه.

وأكّـد التقرير فشل جميع الجهود الأمريكية من عام 1997 وحتى سبتمبر 2001 في إقناع حكومة طالبان بتسليم بن لادن أو إبعاده إلى بلد كان من الممكن أن يتم اعتقاله فيه وتقديمه إلى المحاكمة.

وأوضح التقرير المبدئي، الذي صدر في 16 صفحة، أن المحاولات الأمريكية مع المملكة العربية السعودية وباكستان لممارسة ضغط على نظام طالبان لحمله على تسليم بن لادن لم تُـكلّـل بأي نجاح.

لكن شهادة ريتشارد كلارك ستُـلقي الضوء على جوانب أخرى سيتضمّـنها حتما التقرير النهائي للجنة، ولذلك، لاحظ المحللون السياسيون في واشنطن السرعة والشراسة التي هاجم بها البيت الأبيض مصداقية الرجل الذي خدم في أربع إدارات أمريكية، ثلاث منها جمهورية.

ويرى هؤلاء المحللون أن البيت الأبيض التزم في هجومه على كلارك بمقولة بوش الشهيرة "إما أن تكون معنا أو ضدنا"، ولكنهم يتوقّـعون ظهور المزيد من الحقائق التي تُـظهر الاهتمام المحموم للرئيس بوش بالبحث عن مبررات لشن حرب على العراق، والاستعداد للغزو، وإغفال الحرب الأمريكية على الإرهاب، مثل سحب البنتاغون لمُـعظم القوات الخاصة المُـسمّـاة "المجموعة الخامسة المُـجهّـزة" لاقتفاء أثر بن لادن في مارس عام 2002 للاستعداد لغزو العراق، وكذلك سحب طائرات التنصّـت من طراز RC-135U من أفغانستان، والتي كانت قد تمكّـنت من رصد كل الاتصالات اللاسلكية ومكالمات الهواتف النقالة بين زعماء تنظيم القاعدة.

ويتوقّـع المحللون السياسيون أن تكون المفاجآت التالية في مسلسل كشف حقائق قصور إدارة بوش في التعامل مع خطر الإرهاب الدولي أكثر خطورة، لأن استمرار لجنة التحقيق في هجمات سبتمبر في الاستماع إلى المزيد من الشهادات، وإصرارها على إعادة سؤال مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس قد يدفع بعض المسؤولين المقربين، في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي الأمريكي، إلى الخروج عن صمتهم لضمان ألا تَـفلت إدارة الرئيس بوش من مواجهة المسؤولية عن تخلّـيها عن الحرب ضد الإرهاب، وجعل الأولوية الأولى لها شن حرب على العراق.

وكلما ارتفع صوت حملة إعادة انتخاب الرئيس بوش للترويج لفكرة أنه المرشح الوحيد القادر على حماية الأمن القومي الأمريكي، كلما سيسارع آخرون إلى كشف المزيد من الحقائق التي تُـثبت عكس ذلك قبل أن تقدّم اللجنة تقريرها النهائي في يوليو القادم.

مصداقية بوش في الميزان

لقد حوّلت اتهامات كلارك والخوف من أن تترسخ في أذهان الناخبين الأمريكيين اهتمام حملة إعادة انتخابات الرئيس بوش من التركيز على اتهام المرشح الديمقراطي جون كيري بأنه لا يقوى على منافسة بوش في قدراته على التصدي بعنف وضراوة للمخاطر التي تهدد الأمن القومي، خاصة الإرهاب، إلى الدفاع عن سجل الرئيس بوش في مواجهة اتهامات تنال من مصداقيته في هذا الصدد.

وفي نفس الوقت، سيجد الديمقراطيون فرصة ذهبية للنّـيل من مصداقية بوش التي اهتزت في البداية مع عدم العثور على أي أسلحة للدمار الشامل في العراق، وذلك بتركيز انتقادات المرشح الديمقراطي جون كيري للرئيس بوش على إخفاقه في حماية الأمن القومي، والتركيز على شن حرب لم تكن ضرورية ضد العراق.

وتعهّـد السناتور جون كيري بدراسة كل الاتهامات التي وجّـهها ريتشارد كلارك إلى الرئيس بوش أمام لجنة التحقيق أو في كتابه الجديد "ضد كل الأعداء"، خاصة وأن أحدث استطلاع لآراء الأمريكيين أظهر أن نسبة 89% ممّـن شملهم الاستطلاع ذكروا أنهم تابعوا اتهامات ريتشارد كلارك للرئيس بوش وحكومته، وأن حكمهم على تلك الاتهامات سيؤثر حتما على ما إذا كان بوش سينجح أم يفشل في الفوز بفترة رئاسية ثانية.

وفي محاولة للنيل من مصداقية السيد كلارك، طالب زعيم مجلس النواب النائب الجمهوري دينيس هاسترد، وزعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ السناتور الجمهوري بيل فريست بنشر الشهادات السرية التي سبق وأدلى بها السيد كلارك قبل عامين لإثبات تناقضها مع اتهاماته للرئيس بوش أمام لجنة التحقيق في هجمات سبتمبر.

لكن السناتور الديمقراطي بوب غراهام، الرئيس السابق للجنة المخابرات بمجلس الشيوخ الأمريكي أكّـد أنه ليس في شهادة السيد كلارك السابقة ما يُـفيد بوقوع أي تناقض في تقييمه لما حدث.

وسرعان ما اقتنص المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية جون كيري الفرصة، فتحدى الرئيس بوش أن يتمكن من إثبات أن السيد كلارك قد كذب أمام اللجنة.

وطالب زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، السناتور توم داشل مساعدي الرئيس في البيت الأبيض بالتوقّـف عن محاولات تشويه سمعة المسؤول الأول السابق عن مكافحة الإرهاب في حكومة الرئيس بوش، والشروع بدلا من ذلك في الكشف عمّـا يُـخفيه من معلومات ليُـسهلوا مهمة لجنة التحقيق التي ستنتهي بحلول 26 يوليو القادم الذي يتزامن مع موعد انعقاد المؤتمر القومي للحزب الديمقراطي.

وإذا طرح ذلك التقرير مزيدا من التساؤلات حول تأكيدات الرئيس بوش بأنه فعل كل شيء ممكن لحماية الشعب الأمريكي من خطر الإرهاب الدولي، فإن قضية الأمن القومي ومن هو المرشح الأجدر بحمايته ستُـصبح قضية رئيسية في حملة انتخابات الرئاسة، وسيكون من السهل على الديمقراطيين تقويض مصداقية الرئيس بوش التي اهتزت بعد أن أدرك الناخبون الأمريكيون أن قرار الحرب ضد العراق استند إلى مبالغات من الرئيس حول خطورة النظام العراقي وما بحوزته من أسلحة دمار مزعومة على الأمن القومي الأمريكي.

ومن خلال فتح التحقيق في هجمات سبتمبر الإرهابية، أثبتت الديمقراطية الأمريكية قُـدرتها على محاسبة كل من يخطِـئ مهما كان منصبه، واستعادت حيويتها من جديد بعد أن أشاعت إدارة الرئيس بوش جوا من الخوف باتهام كل من يطرح أسئلة صعبة تُـحرج موقفها وتقصيرها في الحيلولة دون وقوع تلك الهجمات بعدم الوطنية، وشنّـت حملة مُـنسّـقة لتوجيه اللوم والمسؤولية للرئيس كلينتن، رغم أن هجمات سبتمبر وقعت بعد ثمانية أشهر من انتهاء رئاسته!

ستكشف جلسات لجنة التحقيق في نهاية المطاف عن جانب عظيم في الممارسات الديمقراطية، يتمثل في أنه من الصعوبة بمكان الاحتفاظ إلى الأبد بالأسرار أو استمرار المزاعم والادّعاءات دون تحدّ ولأجل غير مسمى.

وفوق كل ذلك، ستُـظهر لجنة التحقيق المستقلة أن الذين يعتلون قمة السلطة لا يستطيعون التهرب من المسؤولية مهما حاولوا استغلال حادث مُـروّع مثل هجمات سبتمبر لتحقيق أهداف حزبية أو للاحتفاظ بالسلطة عن طريق إخفاء الحقائق التي قد يُـؤدي الكشف عنها إلى أن يتّـخذ الناخبون الأمريكيون قرارهم بتغيير الوجوه التي احتلت البيت الأبيض خلال فترة رئاسية، شهد العام الأول منها أول هجوم على الأرض الأمريكية منذ الهجوم الياباني على بيرل هاربور.

محمد ماضي - واشنطن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.