تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

صدمة الشعب التونسي!

رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون

لا تزال الدعوة التي تلقاها رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون لحضور قمة مجتمع المعلومات تفعل فعلها في مختلف الأوساط التونسية سلطة ومعارضة.

فالمعارضون من أحزاب وجمعيات وطلاب الجامعات، لا يزالون مُصرّين على مواصلة الاحتجاج بأشكال متعددة.

إن عموم التونسيين لا يزالون تحت وقع الصدمة، ولم يفهموا، رغم التوضيحات التي قدمتها الحكومة ووسائل الإعلام، الضرورة القصوى التي قد تبرر دعوة شخص طالما وصفته الصحافة المحلية بكونـه "مجرم حرب".

وفي هذه الأجواء الساخنة، يُـطرح السؤال التالي: هل كانت السلطة قادرة على استثناء إسرائيل وعدم دعوة شارون؟ وهل تشعر الحكومة التونسية بأنها في مأزق سياسي يجب أن تبحث له عن حل؟

المؤكد، أن الحكومة الإسرائيلية تسبّـبت في إحراج كبير للنظام التونسي، وذلك عندما سارعت في الكشف عن مضمون الدعوة، وإعلان شارون ترحيبه بذلك، وموافقته على الحضور، بل إن الناطق باسمه لم يكتف بذلك، ولكنه كشف أيضا عن المحادثات التي مهّـدت للدعوة، وأعطى معلومات عن المستوى المتقدم الذي بلغته العلاقات الثنائية، وقُـرب إعادة فتح مكتبي الاتصال.

كما تحدثت المصادر الإسرائيلية عن الخط الجوي المباشر الذي سيُـقام بين مطاري بن غوريون وجربة لنقل الزوار اليهود إلى بيعة "الغريبة". هذه المعطيات والمعلومات ألقت بها الجهات الإسرائيلية دُفعة واحدة ودون استشارة الطرف التونسي، أي أن شارون وجماعته تلقفوا الدعوة وانطلقوا منذ لحظة استلامها في توظيفها داخليا وعربيا ودوليا، دون الأخذ بعين الاعتبار الظروف الخاصة لهذه الدعوة أو تقدير مصالح النظام التونسي الذي قبل المجازفة، وشرع منذ سنوات طويلة في عملية تطبيع أرادها أن تكون هادئة وبعيدة عن الأضواء.

السلطة في مأزق

وما زاد في إحراج السلطة هو أن ردود الفعل الرافضة لزيارة شارون لم تقتصر على أعضاء المجموعات السياسية الذين وصفتهم إحدى الصحف الموالية للنظام بـ "المرضى"، بل اتّـسعت رُقعة الردود لتشمل أيضا أطرافا أخرى عديدة تعتبرها السلطة "حليفة" لها أو "صاحبة فضل عليها".

ومن هذه الأطراف، "الاتحاد العام التونسي للشغل"، وحزب "الاتحاد الوحدوي الديمقراطي" ذو التوجه القومي العربي، وكذلك الشأن بالنسبة لحزب "الوحدة الشعبية" الذي أعلن أن شارون غير مرغوب فيه بتونس، وكذلك الشأن بالنسبة للشقّـين المتنازعين داخل ما تبقى من اتحاد الطلبة.

إن عدم وقوف هذه الأطراف إلى جانب السلطة للتخفيف من الحملة الموجهة ضدها، يُـعتبر مؤشرا سلبيا بالنسبة لنظام تمكّـن حتى الآن من استيعاب جزء هام من مكوّنات المجتمع المدني والطبقة السياسية.

النوع الآخر من الإحراج الذي قد تشعُـر به السلطة، مُـتأَّت بشكل رئيسي من الطريقة التي تعاملت بها مع تداعيات الحدث. فخوفا من اتساع رقعة الاحتجاج في بلد سبق لمواطنيه أن "انتفضوا" في مناسبات سابقة، قرر النظام أن يواجه ردود الفعل بأسلوب أمني، وصفته المعارضة بكونه "عنيفا وقمعيا"، وهذا يعني أنه في صورة استمرار محاولات الاحتجاج، فإن عدد "الضحايا والموقوفين والمحاكمـات السياسيـة" الذين تحدثت عنهم بيانات الجمعيات الحقوقية، مرشح للتضخم والازدياد، مع احتمال حصول تجاوزات قد تُـسفر عن تطورات دراماتيكية ومؤلمة.

ومن الطبيعي ألا يكون ذلك في صالح النظام، الذي يستعد لاستقبال أكثر من 16 ألف شخص سيحضرون قمة مجتمع المعلومات، خاصة وأن جهودا بُـذلت في مرحلة سابقة لمنع انعقاد هذه القمة في تونس لاعتبارات قيل إن لها علاقة بأوضاع الحريات وحقوق الإنسان.

تقدم المسار السلمي

بناء على ما تقدم، لم تكتف الحكومة باللجوء إلى استعمال القوة لمنع التظاهر في الشوارع أو خارج أسوار الجامعات، وعدم السماح للأحزاب والجمعيات بتنظيم اجتماعات عامة، بل حاولت أن تقوم بهجوم معاكس على خصومها، وذلك من خلال توضيح السياق الذي تتنزل فيه هذه الدعوة. وأعادت التأكيد على مساندتها للقضية الفلسطينية، وربط مسألة التطبيع بتقدم المسار السلمي.

ونظرا لإدراكها لحجم الضرر السياسي الذي يمكن أن يترتب عن غضب الشارع وعدم اقتناعه بالمبررات الرسمية، تم اللجوء إلى السلطة الوطنية الفلسطينية التي لم تتردد في تقديم العون لحليف لا يمكن الاستهانة به. وهكذا صرح أبو مازن للتلفزيون التونسي قائلا "الحكومة التونسية لها سيادتها تدعو من تشاء إلى بلادها وترحب بمن تشاء".

ولم يكتف الرئيس الفلسطيني بذلك، بل هاجم منتقدي الزيارة من الفلسطينيين، حيث شجب تصريحاتهم المناهضة، وأعلن أنه سيحاسبهم، وأنهم لا يمثلون وجهة نظر السلطة، مذكرا بأن تونس كانت "تعطينا مطلق الحرية لنعمل ما نريد ونقرر".

ومع ذلك، يبقى سؤال لا يمكن أن تتجاهله المعارضة: هل بمقدور النظام التونسي أن يرفض توجيه دعوة إلى إسرائيل باعتبارها دولة معترف بها من قبل المنتظم الأممي للمشاركة في قمة عالمية برعاية الأمم المتحدة؟

"إجراء قانوني ليس له طابع سياسي"

وفي سياق الرد عن هذا السؤال الإشكالي، ذكر أحمد ونيس، الدبلوماسي التونسي المعروف بتوجهه الديمقراطي، لسويس أنفو بأن الدولة التونسية لم تكن مخيّـرة في هذا الأمر بعد أن رشحت نفسها لاستضافة هذه القمة، وأن ما تم الإقدام عليه من توجيه الدعوة إلى الطرف الإسرائيلي، هو إجراء قانوني ليس له طابع سياسي.

وفيما يخص السبب الذي جعل الدعوة تُـوجه إلى شارون وليس إلى الرئيس الإسرائيلي أو غيره من المسؤولين الإسرائيليين، أشار ونيس إلى أن الرئيس الإسرائيلي ليست له صلاحيات تنفيذية مثله مثل ملكة بريطانيا، وأن رئيس الحكومة في النظام البرلماني هو الذي يحدد من يمثل الدولة.

وبسؤاله حول إمكانية التراجع عن ذلك، ذكر بأن الصيغة الوحيدة الممكنة في هذا السياق، هي أن تعتذر تونس عن استضافة القمة على أن يتم ذلك في ظرف زمني معقول، مضيفا بأنه ليس مع الرأي الذي من شأنه أن يؤدّي إلى "عزل تونس وحرمانها من الانخراط في الحركة الدولية". كما عبر عن حرصه بأن تتمسك المعارضة بما سمّـاه "القضايا الصحيحة" و"لا تتورط في الدفاع عن مواقف ليست سليمة".

غير أن ونيس، الذي سبق له أن مثّـل تونس في عديد من الدول الهامة، وعُـرف في الفترة الأخيرة بمساندته النشيطة للأوساط الديمقراطية ومطالبها، اعتبر في المقابل أن الدولة الديمقراطية التي تحترم نفسها وشعبها، من صلاحياتها وواجبها أن تقول رأيها بوضوح، وأن تستند وتستعين بالرأي العام، وذلك من خلال السماح لمواطنيها بالتظاهر والاحتجاج المنظم والمسؤول والمعبّـر من خلال شعاراته عن وجود لحمة وطنية عريضة حول هذه القضية الحساسة.

وذكر أنه، على سبيل المثال، يتم استقبال الرئيس بوش من قبل حكومتي بلجيكا وألمانيا، لكن ذلك لم يمنع مواطني البلدين من التظاهر والاحتجاج ضد زيارة الرئيس الأمريكي وسياساته، وعندما " نفعل ذلك، نكون قد قمنا بخطوة سياسة هامة".

ويعتبر أنه بهذه الطريقة، يُـمكن استيعاب الأزمة التي فجّـرتها دعوة الطرف الإسرائيلي، ومن جهة ثانية "يتحقق الانسجام مع الثوابت الاستراتيجية التي قامت عليها الدبلوماسية التونسية".

فتونس حسب اعتقاد السيد ونيس ليس لها موقف عدائي من إسرائيل على أساس عرقي أو ديني أو مذهبي، وإنما هي مع قرارات قمة بيروت التي أقرت بالاعتراف بإسرائيل مقابل أن تحترم هذه الأخيرة تعهداتها، وأن تلتزم بالشرعية الدولية.

هناك احتمال آخر قد يخفف من حالة الاحتقان دون أن يلغيها نهائيا، وهو أن تنطلق مساع سرية ، قد يُـستعان بها بطرف ثالث من أجل إقناع الجهات الإسرائيلية بأن زيارة شارون لن تكون مفيدة، وأنها ستسبب الكثير من المتاعب للنظام التونسي، وأن "مصلحة الطرفين" تقتضي أن يكون التمثيل الإسرائيلي مختلفا.

فهل تقبل المعارضة بحل من هذا القبيل؟ الأكيد أن الرافضين للتطبيع سيتمسّـكون بمواقفهم، وسيطالبون بالتعبير عن احتجاجهم، غير أن غياب شارون عن القمة سيُـعتبر مكسبا رمزيا لا يستهان به.

صلاح الدين الجورشي - تونس


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×