صفقة الأسرى: ارتياح وقلق..

يرى عدد من المراقبين في بيروت أن عملية تبادل الأسرى بين إسرائيل وحزب الله لن تكون نهاية المطاف.. swissinfo.ch

مثلت صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل وحزب الله بلا شك إنجازا معتبرا للحزب وللبنان في ظل الظروف القائمة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 فبراير 2004 - 01:55 يوليو,

لكن هذا يجب ألا يدفع إلى الإنجرار خلف الحماسة الزائدة. فمحاذير "اليوم التالي" قائمة بل قد تكون خطيرة ..

صفقة تبادل الأسرى: إنجاز لحزب الله، خاصة في إطار الظروف الإقليمية والدولية الراهنة. لكن هذا يجب ألا يدفع إلى الإنجرار خلف الحماسة الزائدة. فالإنجاز لن يغيّر شيئا من طبيعة موازين القوى الراهنة.

هكذا أطّل عزمي بشارة، المفكر الفلسطيني والنائب في الكنيست على صفقة الأسرى الأخيرة بين "حزب الله" وإسرائيل، التي تم خلالها الإفراج عن 400 أسير فلسطيني و23 لبنانيا و5 سوريين و3 مغاربة و3 سودانيين وليبي واحد، في مقابل ثلاث جثث لجنود إسرائيليين، والعقيد المتقاعد ألحنان تننباوم.

كان تحفظ بشارة في محلّـه. فالصفقة تسبح بالفعل في عكس تيار موازين القوى الإقليمية - الدولية الحالية التي تميل بشدة لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل على حساب سوريا وإيران، أهم داعمتين لـ "حزب الله".

وباستخدام ورقة "حزب الله" المهمة في جنوب لبنان والضفة الغربية وغزة، تحرص الدولتان على تجميد استخدام هذه الورقة، وعلى بذل كل الجهود لعدم إغضاب واشنطن. كما تحرصان، خاصة في حالة سوريا، على البروز في وضعية المندفع لتحقيق السلام مع تل أبيب.

هذه الظروف المحيطة بصفقة الأسرى، شجّـعت العديد من المحللين الشرق أوسطيين على طرح السؤال: لماذا أقدم أرئيل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي على مثل هذه التنازلات الكبيرة لطرف يضعه هو وواشنطن في خانة "الإرهاب"، وفي ظل موازين قوى تميل بقوة لصالحه؟

أثمان فادحة

بالطبع، إن دوافع الكسب السياسي المحلي الإسرائيلي واضحة، خاصة في هذه المرحلة التي يتعّرض فيها شارون إلى حملات عنيفة بسبب إتهامات بالرشاوي. واستعادة الأسرى يخدم تماما هدف تلميع صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بصفته حريصا على ما أسماه هو "القيم اليهودية والأخلاقية المتعلقة بإعادة اليهود إلى وطنهم"، (معروف أن الديانة اليهودية تشترط دفن المُـنتمين إليها في أرض يهودية).

بيد أن هذه المكاسب السياسية الواضحة، لا تسقط حقيقة الأثمان الفادحة التي تم دفعها لتحقيق الصفقة، وهي أثمان استراتيجية في الدرجة الأولى.

كتب زئيف شيف، المعلّـق العسكري في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية:

- أغرب خطوة قامت بها إسرائيل في الصفقة هي استعدادها لإطلاق أسرى فلسطينيين عبر حزب الله، رغم انغماس هذا الأخير في "الإرهاب الفلسطيني" في الضفة الغربية وفي الجهود لتجنيد عرب إسرائيليين في النشاطات الإرهابية.

- أعادت المفاوضات حول الأسرى إلى الأذهان أحد أسوأ تجارب الفشل الأمني الإسرائيلي، وهو منع حزب الله من نشر منصّـات الصواريخ التي تُـهدد كل شمال إسرائيل، وربما حتى بعض مناطق جنوبها أيضا، وهذا يعني وجود تهديد استراتيجي لأقسام كبيرة من السكّـان الإسرائيليين، ولقسم مُـهم من البنى التحتية الصناعية الاسرائيلية.

- صحيح أن إسرائيل تردع حزب الله، لكن الصحيح أيضا أن منصّـات صواريخ الحزب تردع إسرائيل. وبالتالي، هذه قصة ردع مُـتبادل بين دولة ذات سيادة، وبين منظمة عسكرية يُـصنّـفها الأمريكيون بأنها إرهابية.

انتقادات إسرائيلية

لم يكن زئيف شيف طائرا يغرّد خارج سربه في انتقاد الصفقة، كل المحللين والسياسيين الإسرائيليين تقريبا، بكل أطيافهم، انتقدوا ورفضوا:

- يوئيل ماركوس: "صفقة الأسرى الناجحة" فضيحة قومية، وهي ستُـعطي حزب الله وغيره رخصة لخطف المزيد من الإسرائيليين".

- "ييديعوت أحرونوت": "يوم فرح وطني في لبنان، ويوم حزن وطني في إسرائيل".

- يوفال شتاينتيس، رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست: "الهدف من هذه العملية الرهيبة هو إرباك إسرائيل وجعل تبادل الأسرى مُـهينا بشكل مضاعف".

- إيهود ياتوم، عضو الكنيست: "الهدف إهانة إسرائيل، وهذا سببه الوهن الإسرائيلي الذي ظهر في موافقتها على إطلاق هذا الكم من الأسرى".

"حزب الله" .. واثق

كيف يمكن أن يُـترجم هذا الغضب الإسرائيلي الرافض نفسه؟ يبدو "حزب الله" واثقا من أن الدولة العبرية لن تستطيع فعل شيء، سوى مُـتابعة التفاوض معه على الوتيرة نفسها. فهي في حاجة ملحّـة لمعرفة مصير الطيار الإسرائيلي رون أراد، الذي أسِـر في جنوب لبنان عام 1986، وهذا على أي حال، ما ستتضمّـنه المرحلة الثانية من المفاوضات بين الطرفين حول الأسرى.

وفي لقاء خاص مع سويس انفو، أكد خضر نور الدين، عضو المجلس السياسي في حزب الله، هذه النقطة قائلا: "نستبعد أن يَـقدِم شارون على مغامرات عسكرية ردا على هذه الصفقة بسبب انشغاله في أمور أخرى، إضافة إلى أن المناخ الدولي لا يساعده أيضا. فالمحافظون الجدد في الادارة الأمريكية منهمكون بالانتخابات إلى درجة أن الرئيس جورج بوش لم يذكُـر الشرق الأوسط في خطابه الأخير عن حال الأمة، وبالتالي، يُعتبر إقدام شارون على عمل عسكري أو أمني ضد لبنان وسوريا، خطأ إستراتيجيا لا نعتقد أنه سيقدم عليه".

وردا على سؤال حول دور حزب الله بعد إغلاق ملف الأسرى، قال نور الدين: "أولا، ملف الأسرى لم يغلق بعد، إذ أنه ما زال في السجون الإسرائيلية، سمير القنطار، ويحيى سكاف، ونسيب نسر. ثانيا، مزارع شبعا ما زالت محتلة. ثالثا، وحتى لو تم تحرير كل الأسرى والأراضي المحتلة، فنحن كلبنانيين وكمقاومة لبنانية، نرى أنه من واجبنا أن نكون في حالة جهوزية لمواجهة أية اعتداءات إسرائيلية محتملة. تاريخ إسرائيل حافل بالمفاجآت في هذا المضمار، ونحن لا نطمئن إلى أية ضمانات في هذا الشأن، حتى وإن كانت أمريكية".

وتابع نور الدين قائلا: "حزب الله ليس غريبا عن جنوب لبنان. فأعضاؤه هم من أبناء الجنوب، ولا أحد له الحق بالتدخل في هذا الأمر، إلا الدولة اللبنانية".

المفاجآت

للوهلة الأولى، يبدو اطمئنان حزب الله في محله. فالمرحلة الآن هي مرحلة تفاوض سياسي وأمني، لا تصعيد عسكري، ليس فقط بين حزب الله وإسرائيل، بل أيضا بين هذه الأخيرة وبين سوريا وإيران.

ومعروف أنه جرت بالفعل مفاوضات غير مباشرة بين الإسرائيليين والإيرانيين حول صفقة الأسرى الأخيرة بواسطة ألمانية. كما يُـتوقع أن تصل هذه المفاوضات بين طهران وتل أبيب إلى ذروتها خلال البحث في مصير الطيار أراد، الذي ذكرت تقارير سابقة أنه قد يكون في إيران،(إذا ما كان حيا).

بيد أن الرياح لا تسير دوما كما تشتهي السفن الشرق أوسطية. فقد تشهد الأشهر الثلاثة المقبلة مفاجآت، ربما تقلب التبادل التفاوضي الراهن إلى تبادل بالنيران، وهذا يُـمكن أن يحدث، إما بسبب حاجة شارون إلى تصدير أزماته الداخلية إلى الخارج، أو بسبب حاجة القوى الإقليمية إلى جر إسرائيل وأمريكا إلى اشتباكات محدودة، بعيدة عن حدودهم أو عُـمقهم الداخلي.

لقد هدد شارون فور إتمام عملية تبادل الأسرى، بأنه سيلجأ إلى إجراءات قاسية، وقال:"إذا ما عمد أعداؤنا إلى خطف الإسرائيليين كرهائن. إن دولة إسرائيل لن تسمح لأي عدو أو منظمة إرهابية بجعل الخطف وأخذ الرهائن ممارسة عادية، هناك إجراءات لم نتّـخذها بعد، لكننا لن نتردد في اتخاذها إذا ما حدث ذلك".

لكن، وبعد ساعات قليلة من هذا التهديد، كان حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله يتعهّـد بخطف المزيد من الإسرائيليين. كما كان قادة حركة "حماس" الفلسطينية ينضمّـون إلى الركب معلنين عزمهم أيضا على خطف إسرائيليين لمبادلتهم بأكثر من 8000 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية.

محاذير اليوم التالي...

وبالطبع، إذا ما نفّـذ حزب الله وحماس تهديداتهما، سيكون شارون مُـجبرا هو أيضا على تنفيذ تهديداته. وحينها، سيتحقق انقلاب المشهد التفاوضي إلى مشهد عسكري، هذه نقطة، وثمة نقطة ثانية لا تقل أهمية..

هناك في بيروت من يقول الآن بأن شارون أراد من وراء إغلاق ملف الأسرى إسقاط آخر الأوراق التي يتحجّـج بها حزب الله لمواصلة المقاومة في جنوب لبنان، خاصة وأن المجتمع الدولي لا يعترف بورقة مزارع شبعا.

وفي بيروت أيضا هناك من ينطلق من هذه المقدمة ليصل إلى الاستنتاج بأن شارون يمّهد حاليا الأجواء السياسية والدبلوماسية والقانونية للقيام بمُـغامرة عسكرية جديدة، يكون عنوانها الرئيسي: "صواريخ حزب الله".

وهناك أيضا من يعتقد أن شارون سيقوم بهذه المغامرة تحت هذا العنوان خلال الأشهر وربما الأسابيع القليلة المقبلة، مستفيدا من وجود المحافظين الجُـدد على رأس السلطة الأمريكية.

وإذا ما أضيفت هذه الحسابات الإقليمية- الدولية إلى الحسابات المحلية المتعلقة بمسألة خطف الرهائن، قد نكتشف أن تحفّـظات عزمي بشارة كانت في محلها تماما، فالفرح اللبناني والعربي بصفقة إطلاق الأسرى كان مبررا تماما، لكن الحذر الشديد حول "اليوم التالي" الذي سيلي هذه الصفقة مبرر تماما هو الآخر.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة