تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

صفقة الأسلحة تثير المخاوف والأسئلة

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لدى استقباله نظيره الروسي فلاديمي بوتين في مطار هواري بومدين يوم 10 مارس 2006

(Keystone)

أعادت صفقة السلاح الروسية مع الجزائر منطقة المغرب العربي إلى جو يُشبه ما كان سائدا فيها خلال الحرب الباردة.

غير أن المسألة - من منظور جزائري - أبسط من ذلك بكثير، لأنها مرتبطة بظروف داخلية بحتة جعلتها المناخات الدولية أشبه ما تكون بمخطط عسكري جزائري، هدفه السيادة على المنطقة.

صرح مسؤول سابق في سلاح الجو الجزائري لسويس إنفو أن "صفقة السلاح الروسية جاءت متأخرة جدا، لأنه كان من المفترض توقيعها عام 1985 من القرن الماضي، بسبب قدم التجهيزات العسكرية الجزائرية منذ ذلك التاريخ".

وأضاف المسؤول العسكري المتقاعد "أن الذي سبب كل هذا التأخير، هو أزمة النفط لعام 1986 وما تبعها من انهيار غير مسبوق لأسعار الطاقة، أدت بالجزائر إلى حافة الإفلاس والاستدانة من الخارج بهدف تغطية الحاجيات الغذائية والابتعاد عن أي صفقات أسلحة، لأنها كانت مستحيلة التجسيد".

وفي نفس السياق، قال العقيد السابق في سلاح الجو الجزائري لسويس إنفو: "لابد أن لا ننسى الأزمة الأمنية التي عصفت بالبلاد طيلة السنوات الاثني عشر الماضية، وما تخللها من رفض فرنسي وأمريكي وبريطاني وألماني بيع الجيش الجزائري أي نوع من السلاح. وعلى هذا الأساس، لابد لنا من الحفاظ على الكرامة الوطنية والشراء من روسيا ما يلزمنا للحفاظ على الأمن الوطني".

وفي الأخير، علق المسؤول العسكري السابق على الاختيار الروسي من الناحية العسكرية البحتة قائلا: "لو فرضنا أن فرنسا أو بريطانيا أو الولايات المتحدة قد قبلت بيعنا سلاحا ما، فإننا لن نحصل منها على الجيل ما قبل الأخير كما نحصل على ذلك من روسيا، بالإضافة إلى السعر المرتفع والشروط المجحفة التي قد تمس استقلالنا الوطني".

سباق التسلح

عمليا، اشترت الجزائر من روسيا سلاحا متطورا جدا بقيمة سبعة مليارات ونصف مليار دولار أمريكي، تتضمن أربعين مقاتلة من نوع ميغ 29 آخر طراز ومقنبلات سوخوي 30 كتلك التي تملكها الهند، وستة عشر طائرة تدريب من نوع ياك 130 وثمانية أنظمة دفاع جوي آخر طراز من نوع 300 بي إم يو قادرة على إسقاط أي طائرة تابعة لحلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى أربعين دبابة تي 90 وعدد غير معروف من الأجهزة التقنية المتخصصة في القتال البري والبحري.

ويُنتظر ضمن نفس الصفقة أن تزود روسيا سلاح الجو الجزائري، بأربعين طائرة أخرى من نوع ميغ 29، تُضاف إلى الأربعين سابقة الذكر بهدف تجديد كامل العتاد الجوي الجزائري الذي أكل عليه الدهر وشرب.

لاشك أن الإعلان عن صفقة تشمل هذا الكم من الأسلحة قد أعاد منطقة المغرب العربي إلى جو سباق التسلح الذي ساد فيها منذ الستينات إلى غاية الثمانينات من القرن الماضي، غير أن السبق الجزائري لا يعدو أن يكون شيئا جاءت به الظروف الحالية داخل الجزائر، وفي المغرب العربي عموما.

أول هذه المتغيرات، الارتفاع الكبير لأسعار النفط الذي أدى إلى ارتفاع آخر في احتياطات البلاد من العملة الصعبة، جاوزت الستين مليار دولار لا تتوفر عليها لا المغرب ولا تونس المجاورتين، بالرغم من الأوضاع السياسية والأمنية المستقرة فيهما.

أما ثاني المتغيرات، فهو عدم قدرة بلدان كالمغرب وتونس أو ليبيا على عقد صفقة كهذه، بسبب الأوضاع الداخلية والمالية لهذه الدول، وضمن هذا السياق، علمت سويس إنفو أن العلاقات الجزائرية السعودية قد عرفت في الأشهر الأخيرة بعض التوتر بسبب حصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على معلومات مفادها أن السعودية بصدد تمويل صفقة سلاح مغربية، من ضمنها مقاتلات فرنسية، لمواجهة ما أسماه العاهل المغربي الملك محمد السادس، بـ "تسلح جزائري يهدد المغرب بشكل مباشر".

ثالث المتغيرات، هو الاستقرار الدبلوماسي الجزائري الذي مكّـن بوتفليقة من شراء رادارات أمريكية من نوع نورثورب غرومان والمشاركة في المناورات مع حلف شمال الأطلسي بعتاد سوفياتي، وفي المستقبل القريب بعتاد روسي، لم تستطع معه فرنسا فعل شيء، رغم وجود لوبي مؤيد لها داخل الإدارة الجزائرية.

لعبة الشطرنج تزداد تعقيدا

ضمن هذا الإطار، لا يمكن استبعاد حقيقة واحدة، وهي أن صفقة السلاح الجزائرية قد عقدت من لعبة الشطرنج، ورفعت من سقف المساعدات التي ستحتاجها تونس أو المغرب بشكل خاص، للحصول على دعم خارجي هدفه تغطية النقص في السلاح لمواجهة "خطر جزائري محتمل".

وكالعادة، أشارت مصادر جزائرية إلى دول الخليج العربي كأول مساعد مرتقب لتمويل الصفقات المغربية "المحتملة" في المستقبل لشراء طائرات أو عتاد للدفاع الجوي من فرنسا أو الولايات المتحدة وحتى من بريطانيا، لأن شركات السلاح في هذه الدول تنتمي إلى القطاع الخاص ولا يمكن التعامل معها بالشكل الذي يتعامل به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الشركات الروسية، حتى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

وما من شك في أن رجلا كبوتفليقة قضى جل حياته في المجال الدبلوماسي ويعلم علم اليقين أن تمويل شراء الطائرات من قبل دولة أجنبية سيرهن من استقلالية القرارات طيلة عشرين عاما على الأقل، وهو العمر الافتراضي لأي طائرة مقاتلة، مما يعني أنه سيكون على من يريد قبول التمويلات الخارجية، التفكير بشكل جدي قبل الإقدام على خطوة كهذه.

وبالتوازي مع هذا التقدم العسكري الذي قد يزول بالتدريج، إن أحسنت المغرب التفاوض مع شركائها لإعادة التوازن الذي تعوّدت القوى العالمية عليه في المنطقة، تعيش الجزائر واقعا سياسيا واقتصاديا مضطربا قد يجعل من صفقة السلاح مع روسيا محطة أخرى من محطات التغيير في المغرب العربي ككل.

مطلع التغيير الجزائري الداخلي أن بوتفليقة يريد سداد ما تبقى من الديون الجزائرية الخارجية التي تُقدر بستة عشر مليار دولار يمكن دفعها نقدا وبشكل سريع في "نادي باريس"، بعد أن ألغت روسيا ديونها المستحقة على الجزائر وحولتها إلى التزام بشراء أسلحة، مما يعني أن الدينار الجزائري سيكون قابلا للصرف من جهة، ومن جهة أخرى، سوف تتطور الإمكانيات الداخلية والخارجية للاستثمار، إذا ما توفرت الظروف السياسية اللازمة والملائمة.

الأمر الثاني، هو ما بدأ تأكد من أن بوتفليقة لن يخوض غمار انتخابات رئاسية عام 2009 بسبب وضعه الصحي، ورفض أحمد أويحيى ومن ورائه أصحاب القرار أي تعديل في الدستور من شأنه الترفيع في عدد الولايات الرئاسية من اثنتين إلى ثلاث كما هو معمول به في الدستور الحالي.

كـوم من الحديد ؟؟

واعتمادا على تقاليد الحكم في الجزائر، من المحتمل جدا أن يتغير الطاقم الحكومي الجزائري بعد بوتفليقة ويتبدل معه شكل السياسات الاقتصادية التي سيكون هدفها استغلال احتياطات الصرف الكبيرة المتوفرة وتحويلها إلى استثمارات.

لذلك وبالنظر إلى المعطيات المتوافرة حاليا، يمكن للجزائر أن تُصبح محط أنظار المجتمع الدولي، غير أن المُوارد المالية المتحصل عليها ترجع بالأساس إلى أسعار النفط، لا إلى مخططات إستراتيجية عبقرية أو قفزة تنموية استثنائية، مما يعني أن التخوف (الذي يروج له البعض) من الجزائر يُشبه التخوف من عملاق كرتوني.

أما التخوف من الجزائر أو غيرها بسبب تحسن الأوضاع الاقتصادية والوقوع فريسة لفوبيا عداوة الجيران، فمن شأنه وضع المغرب العربي على حافة بركان تغذي أزمة الصحراء الغربية.

وفي المحصلة لن يعدو السلاح الجزائري كونه شيئا شبيها بما اشتري في السبعينات من القرن الماضي: "كوما من الحديد لم يُقدم ولم يؤخر"، وهو رأي الجوعى في الجزائر بسبب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، فبرأي هؤلاء، "لم يشتر بوتفليقة سلاحا، بل بذّر أموال الشعب في خردة لا تسمن ولا تغني من جوع، خاصة إذا ضُرب به صديق متخوف أو أخ موسوس".

هيثم رباني - الجزائر


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×