صناعة سويسرية تحتضر

أحد عمال مصانع زاورير لمكانيات التطريز، وهي من اشهر الشركات السويسرية التي انتقلت بثقلها للانتاج في الصين Keystone

جاء الإعلان مؤخرا عن إغلاق اثنين من أهم مصانع النسيج بمثابة إشارة واضحة على احتضار واحدة من الدعائم التي رفعت الاقتصاد السويسري عاليا لفترات طويلة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 مارس 2004 - 14:56 يوليو,

وإذا كان إغلاق المصنعين قد ألقى بـ 300 عامل وأسرهم إلى البطالة، فإن مستقبل إنتاج النسيج في سويسرا أصبح يسير إلى المجهول.

لم يشهد قطاع صناعي في سويسرا تدهورا مثلما هو الحال مع النسيج، فقد تقلص إنتاجه خلال العشرين سنة الماضية إلى الخُـمُـس، ولم يتبق سوى 7 معامل للنسيج فقط على قيد الحياة، وبعد أن كان هذا القطاع يوفر 40700 موطن عمل حتى عام 1992، تراجع هذا العدد إلى 18000 فقط في موفى عام 2003.

ولا تقتصر هذه الأزمة على معامل النسيج والتطريز فقط، بل تصل أيضا إلى صناعة الملابس، التي تعاني هي الأخرى من الاحتضار، بعد أن قامت أغلب الشركات بنقل خطوط إنتاجها إلى جنوب أو شرق أوروبا، حيث العمالة الرخيصة والمدربة في نفس الوقت وتكاليف الإنتاج المنخفضة.

وكان اتحاد مصنعي النسيج قد طالب الحكومة بتقديم المزيد من التسهيلات لإنقاذ مواطن العمل من الضياع، في شكل إعفاءات ضريبية أو دعم لمواجهة نفقات الخدمات المرتفعة في سويسرا، وذلك بهدف الحفاظ على كيان هذه الصناعة في البلاد، مثلما كانت في مطلع القرن العشرين أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني، حينما اكتسب النسيج السويسري شهرة فائقة بسبب دقة تصميمه ونوعية التصنيع العالية التي قدمها للمستهلكين في الداخل والخارج.

ومن أكثر الدول التي جذبت أصحاب معامل النسيج والملابس السويسرية إليها أسبانيا والبرتغال، ثم بدت رومانيا وتشيكيا وبولندا أكثر إغراءا فتحول إليها البعض، بينما فضل آخرون الخروج بعيدا عن القارة الأوربية ليتعامل مع الهند والصين.

الهروب شرقا .. تفاديا للاندثار

وينظر خبراء النسيج في سويسرا إلى أن التصنيع في دول أوروبا الشرقية أو البلدان ذات مستوى المعيشة المنخفض هو حل مثالي في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة والأسواق المفتوحة أمام كل ما هو مستورد ورخيص، ولا يرغب العاملون في هذه التجارة ترك المجال لمصانع الخارج لتحدد الأذواق والخامات التي تحل على السوق السويسرية، لذلك يتدخلون في التصنيع بشكل أو بآخر.

ولهذا السبب تحرص نسبة غير قليلة من الشركات على الإبقاء على البصمة السويسرية على مراحل التصنيع وإن كانت أغلبها لا تتم في الداخل، فالتصاميم والابتكارات والآلات الحديثة المتطورة واختيار الخامات كلها تنطلق من سويسرا، وبعد انتهاء مراحل التصنيع في الخارج، يكون التشطيب النهائي والتغليف في سويسرا، وذلك ضمانا لمراقبة جودة التصنيع، وحفاظا على الاسم التجاري.

وإذا كانت تلك اللعبة تسير إلى الآن لفائدة أصحاب الشركات الكبرى وشبكات التوزيع المتعددة المنافذ، فهي تأتي على حساب العمال في سويسرا الذين يفقدون مصدر رزقهم فقط لأن العولمة استباحت ذلك، فإنه من غير المنطقي أن تستمر على المدى البعيد، لاسيما وأن التصنيع بكميات ضخمة بات مصدر إزعاج للكثير من الدول.

فقد بدأت الولايات المتحدة مثلا في وضع أطر قانونية لفرض رسوم جمركية مرتفعة على منتجات النسيج المصنوعة في الصين، وذلك لحماية منتجاتها الوطنية، وهو ما يضع الشركات السويسرية في مأزق لا مخرج منه إلا بالعودة تدريجيا إلى التصنيع في الداخل، على الأقل لضمان التصدير إلى سوق هامة مثل الولايات المتحدة، التي يكون لشعار "صنع في سويسرا" هناك وقع آخر.

حتى انتاج الماكينات يتحول إلى الصين!

وقد أدت التغيرات الجسيمة في هذا المضمار بأشهر الشركات السويسرية بل والعالمية لإنتاج آلات النسيج إلى الانتقال بثقلها إلى حيث يمكنها مواصلة البقاء، فقد افتتحت شركة "زاورر" مصنعا ضخما لإنتاج آلات الغزل والنسيج في الصين، للاستفادة من العمالة الرخيصة وللانتقال منها مباشرة إلى جنوب شرق القارة الأسيوية.

وتأتي هذه الخطوة بعدما رأي خبراء الشركة بأن صناعة الملابس والنسيج تزدهر في هذه المنطقة على عكس أوروبا والولايات المتحدة، وذلك فضلا عن أن الإنتاج في تلك المنطقة يحمي الشركة من مخاطر سرقة تصميم آلاتها وهو ما لا تتمكن الشركة من مواجهته بشكل فعال حاليا، أما الإنتاج على عين المكان، فيقطع الطريق أمام أية محاولة لتصنيع آلات مشابهة.

وإذا كانت "زاورر" لديها الإمكانيات للانتقال إلى الصين للإنتاج، بما يساعدها على الحفاظ على مكانتها العالمية في هذا المجال، فإن الكثير من الشركات الأخرى لا يمكنها اتخاذ مثل هذه الخطوة، فضلا على أن ذلك لا يحول دون إحالة الأيادي العاملة على البطالة.

ومن المفارقات أن إمكانية تحالف أو اندماج بعض الشركات للقيام بمثل هذه الخطوة، أي الانتقال بصناعة الماكينات إلى الخارج، غير واردة على الاطلاق، وذلك لعدة أسباب من أهمها، اختلاف استراتيجيات كل شركة في الانتاج، وصعوبة الاندماج في تلك المرحلة، التى لن تكون سوى استفادة الضعيف على حساب القوي.

المخرج في الخصوصية والابتكار

الأمل الوحيد المتبقي للإبقاء على تلك الصناعة هو الحفاظ على ما يمكن أن يكون تميزا أو تفردا سويسريا في عالم النسيج، سواء في انتاج الماكينات أو أنواع بعينها من المنسوجات مثل تلك التي يمكن أن تكون لها استخدامات خاصة أو تطبيقات معينة ليس فقط للملابس بل ربما في مجالات أخرى طبية ورياضية مثلا.

والأهم هو تقديم المزيد من الابتكارات التقنية في أساليب التصنيع، وهو ما يمكن أن يحافظ على اسم سويسرا في هذا المجال، على أمل أن تدور الدائرة لتعود تلك الصناعة مرة أخرى واحدة من دعائم الاقتصاد الوطني.

تامر أبو العينين – سويس انفو

باختصار

صدرت سويسرا عام 2000 قرابة 9000 طن من الملابس قيمتها مليار فرنك في مقابل استيراد 86 ألف طن بقيمة 5 مليارات فرنك.
الصين والهند وتركيا إلى جانب ألمانيا وايطاليا من الدول الهامة التي تستورد منها سويسرا النسيج والملابس.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة