Navigation

صيف غير عادي في تونس

الرسالة التي وجهها القاضي مختار اليحياوي إلى الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أحدثت رجة فاجأت الجميع على الساحة التونسية swissinfo.ch

تتلاحق الأحداث هذه الأيام في تونس بشكل لافت للنظر، فالسيد مختار اليحياوي القاضي التونسي الذي حمل آخر المفاجئات التي يمر بها الصيف التونسي، اكد في أول حديث له مع "سويس أنفو" أنه لم يكن يتوقع ردة الفعل التي وقعت على الاطلاق، ولم يكن يتوقع أيضا التفاعل الجماهيري معه اثر اعلان نبأ اقالته، إلا أنه يعول كثيرا على تدخل حاسم للرئيس التونسي زين العابدين بن على. ( انقر على وصلة الصوت في نهاية الموضوع للاستماع إلى الحديث كاملا.)

هذا المحتوى تم نشره يوم 17 يوليو 2001 - 21:11 يوليو,

ففي الوقت الذي تواصلت فيه ردود الفعل محليا ودوليا على إيقاف السيدة سهام بن سدرين، واتسعت رقعة التساؤل حتى داخل أوساط المنتمين للحزب الحاكم حول الجدوى السياسية من وضعها في السجن، قرر القاضي مختار اليحياوي- الوكيل الرئيس بالمحكمة الابتدائية- توجيه رسالة مفتوحة إلى رئيس الدولة بتاريخ السادس من يوليو – تموز، عبر فيها عن "سخطه ورفضه للأوضاع المريعة التي آل إليها القضاء التونسي والتي أدت إلى تجريد السلطة القضائية والقضاة من سلطاتهم الدستورية وتحول دونهم وتحمل مسؤولياتهم كمؤسسة جمهورية مستقلة" حسبما ما جاء في نص الرسالة.

وما أن راجت هذه الرسالة بين مختلف الأوساط حتى أحدثت دويا هائلا، ووضعت السلطة أمام أخطر اتهام عملت على تفنيده طيلة المرحلة الماضية، لكنه صدر هذه المرة من داخل المؤسسة القضائية ومن أحد القضاة البارزين المشهود له من قبل زملائه وعدد واسع من المحامين "برجاحة العقل والرصانة ونظافة اليد وعدم الإقتراب من مختلف الأوساط السياسية ".

تطويع القضاء

رغم ثقافته القانونية وامتهانه للمحاماة، عمل الرئيس بورقيبة شخصيا على تطويع القضاء لمصلحة الحكم وفرض إرادته الشخصية المتماهية مع إرادة الدولة. لهذا كان القضاء محل طعن وتشكيك منذ المحاكم الصورية التي انتصبت لتصفية أنصار صالح بن يوسف الذي نافس بورقيبة على الزعامة في السنوات التي سبقت وتلت استقلال تونس.

لكن تصاعدت في الأشهر الأخيرة حدة الانتقادات الموجهة لعدد من القضاة، وتكثفت بشكل غير مسبوق المطالبة باستقلالية القضاء وعدم الزج به في الخلافات السياسية، خاصة منذ انطلاق قضية الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي كادت أن تجمع مختلف الأوساط على اعتبارها "عملية غير موفقة للزج بالقضاء في قضية ذات طابع سياسي".

كما توالت بعد ذلك انتقادات المعارضين والنشطاء للمؤسسة القضائية بسبب تواتر قضايا الرأى، وتعددت انسحابات المحامين من أمام الهيئات القضائية بحجة "عدم احترام حق الدفاع وغياب شروط المحاكمة العادلة". كما اكتست المسألة بعدا شعبيا عندما وجهت اتهامت صريحة لبعض القضاة على لسان معظم الذين تحدثوا في قناة "المستقلة" الفضائية، حيث شككوا في استقلالية القضاء وتعرضوا أحيانا بالتفصيل لما اعتبروه " تطويعا للقضاة خدمة لأهداف السلطة التنفيذية ومصالحها ".

مؤشرات..وقلق رسمي

ليست هذه المرة الأولى التي يشكك فيها الخصوم السياسيون في استقلالية القضاء، لكن الجديد الذي زاد في إرباك السلطة وأثار فزعها، وأضفى على المسألة بعدا هاما هو ما وصفه البعض بوجود " تململ " داخل الأسرة القضائية.

كان المؤشر الأول على ذلك البيان غير الموقع الذي أعلن فيه مجموعة من القضاة عن رفضهم القاطع " لمحاولة السلطة الزج بالمؤسسة القضائية في صراعها مع المجتمع المدني ". وتزامنت هذه المبادرة المجهولة المصدر مع انعقاد المجلس الوطني لجمعية القضاة التونسيين، يوم الأحد الثامن من شهر يوليو- تموز الجاري. ورغم طغيان الطابع المهني على اللائحة التي أصدروها إلا أنهم طالبوا لأول مرة ب " تطوير قانونهم الأساسي طبق المعايير الدولية لاستقلال السلطة القضائية ".

وتفيد مصادر مطلعة أن المكتب الجديد للجمعية عكس منذ انتخابه روحا مطلبية غير معهودة لدى القضاة مما أثار قلق الجهات الرسمية التي تخشى عودة النفس الاستقلالي الذي سبق أن دفع بالقضاة الشبان في الثمانينات إلى شق عصا الطاعة، وهددوا يومها بشن إضراب جماعي فواجههم بورقيبة بشدة وأصدر قرارا بحل جمعيتهم.

أخيرا جاء ما لم يكن في الحسبان عندما قرر القاضي مختار اليحياوي إعلان شهادته في شكل رسالة هي الأولى من نوعها من حيث جرأتها ودقة عباراتها ونزوع صاحبها للتمرد والخروج عن مبدأ التحفظ.

جاء رد فعل الجهات الرسمية سريعا لكنه " غير مقنع " حسب اعتقاد الكثيرين، و "مثيرا لمخاوف " المجتمع المدني. فقد قررت وزارة العدل تجميد القاضي اليحياوي بعد أن شككت في مصداقيته، واعتبرت رسالته مجرد رد فعل على حكم قضائي صدر ضده ورفض الامتثال له.

وإذ يعتبر ذلك تمشيا متوقعا من قبل السلطة نتيجة الضجة التي أحدثتها مواقفه العلنية وتصريحاته لصحيفة لوموند وقناة
" المستقلة " التي تبث برامجها من لندن. لكن من جهة أخرى تحول القاضي اليحياوي إلى معطى جديد لم يعد في الإمكان القفز عليه أو إسقاطه من التحليل العام.

فالمساندة المتزايدة التي يلقاها من قبل فعاليات " المجتمع المدني"، والتعاطف الملموس الذي وجده من قبل عدد واسع من زملائه، قد يحول قضيته إلى قضية رأي عام على الصعيدين الداخلي والخارجي.

المفاجأة الثانية

في هذه الأجواء المشحونة بالترقب حصلت المفاجأة الثانية التي سبق أن توقعنا حدوثها في مراسلة سابقة، حيث قررت السلطة الشروع في تهيئة المناخ السياسي والإعلامي لتقبل ترشح الرئيس بن علي لولاية رابعة.

واختار المصممون لهذا السيناريو أن تكون البداية في شكل مقالات صحفية موجهة تعلن في الصفحات الأولى عن مطالبة
" قواعد التجمع الدستوري الديمقراطي الرئيس بن علي بتجديد ترشحه لانتخابات 2004 ". كما يتوقع أن تتعدد في الأسابيع القادمة أشكال التعبير عن هذا الطلب.

ورغم أهمية الإعلان وانعكاساته السياسية والدستورية، إلا أن الأوساط الديمقراطية لم تعقب عليه إلى حد الآن رغم أنها سارعت من قبل إلى مطالبة رئيس الدولة باحترام مقتضيات الدستور و" تجنيب البلاد العودة إلى وضعية الرئاسة مدى الحياة " كما جاء على لسان العديد من المعارضين.

وفي انتظار تداعيات هذا القرار الذي سيشكل المحور الرئيسي للحياة السياسية التونسية خلال الحقبة القادمة، يتساءل المراقبون: هل ستتخذ السلطة إجراءات سياسية تهدف إلى تنقية المناخ العام مقابل هذه الرغبة في التمسك بمقاليد الحكم ؟. هل أن ما جاء على لسان المدير العام للديوانة من أن " القانون سيكون فوق كل اعتبار " مقدمة لفتح ملف الفساد الذي لا يزال حديث المجالس ؟

وهل أن الشروع بداية من يوم الثلاثاء في حوارات سياسية تلفزيونية مباشرة هو مقدمة محتشمة لتحقيق انفتاح حقيقي على المعارضين وذوي الرأي الخالف ؟. وهل تبخرت التوقعات الخاصة بتفريغ السجون من معتقلي الرأي والمساجين السياسيين أم هي ورقة يريد النظام أن يستعملها في الوقت المناسب؟.

هذه الأسئلة وغيرها أصبحت اليوم في تونس أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، ومعالم المرحلة القادمة أصبحت أكثر وضوحا، لكن تاريخ تونس المعاصر أثبت باستمرار أن " العناصر الفجئية " كانت في أكثر من محطة العامل الأكثر تحديدا في تكييف مآلات الأوضاع السياسية التونسية.

صلاح الدين الجورشي - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.