Navigation

صُـوَر إنسانية لحرب لا إنسانية

Keystone

لا أصدق ما يحدث. لا أحد توقّـع مثل هذه الحرب الرهيبة، وعلى هذا النحو من العنف والاتّـساع. إنها تراجيديا إغريقية كاملة".

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 أغسطس 2006 - 11:00 يوليو,

علي فرحات (32 عاما)، هو أستاذ تاريخ وأب لأربعة أطفال، بالكاد نجح في حبس دموعه وهو يطلق هذه الكلمات، في سياق روايته لكيفية نزوحه من مدينة صور اللبنانية الجنوبية التاريخية.

حاول الإسكندر الأكبر (356-323 قبل المسيح) مراراً فتح مدينة صور وفشل. وهي تتعرّض منذ بدء الحرب في لبنان في 12 يوليو الماضي إلى قصف جوّي وبرّي وبحري متواصل.

كانت عائلة علي فرحات جزءاً من 200 عائلة شيعية لجأت إلى بيروت في 18 يوليو واستقرت في حديقة الصنائع العامة في وسط بيروت قبل أن تلحق بهم قبل أقام قليلة 200 عائلة أخرى فرّت من منطقة الغازية – الزهراني، القريبة من مدينة صيدا عاصمة الجنوب، بعد أن ارتكب الإسرائيليون فيها أعمال عنف جديدة ذهب ضحيتها أكثر من 100 مدني، نصفهم من الأطفال.

أكثر من مليون نازح..

المشهد في حديقة الصنائع، التي كانت قبل الحرب حديقة غناء يقصدها البيروتيون للراحة والاسترخاء، نسخة طِـبق الأصل عن آلاف المدارس والمباني العامة التي تأوي نحو مليون نازح من الجنوب والضاحية الجنوبية من بيروت: ساحة مكتظة بمآس بشرية تعتمد في وجودها وبقائها على المساعدات الخارجية، التي تأتي حيناً وتنقطع حيناً آخر وفق مزاج القوات الإسرائيلية، التي تفرض حصاراً شاملاً وكاملاً على لبنان، وتناضل لحماية أطفالها ونسائها ورجالها من الأوبئة والأمراض السارية بسبب نقص المياه والأدوية والغذاء الكافي.

الهيئة العليا للإغاثة، التي تُـشرف على توزيع المساعدات الدولية والعربية على اللبنانيين، موجودة في الصنائع وبقية المواقع، لكن عملها بطيء للغاية.

ويشتكي صالح حبال، وهو مسؤول بارز في الهيئة لسويس إنفو، من أن المؤسسة غير قادرة على تلبية حاجات السيل الذي لا يتوقف من اللاجئين. "في البداية (أي مع اندلاع الحرب)، كان عدد النازحين لا يتجاوز الـ100 ألف، الآن إنه تخطّـى حاجز المليون، والعدّ مستمر، مهمتنا تكاد تكون مستحيلة".

والآن، ومع الهجوم الشرس الجديد الذي نفّـذته الدولة العبرية يوم الاثنين 7 أغسطس في بلدات حولا والغسانية والغازية، ومع التهديدات الإسرائيلية لسكان مدينة صيدا (نحو 200 ألف نسمة) بأن الحرب ستصل إليهم، يتوقّـع أن يقفز عدد النازحين إلى أرقام فلكية أخرى.

حرب المدنيين

لم يعد ثمة مكان آمن في لبنان، بعد أن قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية نحو 150 جِـسراً في كلّ المناطق اللبنانية من الجنوب إلى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب، ودمّـرت كل شبكات الطرقات، وأغلقت منافذ لبنان البرّية في الشمال والشرق إلى سوريا ومنافذه البحرية إلى بقية أنحاء العالم، وهذا ما جعل وصول المساعدات الدولية يتم بالقطّـارة، فيما بدأ العديد من المستشفيات، خاصة في الجنوب، يغلق أبوابه لافتقادها للوقود والكهرباء.

الإسرائيليون، كما أكّـدت تقارير الأمم المتحدة والصليب الأحمر ومؤسسات الإغاثة الدولية الأخرى، يخوضون حرباً حقيقية ضد المدنيين اللبنانيين، ومعهم البِـنية التحتية للبنان بهدف دفع الحكومة والشعب إلى الاصطدام بالمقاومة، وهذا لأن تل أبيب تُـدرك بأن إلحاق هزيمة عسكرية بقوات حرب عصابات كحزب الله أمر مستحيل، وهذا على أي حال، ما صرّحت به لويز أربو، المفوضة العامة للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، حين قالت إن: "إن القتال في لبنان وإسرائيل والأراضي الفلسطينية قد ينطوي على جرائم حرب"، وهي جرائم قتلت حتى الآن أكثر من ألف مدني وجرحت عشرات الآلاف، نصفهم من الأطفال، ويُـنتظر أن ترتفع هذه الأرقام أكثر في قادم الأيام، بسبب صعوبة التوصّـل إلى حل سياسي للأزمة على الصعيدين، الإقليمي والدولي.

أكثر المناطق تضرّراً من الحرب على لبنان هو بالطبع الجنوب، الذي يُـعتبر قاعدة "حزب الله" الرئيسة. الجنوب الذي كان يُـطلَـق عليه قبل عقدين أو ثلاثة "المنطقة الأكثر حرماناُ في لبنان"، شهد خلال السنوات القليلة الماضية نهضة في مجالات البُـنى التحتية وخدمات الكهرباء والماء والمدارس والاستشفاء والعمران السكني. لكن كل ذلك سُـِوي الآن بالأرض، وعاد الجنوب أكثر حِـرماناً عمّـا كان عليه قبل 1975.

مدينة أشباح

بلدة الجية، التي تُـشرف على المدخل الأساسي للجنوب والتي تغسل شطآنها مياه بحر المتوسط الزرقاء، هي تجسيد كامل للمأساة التي يعيشها الآن كل الجنوب. قبل الحرب الحالية، كانت الجية جنة الله على الأرض: عقد جميل من المسابح الأنيقة التي ترفل بالزهور والرياحين؛ فنادق فخمة ومنتجعات سياسية بدأت تظهر تِـباعاً هذا العام؛ وحياة ليلية يحيي فيها الأستراليون والكنديون من أصل لبناني، إضافة إلى السياح العرب، أمتع الليالي والسهرات.

الآن، الجية باتت مدينة أشباح: سكانها العشرة آلاف نزحوا إلى بيروت. الأجانب سبقوهم إلى سُـفن الإخلاء التي وفّـرتها لهم حكوماتهم، وشاطئ المدينة اللازوردي تحوّل إلى شريط أسود داكن بعد أن تدفّـقت إليه كميّـات ضخمة من المازوت والوقود من محطة الجية الحراري، الذي قصفته الطائرات الإسرائيلية مرّات عدة. وكما على الأرض، كذلك في السماء التي أظلمت بدورها بفعل الحرائق والغازات المنطلقة من المحطة.

كاتب هذه السطور قطن الجية قبل سنة تقريباً إلى أن قرّر بأن الوضع البيئي والإنساني فيها بات لا يُـطاق وحزم أمره للهرب بدوره إلى بيروت. وحين أبلغ من بقي من جيران مسيحيين ومسلمين بقراره هذا، نظر إليه معظمهم بحزن، ليس بدافع التعاطف، بل على الأرجح بحفز من الخوف. "حتماً، هو يعرف أن الوضع سيسوء أكثر، لذا قرّر المغادرة.

مواقف مختلفة

"إنه صحفي"، هذا ما همَـست به جوزيفين (60 عاماً) في أذن إبنتها ريتا، لتُـضيف سريعاً: "لا تنسي أنه مسلم، برغم كل إدّعاءاته أنه علماني، لا نستطيع أن نثق بهم".

هذا الموقف المتشكك سِـمة عامة في هذا البلد المتكوّن من 18 طائفة مسيحية وإسلامية، والذي فشل طيلة 60 عاماً في بناء دولة حديثة وهوية وطنية مُـتماسكة، برغم تجربته الديمقراطية الغنية. وإذا ما طبق وقف إطلاق النار غداً بين إسرائيل وحزب الله، فلا يستبعد أن تنغمس البلاد في صِـراعات داخلية قد تصل إلى مستوى الحرب الأهلية بسبب الانقسامات حول من يملك قرار الحرب والسِّـلم.

يقول محمد غندور (45 عاماً)، وهو عامل إغاثة في إحدى مؤسسات "المستقبل" السُـنـّية التي أسسها رفيق الحريري: "حسن نصر الله (زعيم حزب الله)، يجب أن يتحمّـل مسؤولية هذه الكارثة، فهو جرّنا جميعاً إلى هذه الحرب غير المُـتكافئة بدون موافقتنا".

غندور، الذي يتعاطف مع 100 عائلة شيعية لجأت إلى إحدى مدارس الحريري في بيروت، يُـريد تجريد حزب الله من السّـلاح، وبسط سلطة الدولة اللبنانية في كل مكان، وإرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب.

لكن عباس بيضون (26 عاماً)، وهو نازح شيعي من بلدة النبطية ويقيم حالياًُ في مدرسة الحريري، حيث يرفع بتحدٍّ صورة نصر الله وعلم حزب الله، يَـرفض بشدّة تجريد الحزب من سلاحه، برغم كل المآسي التي نزلت ولا تزال بالجنوبيين. يقول: "نعم. نحن ندفع ثمناً باهظاً للغاية. لكن إسرائيل، وليس المقاومة الإسلامية، هي التي يجب أن تتحمل المسؤولية عن كل الكوارث التي حلّـت بالعالم العربي منذ عام 1848".

ليس مؤكداً البتّـة بأن موقف بيضون هذا يعبِّـر عن الموقف الشيعي العام. لكن هناك شيء مؤكد: إذا ما بدأت الطوائف الأخرى بشنّ حملات على حزب الله، فستلتفّ غالبية الشيعة حوله مهما كانت الاعتبارات، وهذه قاعدة ثابتة في دينامكية الطوائف اللبنانية وسياساتها.

في هذه الأثناء، يواصل أستاذ التاريخ علي فرحات إقامته المعذبة في حديقة الصنائع، منتظراً بفارغ الصبر العودة إلى مدينته صور التاريخية. لكنه لم يعد متأكداً كثيراً، حيث قال: "خوفي الحقيقي الآن هو أن يعمد الإسرائيليون والأميركيون إلى افتعال حرب أهلية بعد وقف إطلاق النار. إذا ما حدث ذلك، فأنا سأنتقل من هنا، لكن ليس إلى صور، بل إلى أستراليا وحتى ما بعدها"!

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.