Navigation

طي ملفات الماضي بين المغرب وموريتانيا

العاهل المغربي محمد السادس والرئيس الموريتاني العقيد أعل ولد محمد فال (القصر الملكي بمراكش - 21 نوفمبر 2005) Keystone

أكدت الزيارة التي قام بها الرئيس الموريتاني اعل ولد محمد فال إلى المغرب أن العلاقات بين البلدين قد طوت نهائيا ملفات من الماضي، كان يمكن أن تتحول إلى "قميص عثمان" للتوتر.

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 نوفمبر 2005 - 23:00 يوليو,

الزيارة حَـسمت اتجاه العلاقة الثنائية نحو التعاون وتفهم كل من البلدين الجارين لظروف الآخر.

اختار العقيد أعل ولد محمد فال، رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الحاكم في موريتانيا المغرب ليخصه بأول زيارة رسمية يقوم بها منذ الانقلاب على الرئيس معاوية ولد سيدي احمد الطايع في أغسطس الماضي.

هذا الإختيار يبدد تخوفات ظهرت ليلة الانقلاب من أن تميل نواكشوط نحو الجزائر "الشقيق-اللدود" للمغرب، خاصة في نزاع الصحراء الغربية المؤرق لكل دول المنطقة، بعد أن صمدت أكثر من عشرين عاما في موقف "الحياد-المائل"، الذي يزعج ولا يغضب، ويرضي ولا يشبع.

مخاوف الرباط لم تتبدد

في الماضي، وحتى منتصف التسعينات، كان العقل الباطني الموريتاني يتعاطى مع المغرب كجار وشقيق يحمل مطامع في الأراضي الموريتانية، والشعار التاريخي المغربي، من طنجة إلى لكويرة، يضم أراض تقول موريتانيا إنها جزءا من أراضيها، وهي اليوم تحت السيادة الموريتانية، بل يذهب البعض للحديث عن تخوفات من أطماع مغربية في موريتانيا كلها.

"موريتانيا جزء من المغرب"، كانت مقولة تُـسمع من نخبة سياسية وفكرية مغربية وبعضها كان لا يخفي نقدا لتدبير الملف الموريتاني والاعتراف عام 1969 بالجارة الجنوبية كدولة مستقلة، ويشير إلى أن تمسك الرباط بمغربية موريتانيا، كان سيؤدي بالضرورة إلى اعتبار مغربية الصحراء الغربية مسألة غير متنازع حولها.

وبعد الاعتراف والهدوء النسبي في العلاقات، فتح ملف الصحراء الغربية عام 1975، وتقاسمت نواكشوط والرباط النفوذ والإدارة في الإقليم الذي كان تحت الاستعمار الإسباني، ودفع الرئيس الموريتاني مختار ولد دادا عام 1978 حكمه ثمنا لهذا التقاسم والتحالف مع المغرب.

وبعد ست سنوات دفع الرئيس خونا ولد هيد الله، الذي انسحب من الصحراء الغربية واعترف بالجمهورية الصحراوية التي تشكلها جبهة البوليزاريو ثمن انحيازه هذا وتحالفه مع الجزائر، لتختار موريتانيا ولد الطايع منذ عام 1984، التي واصلت اعترافها بالجمهورية الصحراوية دون أن تدعمها وتسمح لها بحرية الحركة الواسعة، سياسة الحياد الذي يميل مرة نحو الجزائر ومرة نحو المغرب، بحكم الجغرافيا والعلاقات القبلية والعائلية بين الصحراويين والموريتانيين.

ليلة الإعلان عن انقلاب رجال ولد الطايع عليه، خشيت الرباط (وهي التي مالت نواكشوط كثيرا باتجاهها في السنوات الأخيرة للرئيس المخلوع، وساهمت عسكريا بالدفاع عنه ضد محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت ضده في يونيو 2003، والتي لم يعد يتردد في الحديث الرسمي والحزبي فيها تعبير "من طنجة للكويرة"، والتي قدمت الكثير من الدعم التقني في مجال الفلاحة أو الصيد البحري)، من أن تعدل نواكشوط مواقفها الإقليمية وتبتعد عنها بالاتجاه الآخر، في مرحلةٍ يمر فيها النزاع الصحراوي بمأزق جديد وتسعى أطرافه لكسب التأييد من هذه العاصمة أو تلك وتحسين وضعيتها في الأمم المتحدة (التي وإن كانت تظهر عجزها عن إيجاد تسوية سلمية للنزاع، فإن الرباط تخشى من أن تذهب باتجاه فرض حل على الجميع بالتعاون مع الأطراف الإقليمية).

وكانت تخوفات الرباط حقيقية، بعد أن ذهبت مختلف الأوساط للحديث عن دور فرنسي وجزائري في الانقلاب على ولد الطايع، واستقبال العقيد أعـل ولد محمد فال يوم الانقلاب لمحمد ياسين المنصوري، مدير المخابرات الخارجية المغربية والمقرب من الملك محمد السادس، بدد هذه التخوفات دون أن يُـزيل آثارها.

فالعلاقات مع الجزائر أو الرباط، تظل جزءا مهما من الفعل السياسي الداخلي الموريتاني، ووجود الجزائر في عملية الانقلاب - إذا ما كان صحيحا - فإن ذلك قد يعني أن موقف نواكشوط سيعرف تغييرا من النزاع الصحراوي بل قد يصبح حجر الزاوية في الدبلوماسية الجزائرية.

وئـام ووضوح

عمليا، أبان المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الموريتاني، وطوال الشهور الثلاثة الماضية، عن رزانة في التعاطي مع ملف العلاقات الإقليمية.

ففي الوقت الذي دفع باتجاه تحسين نسبي لعلاقات بلاده مع السنغال، الخصم اللدود، واصل سياسة انفتاح على العواصم المغاربية، وحافظ على التطور الإيجابي في علاقاته مع من كانت علاقاتها معه جيدة ومتطورة (تحديدا الرباط)، وخفف كثيرا من التوتر إلى درجة التعاون مع العواصم الأخرى، (تحديدا طرابلس والجزائر)، التي كانت علاقات نواكشوط معهما قد عرفت توترا ومواجهات دبلوماسية خلال السنوات الخمس الماضية.

وإذا كانت طبيعة النظام والمجتمع السياسي في موريتانيا سمحت طوال السنوات التي تلت الاستقلال بأن تكون مسرحا للتنافس على النفوذ بين دول الإقليم، فإن طبيعة علاقاتها مع المغرب والجغرافيات المتشابكة والعلاقات الإنسانية المتداخلة، تجعل الوئام في العلاقات المغربية الموريتانية شرطا ضروريا - وإن كان غير كافٍ - للاستقرار الموريتاني، وهو ما دفع الحكام الجدد في نواكشوط إلى طمأنة الرباط دون إثارة توتر مع الجزائر.

فإضافة لتخصيص القادة الجدد للبلاد الوفد المغربي بأول استقبال رسمي لمبعوث خارجي، كانت تطوان المحطة الأولى لموفد موريتاني إلى الخارج، وكان أعـل ولد محمد فال يخص المغرب بأول زيارة رسمية يقوم بها رئيسا خارج موريتانيا.

ويمكن القول أن حرارة الاستقبال والحفاوة التي خص بها العاهل المغربي الملك محمد السادس الرئيس الموريتاني، وكثافة البرنامج والشخصيات التي اجتمع معها طوال يومي الزيارة، أكدت أن البلدين يسعيان لرسم واضح ودائم لخطوط العلاقات بينهما.

تذليل العقبات والمصاعب

فإذا كان الرئيس ولد محمد فال أكد في تصريحات رسمية تأييد بلاده لتسوية نزاع الصحراء، يتفق عليه بين أطراف النزاع، فإن البيان الختامي للزيارة خلا من أية إشارة لهذا النزاع، واكتفى تأكيد العاهل المغربي والرئيس الموريتاني على "عزمهما الوطيد على تذليل العقبات والمصاعب الموضوعية التي يواجهها اتحاد المغرب العربي, باعتباره مكسبا تاريخيا، وتجمعا اندماجيا لا بديل عنه من أجل ترسيخ الاستقرار الإقليمي، وتحقيق التنمية المشتركة والتعاون المثمر بين الدول العربية والإفريقية والأورو متوسطية"، وهو ما يبعد إحراجا عن ولد محمد فال، ويطمئن الملك محمد السادس.

وعلى الصعيد الثنائي، أكد البيان الختامي على استمرار التعاون "انطلاقا من رؤية مستقبلية تكرّس المصالح المشتركة، وتعكس تطلّـعات الشعبين الشقيقين لتحقيق التقدم الاقتصادي والتنمية البشرية على المدى المنظور والبعيد"، ورفع مستوى المبادلات التجارية، وخلق شركات مختلطة للاستثمار وهيكلة المجلس المشترك لرجال الأعمال، وذلك بهدف إفساح المجال أمام مشاركة فعلية للقطاع الخاص تسهم في تعزيز التعاون والشراكة بين البلدين، واتفقا على ضرورة تعزيز الجهود الرامية إلى تأمين وتكثيف حركة انتقال الأشخاص والسلع والخدمات بين البلدين، وتعزيز التعاون بينهما في مجالات الري وزراعة الخضراوات والاستمطار الاصطناعي وفي ميدان الصيد البحري، تقرر إقامة شراكة ثنائية متكاملة في ميادين الإنتاج والتسويق والبحث، والتكوين وتبادل الخبرات، وكذلك الإنقاذ البحري.

والتزم المغرب بتقديم مساعدة تقنية فورية للجانب الموريتاني لإنجاح البرنامج الوطني الموريتاني المتعلق بتعميم توزيع الماء الصالح للشرب في الوسط الحضري، وخاصة في مدينة نواكشوط.

كان التعاون في هذه الملفات يتطور منذ عام 2000، والتأكيد عليه في البيان الختامي لزيارة الرئيس الموريتاني لمراكش، تأكيد على مواصلة نفس النهج الذي تسير عليه العلاقات بين البلدين، نهج التعاون والتفاهم.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.