تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

عباس عروة: "نقاط ضعف في طريقة إدارة سويسرا للأزمة مع ليبيا"

وزيرة الخارجية السويسرية ميشلين كالمي ري، المسئولة السويسرية التي تحملت عبء إدارة ملف الخلاف مع ليبيا

وزيرة الخارجية السويسرية ميشلين كالمي ري، المسئولة السويسرية التي تحملت عبء إدارة ملف الخلاف مع ليبيا

(Reuters)

يرى عباس عروة، المحلل العربي ومدير مؤسسة قرطبة في جنيف، أن طريقة إدارة سويسرا للأزمة القائمة مع ليبيا كشفت عن الكثير من نقاط الضعف في الأداء والمقاربة المنهجية.

وعلى إثر نشره لعدد من المقالات في بعض وسائل الإعلام السويسرية، شرح السيد عباس في حوار خاص مع swissinfo.ch أن أول هذه النقاط يتمثل في "الضعف في امتلاك مفاتيح فهم وإدراك عقلية مجتمعات مثل المجتمعات العربية والإسلامية وبالتحديد المجتمع الليبي"، وآخرها في "عدم إشراك الشعب في تحديد أساليب الرد".

والملاحظ أن بعض الأصوات العربية والمسلمة السويسرية (أو المقيمة في سويسرا) بدأت تتجرأ في الآونة الأخيرة على إبداء رأيها في سير الأزمة المستمرة في العلاقات بين برن وطرابلس منذ حوالي 20 شهرا بسبب اعتقال هانيبال، نجل الزعيم الليبي معمر القذافي في منتصف يوليو 2008 من طرف شرطة جنيف. ومن بين هذه الأصوات السيد عباس عروة، مدير مؤسسة قرطبة (غير نفعية، مقرها جنيف) الذي نشر عدة مقالات حلل فيها أداء الحكومة السويسرية في هذه الأزمة.

قبل الخوض في الطريقة التي اعتمدتها الدبلوماسية السويسرية في تعاملها مع طرابلس، استعرض السيد عباس عروة في حديث خاص مع swissinfo.ch الطرق المتوفرة أمام كل دولة من أجل الحفاظ على مصالحها. وهي تتمثل "إما في امتلاك "مفاتيح" تسمح بفهم وتحليل أوضاع البلد الطرف في الأزمة من حيث البعد الثقافي والعادات والتقاليد (وهذا ما اعتمد عليه علماء الأنتروبولوجيا أثناء فترة الغزو الإستعماري) أو الإعتماد على استخدام القوة وهو المنطق الذي تستخدمه الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع العالم العربي، أولا بالتهديد والابتزاز تم تنتهي إلى استخدام صواريخ توماهوك".

الدفاع عن المصالح بالوكالة

أما بالنسبة لدول مثل سويسرا، أي الدول الصغيرة او التي ليس لها ماض استعماري وبالتالي ليست لها تلك الخبرة العميقة لمعرفة الآخر، أو التي ليست لديها القوة العسكرية الكافية، فإن السيد عروة يرى أن عليها الاختيار بين إحدى الوسائل التالية "إما اللجوء الى الدفاع عن مصالحها بالوكالة، أي أن تطلب من دول لها نفوذ أن تحمي مصالحها، أو أن تعتمد على تدخل سلطة غير رسمية إما أخلاقية او ثقافية، أو أن تلتجئ إلى تقديم التنازلات الدبلوماسية بكل ما تحتوي عليه تلك العملية من تضارب وتناقض وحتى على ما يمكن وصفه بالنفاق الأخلاقي".

في المقابل، يفضل السيد عروة - سواء بالنسبة للدول الصغيرة أو حتى بالنسبة للدول الكبيرة - اللجوء إلى "استعمال القنوات غير الرسمية في حل مثل هذه الأزمات". وهو يعتبر أن سويسرا تملك رصيدا لا يستهان به من هذه القنوات أولا "لأن ماضيها ليس ماضيا استعماريا، ولها دور رائد في تطوير وحماية القانون الإنساني الدولي وفي مجال حقوق الإنسان، ولها سمعة جيدة في الخارج بالنسبة للخدمات التي تقدمها".

لكن مدير مؤسسة قرطبة يرى أن جميع هذه الإمكانيات تفقد فعاليتها "عندما تشرع السلطة السياسية الرسمية في اتخاذ مواقف متضاربة وتقديم تصريحات متناقضة أو تعكس عدم انسجام بين المبادئ المعلنة والمواقف المتخذة".

نقاط الضعف في الموقف السويسري

ولدى تطبيق هذه المعايير على طريقة تعامل سويسرا مع الأزمة الليبية، يرى السيد عباس عروة أن "الموقف السويسري أظهر العديد من نقاط الضعف، أولها: الضعف في امتلاك مفاتيح فهم وإدراك عقلية مجتمعات مثل المجتمعات العربية والإسلامية وبالتحديد المجتمع الليبي".

وهذه نقطة "يمكن تفهمها نظرا لكون سويسرا ليس لها ماض استعماري ولم تحتك مع هذه المجتمعات. ولكن هذا النقص يمكن تفاديه بالإستعانة بمراكز البحث" المتخصصة، مثلما يقول عباس عروة. وفي هذا السياق، ينصح المحلل العربي الجزائري الأصل دفعات الدبلوماسيين السويسريين الذين يتخرجون سنويا بالتعرف على حوالي 30 أو 40 مثلا شعبيا عربيا، لأن ذلك يساعد بشكل أفضل على فهم العقلية العربية والمجتمعات العربية خصوصا وأن "ثقافتنا في العالم العربي هي ثقافة شفوية وأن القيم والمعايير تمر عبر السرد الشفوي". وقدم عباس عروة مثلا استعان به أحد المسئولين الليبيين لشرح الموقف مفاده "حرق اللباس بسبب بقة" أو المثل الجزائري القائل "النيف ولو بالخسارة" على حد قوله.

من جهة ثانية، يضيف السيد عروة: "أظهر تعامل سويسرا مع الأزمة الليبية بأن هناك تفتتا لهذه السلطة غير الرسمية المعنوية أو الاعتبارية. وثالثا كشف التصرف السويسري عدم القدرة على تجنيد حلفاء ذوي مصداقية للتدخل. وأظهر كذلك نقصا في الشفافية في التعامل خاصة عدم إشراك المجتمع ككل في قضية خطيرة مثل هذه. وأخيرا أعطى انطباعا للرأي العام بأن السياسة الخارجية السويسرية تحددها في نهاية الأمر المصالح الاقتصادية".

تضخيم المصلحة الإقتصادية على حساب سمعة البلد

وفي معرض تحليله لتصرف الطرفين (الليبي والسويسري) في إدارة هذه الأزمة المستمرة منذ حوالي 20 شهرا، يعتقد عباس عروة، مدير مؤسسة قرطبة أن "الجانب الليبي أحسن استغلال نقاط الضعف السويسرية".

ويرى أن ذلك تجلى بصورة أحسن في نتائج الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس السويسري هانس رودولف ميرتس لليبيا، في20 أغسطس 2009 وهذا بدون إعلام زملائه في الحكومة الفدرالية بتفاصيل الإقتراح الذي كان يعتزم عرضه على الجانب الليبي، ولا حتى بصيغة الإعتذار الذي سيتقدم به.

ويقول المحلل العربي "إن كون رجل سياسي سويسري عاد من زيارته المفاجئة إلى ليبيا، وصرح بمجرد عودته، وبدون انتظار انفراج الأزمة، بأن الزيارة (كانت ناجحة ونتمنى أن تعود المبادلات التجارية الى وضعها الطبيعي)، هذا التصريح رأى فيه الجانب الليبي نقطة ضعف بالطبع، وأصبح يستغلها لتصعيد اللهجة إلى أن وصل الى حد المطالبة بتقسيم سويسرا أو لإعلان الجهاد ضد سويسرا وما إلى ذلك ..."

وحتى هذه النقطة نقطة المصالح الاقتصادية لا يرى فيها المحلل العربي عباس عروة نقطة تستحق كل هذه التضحية إذا ما أخذناها من منظور المصلحة العامة. إذ يقول "حتى هذه المصلحة الاقتصادية التي أصبحت تغطي على كل النقاشات (في هذه الأزمة الليبية السويسرية، لو قمنا بتحليلها بدقة من منظور المردود العام، ونجسدها من خلال الأرقام فيما يطلق عليه دور المبادلات مع ليبيا في الأمن الاقتصادي السويسري (المبادلات التجارية، والأموال المودعة في البنوك السويسرية) لوجدنا أن هذا المردود لا يتجاوز 200 مليون فرنك، وهو ما يعني حوالي 26 فرنك في السنة لكل مواطن، ما يمثل 0،04% من الناتج القومي العام).

لكن إذا كان المردود العام لمبادلات سويسرا مع ليبيا يقدر بحوالي 200 مليون فرنك، فإن الفائدة التي يجنيها القطاع الخاص أكبر بكثير، وهو ما يقول عنه عباس عروة "مقابل الفائدة العامة المقدرة بـ 200 مليون فرنك هناك تقديرات بحوالي 700 مليون فرنك من الفائدة التي تجنيها نخبة صغيرة من الساهرين على المبادلات التجارية مع ليبيا والبنوك السويسرية".

وهذا يقود عباس عروة الى استنتاج أن "هذا هو الذي يفسر الانطباع العام السائد في سويسرا من أن السياسة الخارجية السويسرية تحددها بعض الأوساط التي لها مصالح، وأن هذه الأوساط من شركات وبنوك وما إلى ذلك هي التي تُملي تصرفات السفير السويسري في طرابلس".

"كان من المفروض إشراك الشعب"

من الأخطاء الكبرى التي ارتكبت في إدارة هذه الأزمة مع ليبيا (رغم توقع تحولها الى أزمة كبرى منذ البداية)، بنظر المحلل العربي عباس عروة، هو "عدم إشراك الشعب في إدارتها، من خلال عمليات سبر آراء أو مبادرات شعبية وما إلى ذلك".

ولا يتردد عروة في اللجوء إلى إجراء مقارنة حيث أشار الى أنه "لو استشاروا الشعب السويسري في مبادرة شعبية حول كيفية حل الأزمة الليبية لكان أفضل بالنسبة لهم من استشارته في قضية المآذن، لأن ذلك كان بإمكانه منح السياسيين تغطية تسمح لهم باتخاذ مبادرات قد لا يقوُون على اتخاذها بدون دعم شعبي"، حسب رأيه.

محمد شريف - swissinfo.ch - جنيف

عباس عروة

مدير مؤسسة قرطبة (مقرها جنيف) وأمين عام مجلس المؤسسة وهي غير نفعية وتعنى بالسلم في العالم وبحوار الحضارات والثقافات.

متخرج في علم الفيزياء الطبية ويدير شبكة "أهيد ، عروة للصحة والتربية"، التي تجمع خبراء متخصصين في قطاع الفيزياء والصحة والبيئة.

عضو في مجس إدارة "معهد الهقار" للدراسات (مقره جنيف).

نهاية الإطار التوضيحي

التصويت لحظر المآذن "محفز لتحرك المسلمين في سويسرا"

في حديثه عن الأزمة الليبية السويسرية لم يتردد مدير مؤسسة قرطبة في جنيف عباس عروة في الإشارة الى مبادرة حظر بناء المآذن في سويسرا معتبرا أن "الخطأ الأكبر في طريقة إدارة سويسرا لهذه الأزمة أنها لم تستشر الشعب السويسري وكان اولى بها أن تستشيره في كيفية إدارة هذه الأزمة أحسن من استشارته في مبادرة حظر بناء المآذن".

هذا سمح بإثارة هذا الموضوع مع المحلل العربي لمعرفة نظرته لموقف الجالية المسلمة من محاولة استغلال وضع الجالية المسلمة في سويسرا سواء من قبل أصحاب مبادرة حظر بناء المآذن او من قبل الزعيم الليبي في خلافه مع سويسرا والذي دعا الى الجهاد في إشارة الى نتائج التصويت الشعبي على حظر بناء المآذن .

يرى عباس عروة أن "أصحاب مبادرة حظر بناء المآذن استغلوا الخلط بين الإسلام وبين العرب وبين الأنظمة العربية والقذافي، وهذا أمر غير أخلاقي بالنسبة لحركات سياسية ". كما يرى من ناحية أخرى أن "القذافي استغل مسألة المآذن ايضا" في خلافه مع سويسرا.

لكن مدير مؤسسة قرطبة ثمن "موقف المسلمين سواء في سويسرا أو في خارجها الذين عبروا عن أن فتاوى الجهاد لا تأتي من شخص مثل القذافي، أوضاع حقوق الإنسان لديه معروفة من الداني والقاصي".

وعلى الرغم من اعتقاده بأن مبادرة حظر بناء المآذن في سويسرا "لها تأثيرات سلبية"، إلا أنه يعتبر بالنظر الى العديد من المبادرات الجارية سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي لتطويق تداعيات هذا التصويت أنه "يجب أن ننظر لها أنها عامل تحفيز لكي يصبح الحضور الإسلامي أكثر فاعلية على المستوى السياسي والثقافي والنقابي".

وبعد التعبير عن رفضه لاستخدام عبارة "الجالية المسلمة" وتفضيل تعويضها بعبارة "المسلمين السويسريين"، أكد مدير مؤسسة قرطبة على أنه "يجب تدارك هذا النقص على الفور لأنه كان من بين الأسباب التي أدت الى النتائج غير المتوقعة للتصويت على مبادرة حظر بناء المآذن".

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×