Navigation

عزل المتطرفين عن المعتدلين

l¨مدينة غرداية التي تحول اليها الرئيس الجزائري تبعد 700 كيلومتر عن العاصمة الجزائرية Keystone

التشدد الذي طبع تعامل قوات الأمن الجزائرية مع محاولة تنظيم أطراف معارضة من منطقة القبائل تنظيم مظاهرة جديدة يوم الخميس في العاصمة تزامن مع لجوء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى استعمال لهجة جديدة مع البربر المقيمين في الصحراء جنوب البلاد

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 يونيو 2001 - 18:12 يوليو,

للمرة الأولى منذ بدء الأحداث في بلاد القبائل، يتمكن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بشكل جدي من عزل المتطرفين عن المعتدلين في الحركة البربرية، عبر زيارات منظمة للولايات الجنوبية من الجزائر، تمزج بين تدشين مؤسسات اجتماعية
واقتصادية، وامتداح التعايش القائم بين البربر والعرب في الصحراء الجزائرية، وأقوى رسالة للرئيس الجزائري جاءت من ولاية غرداية التي تبعد ست مائة كيلومتر عن العاصمة الجزائرية.

تضم ولاية غرداية مزيجا متآلفا فريدا من نوعه في الجزائر، إذ يقطن بها مواطنون من أصول بربرية، يتحدثون البربرية كوسيلة تخاطب ونقل للتراث، إلا أنهم يتبعون المذهب الاباضي، فقها
واعتقادا، ويشكلون قرابة نصف إجمالي سكان ولاية غرداية،
ويعيشون إلى جانب جيرانهم ذوي الأصول العربية المحافظين على تقليد المذهب المالكي.

وفي هذه المدينة بالذات دشن الرئيس الجزائري أسلوبا جديدا للتعامل مع الأزمة التي دامت قرابة شهرين في بلاد القبائل. فللمرة الأولى تُشارك الصحافة الدولية والمراسلون الأجانب في تغطية زيارة رسمية للرئيس بوتفليقة، وللتوّ فُهمت رسالة الرئاسة الجزائرية التي تميزت بقبضة حديدية مغطاة بالحرير، تجاه ما اشتُمّت منه رائحة تهديد الوحدة الوطنية للبلاد، وخصوصا بعد أن أصر الكثير من المتظاهرين في بلاد القبائل على المطالبة بانسحاب قوات الدرك من مناطقهم بعد اتهامها بقتل حوالي ثمانين شابا ومراهقا .

وقال بوتفليقة في مدينة غرداية إنه يريد تقريب وجهات نظر من يوصفون بأنهم على طرفي نقيض في المجتمع الجزائري، في إشارة إلى مؤيدي التوجهات العلمانية أو الإسلامية، وكلاهما يملك بشكل أو بآخر تواجدا قويا في الساحة السياسية، أو علاقة ما مع أصحاب القرار الحقيقيين في الجزائر.

سياسة تفكيك العقد

وفاجأ هذا الأسلوب الكثير من المراقبين، لأنه دق بأسلوب دبلوماسي- يتقنه وزير الخارجية الأسبق في عهد هواري بومدين- إسفين فرقة موجعة بين ممثلي التيارات البربرية، من دون نفي حقيقة أن اللغة الأمازيغية إلى جانب اللغة العربية والإسلام هي من مقومات الشخصية الجزائرية .

واتضح أن تفكيك عقدة معضلة أحداث بلاد القبائل، يمر حسب ما فهم من توجهات الرئيس الجزائري، عبر تفكيك الاتجاه المتشدد في الحركة البربرية عن نقضيه المعتدل، لا لأن الطرف المتشدد قد يهدد الأمن فحسب، بل لأن العنف استُغل لطلب أمر يستحيل تحقيقه، ويلقي بظلال من الشك على توجهات بعض الأمازيغيين البربر، مثل الدعوة التي أطلقها فرحات مهنّي زعيم الحركة الثقافية البربرية (التنسيقية الوطنية)، إلى منح حكم ذاتي أوسع للقبائل في مناطقهم، وهو ما لم يتجرأ على المطالبة به أي سياسي جزائري منذ استقلال البلاد عام اثنين وستين.

و اجتمع بوتفليقة في مدينة غرداية مع وجهاء وأعيان البربر الأباضيين ، الذين ساندوا توجهه في التعامل مع الأحداث في بلاد القبائل، وفي نفس الوقت صرح مصدر أباضي المذهب في ولاية غرداية لسويس إنفو بأنه لا يرى مانعا من تعميم تدريس اللغة البربرية في الجزائر، شريطة أن لا يرتبط ذلك بمطالب سياسية أو انفصالية.

على صعيد آخر، وللمرة الأولى منذ بدء الأحداث في بلاد القبائل منذ حوالي شهرين، منعت وزارة الداخلية الجزائرية مسيرة كان حزب الدكتور سعيد سعدي المنسحب مؤخرا من الحكومة، إلى جانب تيارات سياسية أخرى يريدون تنظيمها في العاصمة الجزائرية.

وربط المراقبون بين قرار منع المظاهرة وزيارة بوتفليقة لولاية غرداية، على اعتبار أن هذا التمشي قد يدخل في إطار حل العقدة شيئا فشيئا، مع أن الاتفاق حاصل على أن موقف الداعين إلى اعتماد اللغة الأمازيغية إلى جانب اللغة العربية قد تحسن كثيرا،
وأن قناعة الجزائريين بإمكانية تحقيق ذلك قد زادت بشكل واضح.

بوتفليقة عازم على الاستمرار في موقعه

لكن بوتفليقة وجّه عبر زيارته لولاية غرداية وولايات جنوبية أخرى في الأيام القادمة، رسالة أخرى تتلخص في أنه لن ينسحب من السلطة كما أشيع في الأيام الماضية، وأنه يريد تطبيق برنامجه للإنعاش والإصلاح الاقتصادي، و لو أزعج هذا من تعودوا على الربح السهل عبر استغلال موارد الدولة، وأنه لن يتساهل مع شيء اسمه "دعوة انفصالية"، أو مع أي تهديد لاستقرار الجزائر.

يبقى أن تطبيق الإصلاح الاقتصادي يتطلب جهدا وجدية، تقضي في أسرع وقت على ظواهر الغضب وفقدان الأمل لدى الشباب الجزائري، الذي أثبت أنه سريع الغضب والتأثر، وأن ذلك قد يؤدي إلى اندلاع تحركات غير متوازنة، تماما كما حدث في بلاد القبائل من غضب شبابي، وحرق للممتلكات، ثم مطالبة بإخراج قوات الدرك، ثم دعوة لحكم ذاتي أوسع ، كأن هنالك في الجزائر من يرضى بحرب لا تبقي ولا تذر.


هيثم رباني- موفد سويس إنفو إلى غرداية في الجنوب الجزائري.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.