تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

عود على بدء ..

مرة أخرى تثير عودة الفتيات والنساء التونسيات إلى ارتداء الحجاب الجدل والاهتمام في عدد من الاوساط التونسية

(Keystone)

تعددت في تونس التظاهرات المتعلقة بالنساء، وذلك بمناسبة الثامن من شهر مارس ذكرى اليوم العالمي لحصولهن على حقهن في التصويت في عام 1911، لكن عودة ظاهرة ارتداء الفتيات والسيدات للحجاب في الآونة الأخيرة بعد أن تراجعت في التسعينات أثارت اهتمام المتابعين ...

وإذا كان الاتحاد الوطني للمرأة التونسية (تابع للحزب الحاكم) بكل مؤسساته قد وضع برنامجا متعدد الصيغ والنشاطات، نظرا للدعم المالي والسياسي الضخم الذي يتلقاه من مختلف أجهزة الدولة، فإن جمعية النساء الديمقراطيات قد اكتفت بنشاطين، حيث تضامنت شاباتها مع المرأة الفلسطينية المناضلة، ونظمت ندوة لا تخفى دلالتها الرمزية تحت عنوان "أي دستور للنساء".

أما الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، فقد بادرت لأول مرة في تاريخها بدعوة منخرطاتها اللاتي ناقشن يوم الأحد الثالث من مارس - آذار الأسباب الكامنة وراء ضعف الحضور النسائي في الوسط الرابطي وداخل النشاط الجمعوي بشكل عام.

في هذه الأجواء، يلاحظ أن حاملات الحجاب بدأن يظهرن مجددا بطريقة عفوية، خاصة داخل المعاهد الثانوية والجامعات التونسية، إضافة إلى الفضاءات العمومية. هذه الظاهرة التي اختفت طيلة التسعينات بسبب الحملة الأمنية المنظمة والشاملة التي ساهمت فيها مختلف المؤسسات الرسمية "بحجة تجفيف منابع حركات الإسلام السياسي"، أخذت تعود تدريجيا منذ أشهر بشكل هادئ وحذر، دون أن تكتسب نفس الثقل الذي كانت تمتع به من قبل.

وإذ سبق للسلطة أن فسرت منذ الثمانينات انتشار هذا النمط من اللباس بكونه "شعارا سياسيا مناهضا للحكم والحداثة"، وأطلقت عليه صفة "الزي الطائفي"، نظرا لحرص حاملاته على التميز عن بقية التونسيات، وبالتالي تم الربط بين ظهوره وبين نشوء حركة النهضة المحظورة، فإن لجوء عدد من الطالبات والسيدات إلى ارتدائه من جديد في ظل غياب أي تنظيم سياسي يحمل توجهات إسلامية، أمر يفرض التساؤل حول الدوافع التي تقف وراء هذه الظاهرة التي لم تتمكن السياسة الأمنية من القضاء عليها نهائيا.

فهل هي مقدمة لعودة الإسلاميين إلى المشهد السياسي والاجتماعي التونسي؟ أم أن للحالة جذورا ودلالات أكبر وأعمق من ذلك بكثير؟

الحفاظ على الزي رغم المضايقات

يلاحظ في البداية أن عددا هاما من نساء المساجين السابقين الذين حوكموا من أجل انتمائهم لحركة النهضة، قد حافظن على زيهن رغم المضايقات الشديدة التي تعرضن لها، لكن من الواضح أيضا أن أي محاولة أمنية للربط مرة أخرى بين المتحجبات الجدد وحركة النهضة ستكون مفتعلة وغير مقنعة للرأي العام.

فغالبيتهن ليس لهن تاريخ سياسي، وكثير منهن لا يعرفن راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة وربما لم يسمعن أصلا بحركته وأنصاره. كما أن بعضهن يحرصن على إثبات استقلالية اختيارهن عن كل توظيف سياسي ضيق، ويرفضن أن يقع توظيفهن في اي معركة حزبية أو سياسية لا يعرفن خيوطها وخلفياتها.

من جانب آخر، تفيد بعض المصادر المحايدة أن الحديث مع عدد من التلميذات المتحجبات قد كشف عن ضعف شديد في تحليل القضايا وعن سطحية معرفية حتى في المجال الديني، وهو ما يؤكد عدم انتماء الكثيرات منهن إلى وسط عائلي مسيس.

وتفيد هذه المصادر ذات الصلة بالأسرة التربوية، أن الظاهرة قد بدأت تبرز أكثر في بعض المناطق والأحياء الشعبية التي تعاني من تدهور كبير في مستوى القدرة الشرائية للسكان، وهو ما أضفى على الظاهرة أبعادا اجتماعية ملحوظة، وجعل النقاش والتواصل بين المتحجبات الجدد ومحيطهن المدرسي، يكاد يكون مقطوعا نهائيا.

وإذا كانت هذه الظاهرة قد تميزت في أواسط السبعينات بالحركية والتفاعل مع المحيط وإثارة الجدل المستمر، فإنها تتسم هذه المرة لدى البعض بنوع من الانكماش والصمت المحير.

تساؤلات حول العوامل والاسباب

لا شك في أن أكثر من جهة – وفي مقدمتها الأوساط الرسمية - تتساءل عن العوامل المغذية لهذه العودة الفجائية، وهو أمر يحتاج إلى البحث عن بعض العناصر المساعدة على فهم ما يجري في باطن المجتمع التونسي من تحولات لا تستطيع أن تلتقطها وتفهمها فهما عميقا، النظرة الأمنية أو القراءة الأيديولوجية المغلقة.

فعديد الشهادات تكشف التأثير القوي للقنوات الفضائية العربية وقدرتها على اختراق الحواجز الشكلية وصياغة رأي عام مغاير لما تعمل من أجله الأجهزة الرسمية المحلية.

والواضح أن عددا واسعا ومتزايدا من الرجال والنساء في تونس أصبحوا في قطيعة كلية مع وسائل الإعلام والتوجيه المحلية، واتخذوا في المقابل مصادر أخرى للمعلومات والتثقيف مثل قنوات "إقرأ" و"الجزيرة" والقناة المصرية والشارقة والمنار.

ونظرا لتراجع الثقافة الدينية على الصعيد المحلي حيث بلغ تسييس خطب المساجد ومواعظ التلفزيون والإذاعة درجة غير مسبوقة أزعجت حتى العلمانيين أنفسهم، فقد توجهت الآذان والأنظار إلى شخصيات مرجعية جديدة مثل الفقيه المعروف "السيد أحمد شحاتة" والداعية المصري الشهير "عمرو خالد"، الذي أصبح له جمهور نسائي واسع في تونس يتابع حصصه بشغف شديد مثلما تتابع المسلسلات المكسيكية تماما.

وهو جمهور في ازدياد مطرد، لم تستطع المواعظ الدينية المؤدلجة التي أدرجتها قناة الزيتونة الفضائية (التي تبث برامجها من لندن مرتين في الأسبوع) ضمن برامجها على استقطابه وتغيير أولوياته.

هنا يصاغ الرأي العام بعيدا عن آلية الرقابة، ومن خارج دائرة سيطرة السلطة الأمنية والسياسية والثقافية.

اللافت للنظر أن معظم المتحجبات الجدد لم تتعرضن إلى مضايقات مباشرة، لكن بعضهن لم تتمعن بهذا القدر من التسامح. فأستاذة التقنية "سعيدة عداتي" المدرسة بمدرسة "البروج" وجدت نفسها محالة على مجلس التأديب بسبب تمسكها بلبس الحجاب، وهي الآن موقوفة عن العمل في انتظار إعادة النظر في قضيتها يوم 12 مارس الجاري، وقد تخسر وظيفتها نهائيا إذا رفضت الخضوع للمنشور 108 الذي يعتبر بمثابة السيف المسلط على المتحجبات منذ مرحلة الثمانينات.

كذلك الشأن بالنسبة لعدد من التلميذات المهددات بالطرد من المعاهد خلال الايام أو الأسابيع القادمة، وهذه من القضايا التي تتابعها رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان والمجلس الوطني للحريات، نظرا للطابع التعسفي لهذا المنشور، ومناقضته لأبسط الحقوق الأساسية.

معركة الحجاب من جديد؟

أما موقف جمعية النساء الديمقراطيات، المعنية مباشرة بقضايا المرأة في تونس، فهو كما أوضحت رئيستها الدكتورة هالة بن شعبان لسويس إنفو، لم يتغير عما كان عليه منذ أن طرح هذا الإشكال على مناضلات الجمعية.

ويتلخص هذا الموقف في ثلاث نقاط، أولها وقوف الجمعية مع حق المرأة في اختيار اللباس الذي تراه، وثانيا معارضة هذا الزي باعتباره "غريبا عن التقاليد التونسية" ودخل إلى البلاد مع تداعيات الثورة الإيرانية، و ترى فيه النساء الديمقراطيات تعبيرا عن "نظرة دونية للمرأة وجسدها"، وثالثا يعتقدن بكونه علامة حزبية لحركة سياسية معادية لتحرر المرأة ولمبدأ المساواة بين الجنسين.

غياب حملة واسعة النطاق مثلما كان الشأن في مطلع التسعينات قد يؤشر عن وجود رغبة لدى السلطة في عدم إثارة هذا الموضوع الحساس من جديد، خاصة وأنه قد أثار ولا يزال، ردود فعل حادة لدى العلماء والفقهاء في المشرق العربي والعالم الإسلامي، مما أساء إلى صورة النظام التونسي، وقدمه على أساس "كونه معاد للدين والتدين".

وإذ تبقى المحاولات التعسفية محصورة في مبادرات شخصية لعدد من مديري المدارس الذين يزعمون بدوافع سياسية أنهم يطبقون منشورا إداريا ما يزال ساري المفعول، غير أن الإجراءات التأديبية التي يتخذونها من حين لآخر قد تفسر بأن البلاد مقدمة على خوض معركة الحجاب مرة أخرى، رغم غياب الإسلاميين عن الساحة منذ سنوات طويلة.

صلاح الدين الجورشي - تونس

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×