تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

عين على الحكومات وأخرى على المجتمع المدني

لا تخلو الشراكة الأورو متوسطية من تعقيدات، رغم الود المتبادل بين أطرافها

(Keystone)

مرت ثمانية أعوام على إبرام اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي عام 1995 والتي دخلت حيّـز التنفيذ بعد 3 سنوات من ذلك التاريخ.

وكانت تلك أول اتفاقية شراكة تعقدها أوروبا مع إحدى دول جنوب المتوسط في إطار ما يُـعرف بالشراكة الأورو متوسطية

رغم أن محاولات التعاون الإقليمي السابقة بين الضفتين الشمالية والجنوبية للبحر المتوسط قد تعثّـرت أو فشِـلت، وفي مقدّمتها مسار برشلونة، إلا أن هذا النوع من التعاون الاقتصادي والسياسي الذي حدّدته أوروبا بمفردها قد صمد وتغلّـب على كل الأزمات التي مر بها.

ويعود ذلك بدرجة أساسية إلى تمسّـك "أوروبا القديمة"، كما سمّـاها وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد، بربط دول منطقة المتوسط بالقاطرة الأوروبية، خاصة بعد أن كشفت الولايات المتحدة عن رفضها التقسيم الجيو سياسي لمرحلة ما قبل الحرب الباردة وأثناءها.

فأوروبا تنوي من خلال إقامة منطقة للتبادل الحر بحلول عام 2010 مع دول الحوض الجنوبي للمتوسط إدماج اقتصاديات 27 دولة متوسطية يبلغ عدد سكانها 600 مليون نسمة، في الاقتصاد الأوروبي.

ويقول الدكتور عبد الفتاح عموص، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة صفاقس، إن هذه البلدان مجتمعة تُـمثّـل من الناحية الاقتصادية حوالي 45% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ونحو 8،5% من مجموع سكان الأرض، وتتحكم في مياه البحر المتوسط شرقا وغربا.

وفي مقابل هذا الهدف الاستراتيجي الأوروبي، لا تملك الحكومات العربية الواقعة في جنوب المتوسط اختيارات متعددة بسبب عدم جديتها في حماية وتطوير منظماتها الإقليمية. لهذا، فإنها تعمل جاهدة على مزيد تحسين شروط هذه الشراكة، إضافة إلى خوفها المتزايد في الأشهر الأخيرة من أن تنفرد بها الولايات المتحدة، خاصة بعد أن بسطت واشنطن هيمنتها المطلقة على العراق.

فمعظم المسؤولين في دول المغرب العربي يعتقدون بضرورة وضع العلاقة مع الجار الأوروبي في أعلى سلم الأولويات. فأوروبا تظل الشريك الفعلي الأول على جميع الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما أكّـده السيد يوسف المقدم، كاتب الدولة السابق المكلف بالشؤون المغاربية والإفريقية بوزارة الخارجية التونسية.

بين الممكن والمتاح

وفي هذا الإطار، يتنزل انعقاد الاجتماع الدوري لمجلس الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم الثلاثاء الماضي، وهو اجتماع دوري وعادي لتقييم العلاقات الثنائية، وحجم الخطوات التي قطعتها تونس للتكيّـف مع شروط الإصلاح الهيكلي، وفتح أسواقها أمام تدفق السلع الأوروبية، إذ كان هذا الاجتماع الأول من نوعه الذي وجد فيه السيد الحبيب بن يحيى وزير الخارجية التونسي نفسه يحاور مؤسسة الاتحاد بعد انضمام دول شرق أوروبا.

ولئن كانت تونس قد استفادت من الشراكة، خاصة على الأصعدة التجارية والمالية، فإن المغرب على سبيل المثال يسكنه هاجس بأن شراكته مع الاتحاد الأوروبي قد لا تكون موفقة في نهاية المطاف.

كما أن عددا واسعا من الخبراء الجزائريين يعتقدون بأن حكومتهم قدمت تنازلات ثقيلة للأوروبيين دون أن يكون هناك مقابل لذلك. ويحاول المصريون والسوريون والأردنيون من جهتهم الاستفادة من تجارب دول المغرب العربي، في حين أن الفلسطينيين، الذين استفادوا من مساعدات الاتحاد المالية، يواصلون تمسكهم بالمركب الأوروبي رغم عجز أصحابه، وذلك خوفا من الغرق في الدوامة الإسرائيلية الأمريكية.

والسؤال الذي ما فتئ يتردد منذ انطلاق الخطوات الأولى للشراكة الأورو متوسطية هو "إلى أي مدى سيتمسك الأوروبيون بمحاولات التوفيق بين الجوانب الاقتصادية لهذه الشراكة، وبين المستحقات السياسية المنصوص عليها في البند الثاني من معاهدة الشراكة.

فقد أزعج هذا البند العديد من أنظمة الحكم، بما فيها النظام التونسي الذي كُـلّـما تطرق الاتحاد الأوروبي إلى ملف حقوق الإنسان والديموقراطية، يُـذكِّـر بالإنجازات التي تحقّـقت منذ استلام الرئيس زين العابدين بن علي السلطة، مطالبا الأوروبيين من جهة أخرى بالأخذ بعين الاعتبار "متطلبات مقاومة الإرهاب".

لكن وبالرغم من تعدد المناوشات التي حصلت في هذا الشأن، إلا أن ذلك لم يؤثّـر إطلاقا على نسق الدعم الذي التزمت به دول الاتحاد تجاه تونس، حيث بلغت القروض التي قدّمها البنك الأوروبي رقما قياسيا مع نهاية عام 2002، عندما ارتفعت إلى حدود 92،7 مليون أورو، أي بزيادة 34،4% مقارنة بالسنة التي سبقتها، وهي الفترة التي تلت تداعيات 11 سبتمبر، وتمكنت السلطة خلالها من استعادة المبادرة السياسية بعد أن شهد عام 2000 تصاعدا ملحوظا للحركة الاحتجاجية.

وحاول النظام الجزائري بدوره مع بدايات حكم الرئيس بوتفليقة أن يفصل بين الجانبين، السياسي والاقتصادي، معتمدا على وجود تعددية حزبية، وحرية نسبية في مجال الصحافة المكتوبة.

"ورطة" الأوروبيين؟

ورغم لهفة الأوروبيين، وفي مقدمتهم الفرنسيون، للدخول بقوة وبأسرع وقت إلى الساحة الجزائرية، لكن عوامل عديدة جعلتهم لا يستطيعون التغاضي على ملفات حساسة ذات طابع سياسي. وكان ذلك من العوامل التي دفعت السلطة الجزائرية إلى محاولة معالجة عدد من الملفات الساخنة، وأطلقت النار على من وصفهم الرئيس الجزائري بوتفليقة بالمافيا المحلية. إلا أن التركة كانت ثقيلة، والقدرة السياسية على إحداث القطيعة مع أساليب الماضي في الحكم لا تزال محدودة حسبما يعتقده معارضو الرئيس الجزائري.

أما الحكم في المغرب، فيعتقد رموزه بأن الانتخابات التشريعية التي تمّـت قبل أشهر تجعل النظام يتعامل مع الأوروبيين بأكثر ارتياح. لكن خلافاته مع إسبانيا ووقوف أوروبا مع مدريد في قضية جزيرة "ليلى"، إلى جانب المعضلة الصحراوية، جعلت هامش الحركة لدى المغاربة محدودا.

ومع أهمية هذه العوامل الدولية والإقليمية والمحلية، فإن النشطاء وممثلي المجتمع المدني في معظم دول الجنوب لهم وجهة نظر أخرى لتفسير عجز حكوماتهم على التوصل مع المفاوض الأوروبي إلى نتائج أفضل، ويتهمونها بأنها تعمّـدت عزل قوى المجتمع المدني، ورفضت إشراك الجمعيات والأحزاب والنقابات في إدارة المفاوضات حول محتوى الشراكة وطبيعتها، رغم أنها كانت قادرة على المساهمة وتحسين جوانب عديدة من الاتفاق النهائي.

ورغم أن مجلس الاتحاد الأوروبي يقيم علاقته مع الحكومات، ويتجنّـب الدخول معها في نوع من المواجهة المفتوحة، إلا أنه حرص هذه المرة أن يمد جسوره مع المجتمع المدني التونسي، والاستماع في بروكسل لعدد من رموزه الذين عكسوا وجهة النظر المخالفة لوجهة نظر نظام الحكم.

لكن العارفين بهذا الملف، يستبعدون أن يكون لذلك انعكاس سلبي على العلاقة بين الاتحاد والنظام التونسي، وكل ما يـأمله الكثير منهم هو إقامة علاقة مؤسساتية مع الاتحاد، لا تمر بالضرورة عن طريق البوابة الرسمية، وهو ما ترفضه الحكومات، خاصة عندما يترجم إلى دعم مالي مباشر يزيد من تقوية منظمات المجتمع المدني ويدعم استقلاليتها.

صلاح الدين الجورشي – تونس


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×