تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

فرز سياسي في ظل غياب شروط النقاش والصراع

الرئيس التونسي وصف الإصلاح الدستوري المقترح بـ "الجوهري" لكن المعارضين يرفضون بشدة العديد من التنقيحات الواردة فيه

(Keystone)

لا زال الإستفتاء حول الإصلاح الدستوري المقترح في تونس يثير ردود فعل متفاوتة داخل أوساط النخبة السياسية. وعلى الرغم من الرفض أو التحفظ الذي قوبل به من جانب عدد من أبرز الأطراف الحقوقية والسياسية المعارضة إلا أن غياب نقاش وطني مفتوح حول مسألة بمثل هذه الخطورة والأهمية ظاهرة غريبة وملفتة..

التحقت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ببقية الأطراف المناهضة لمشروع التعديلات الدستورية الذي أحالته الحكومة يوم 13 فيفري على البرلمان لإبداء الراي وإقراره قبل إحالته على الاستفتاء العام.

فلقد اعتبرت الرابطة في بيان طويل أن المشروع المقترح "يعزز الحكم الفردي، ويعمق الاختلال بين السلط، ويحول دون مبدأ التداول السلمي والديمقراطي على الحكم". ودعت إلى "إرجاء النظر في هذا المشروع، وتوفير المناخ السياسي الضروري لفتح حوار وطني شامل بين كل القوى السياسية وجميع مكونات المجتمع المدني لصياغة تحويرات دستورية تستجيب لتطلعات الشعب التونسي نحو الديمقراطية والحرية وتجسيد مبادئ حقوق الإنسان".

جاء بيان الرابطة ضمن سلسلة المواقف التي صدرت عن عدد من التنظيمات السياسية ممثلة في الرباعي المعروف حاليا بـ "الوفاق الديمقراطي"، إضافة إلى المجلس الوطني للحريات.

وقد أجمعت هذه الأطراف في مواقف جماعية أو خاصة على رفض التسويغ الدستوري لفكرتين رئيسيتين : ترشح الرئيس بن علي لدورة رابعة، وتمتعه بالحصانة القضائية أثناء ممارسته للحكم وبعدها. وهما مسألتان جوهريتان في التعديل الدستوري المقترح.

فأحزاب الوفاق اعتبرت في بيانها المشترك أن المشروع الرسمي " دعم المركزية المشطة للنفوذ التي يتمتع بها رئيس الجمهورية بإضافة الحصانة مدى الحياة، وإلغاء الفصل 39 من الدستور الحالي الذي كرس منذ إصلاح 1988 مبدأ التداول السلمي على الحكم".

العلاقة مع مؤسسة الرئاسة!

إذا انتقلنا من هذه الدائرة الرافضة لمحتوى المشروع بشكل جوهري والتي حسم أصحابها أمرهم بتعميق القطيعة مع الحكم، وجدنا حركة التجديد التي لم تصدر موقفا واضحا ونهائيا في انتظار انعقاد مجلسها الوطني، مكتفية بالإشارة إلى أن المشروع تم "دون أي استشارة للأحزاب والمنظمات"، ويتنزل في وضع "لم يشهد أي بادرة لتنقية المناخ السياسي".

فهذه الحركة تحاول البحث عن صيغة وسطية لا تؤدي بها إلى مواجهة شاملة مع السلطة مما يفقدها بعض المواقع التي كسبتها أثناء المرحلة السابقة. وإذ يؤكد عناصرها بأن الحزب لن يتبنى موقفا مؤيدا للتحويرات، فإن النقاشات الداخلية التي أفرزت وجهتي نظر قد تحسم لصالح الاكتفاء بالامتناع عن التصويت في الاستفتاء، وهو موقف رمزي لا تأثير له على الواقع السياسي، لكنه يبقى مؤشرا على اتساع المسافة بين الحركة والسلطة التي لا تؤمن بالمنزلة بين المنزلتين.

أما بقية الأحزاب فقد أعلنت بشكل متفاوت عن تأييدها للمشروع الحكومي، وإن طالب جميعها بتنقية المناخ السياسي. فالتزامات هذه الأحزاب تجاه الحكم، والمصالح العديدة التي تحاول الحفاظ عليها، تدفعها إلى الاستمرار في دعم مؤسسة الرئاسة، وترفض كل ما من شأنه أن يوقعها في استراتيجية القطيعة، أو ما يسميه بعضهم بخيار "ما بعد الرئيس بن علي"، وهو خيار يعتقدون بأنه غير وارد في المدى المنظور.

إلى جانب التنظيمات السياسية أعلن الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل السيد عبد السلام جراد، بعد أن استقبله الرئيس بن علي، عن " عزم الشغالين على المشاركة الواسعة في الاستفتاء والتصويت لفائدة مشروع تعديل الدستور "الهادف حسب اعتقاده إلى "ترسيخ دعائم النظام الجمهوري".

ورغم أن هذا الموقف، لم يسنده حتى الآن موقف جماعي صادر عن المكتب التنفيذي أو المجلس الوطني أو الهيئة الإدارية لآتحاد الشغل، لكن ذلك لا يقلل من أهميته ودلالته. فرغم الصراع الديمقراطي الذي تميز به المؤتمر الأخير المنعقد في جربة، إلا أن "التحالف السياسي الاستراتيجي" بين المركزية النقابية ورئاسة الدولة لم تتأثر بصفة جوهرية حتى الآن، وذلك لاعتبارات ليس هذا مجال تفصيلها.

والأكيد ايضا أن المقابل الذي يراهن عليه جراد هو وقوف الرئيس بن علي إلى جانب الاتحاد في المفاوضات الاجتماعية التي ستنطلق قريبا، والتي لن تكون سهلة هذه المرة بسبب الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد.

الفرز يطاول صفوف الحزب الحاكم

في إطار عملية الفرز السياسي الجارية حاليا يواصل الحزب الحاكم جهوده التعبوية، غير عابئ بما يقال أو يطرح. لكن ما حصل أثناء مناقشات اللجنة المركزية – عندما حاول الفاضل خليل النائب السابق لرئيس مجلس النواب التعبير عن وجهة نظر مخالفة - يدل على أن جانبا من التجمعيين غير ممقتنعين في أعماقهم بالسيناريو الدستوري الذي تم اختياره لتمرير عملية 2004.

في المقابل يندفع شق آخر في اتجاه المزايدة كما حصل سابقا في عهد الرئيس بورقيبة، ليقترح أثناء مناقشات المشروع داخل اللجنة البرلمانية تحويل الدورة الرئاسية من خمس إلى سبع سنوات.

بعد أن اختار كل طرف استراتيجيته، ستشهد الساحة تحركا في اتجاهين. رسميا، سيقر مجلس النواب المشروع مع تعديلات طفيفة، وذلك في جلسة عامة يوم أبريل-نيسان. بعد ذلك سيوجه رئيس الدولة نداء إلى تنظيم الاستفتاء العام، الذي قد يكون يوم 25 مايو-ايار، أو غرة جوان ذكرى الإعلان عن صدور الدستور عام 1959.

وبما أن الانتخابات الرئاسية القادمة ستكون مثل سابقتها تعددية، فإن جميع الفرقاء المعنيين بذلك سيبقون ينتظرون صدور القانون الدستوري الذي سينظم بدقة مسألة الترشح. إذ في ضوء ذلك ستتحدد هوية المرشحين المفترضين الذين سينافسون الرئيس بن علي عام ألفين وأربعة.

في مقابل ذلك، سيعمل المعارضون على جمع صفوفهم، ومحاولة تعبئة بضعة آلاف من المواطنين ليشكلوا "جبهة الرفض" لترشح الرئيس بن علي. وإلى أن يقترب موعد الانتخابات الرئاسية، فإن "الوفاق الديمقراطي" سيعمل على تنظيم "المؤتمر الديمقراطي الوطني" الذي دعا القوى السياسية إلى المشاركة فيه من أجل ما سماه بـ "نحت البديل الجمهوري الديمقراطي". كما سيقع تحسس مواقف الأفراد من خلال عرائض يدعى إليها التونسيون للتعبر بشكل صريح عن رفضهم لولاية رئاسية رابعة.

هذه ملامح المشهد السياسي الحالي، وتمظهراته المتوقعة في المرحلة القادمة. وإذ لم تفقد العديد من الأطراف الأمل في احتمال اتخاذ السلطة بعض الإجراءات السياسية التي من شأنها أن تخفف من حالة الاحتقان، وتخلق مناخا ملائما للاستعداد للمرحلة القادمة التي لن تكون سهلة، فإن ما يستغربه الكثير من المراقبين هو عدم حدوث نقاش وطني صاخب رغم التعديلات الجوهرية التي ستمس من الدستور. إنها حالة تكاد تكون فريدة في عالم يموج بالحركة والصراع.

صلاح الدين الجورشي - تونس

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×