Navigation

في أعقاب الأزمة المالية.. هل تنبعث الإشـتـراكـيـة من رقـادهـا؟

مظاهرة نظمها نشطاء يساريون في مدينة لوزان يوم 7 نوفمبر 2008 احتجاجا على قرار الحكومة السويسرية منح 68 مليار فرنك إلى مصرف يو بي أس لإنقاذ أكبر مؤسسة مالية في البلاد Keystone

قبل أشهر قليلة، كان السؤال عن احتمالات عودة الاشتراكية يبدو مضحِـكاً في أحسن الأحوال أو مجنوناً في أسوئِـها. فالتاريخ انتهى، كما اكتشف فرانسيس فوكوياما ذات يوم. وهو فعَـل ذلك بالتحديد، لأن الاشتراكية انهزمت أمام الرأسمالية الظافرة وانقضى الأمر.

هذا المحتوى تم نشره يوم 16 نوفمبر 2008 - 12:01 يوليو,

بيد أن هذه كانت أحاديث الأمس، أما اليوم وبعد أن كادت أزمات "الدوت كوم" والرّهن العقاري وإفلاس المؤسسات المالية في الولايات المتحدة، تدمّر النظام المالي العالمي، وبعد أن اضطرت إدارة بوش الليبرالية المتطرِّفة إلى تجرّع ما كانت تعتبره السمّ الزعاف (وهو تدخل الدولة في الاقتصاد) عبر ضخ تريليون دولار إلى شرايين الاقتصاد الأمريكي المتصلِّـبة، عادت الاشتراكية لتطُـل برأسها مجدداً، وإن بصِـيغ مختلفة عما كانت عليه في القرنين التاسع عشر والعشرين.

ثم، وإلى جانب هذا التطور الاقتصادي، ثمة ثلاثة تطوّرات عملية قد تصُـب في النهاية لصالح انبعاث الاشتراكية:

التطور الأول، هو قُـرب وصول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى طريق مسدود بفعل استنزاف كل موارد الطاقة الأحفورية في العالم. فالنفط سيصل إلى ذروة الإنتاج ما بين 2010 و2015، يبدأ بعدها انحداره التاريخي السحيق، وبما أن بدائل الطاقة الأخرى (الشمس، الهواء، الشجر، الهيدروجين.. الخ) لن تتوافر قبل 50 عاماً، لن يكون أمام دول العالم، سوى أحد خيارين: إما شنّ المزيد من حروب الموارد المدمرة وإحراق كميات أكبر من الفحم الحجري الملوث للطاقة، مما سيفاقم إلى درجة خطيرة كارثة إحترار مناخ الأرض أو قبول الدّعوات المتكرّرة لوقفِ النمو الاقتصادي.

وبما أن أي رأسمالي "عاقل" لن يقبل بوقف النمو وبما أن الرأسمالية ذاتها لا تستطيع البقاء على قيد الحياة، إذا ما توقّـفت عن التوّسع، فلن يكون ثمة مندوحة، سوى البحث عن نمط إنتاج بديل لها، والاشتراكية ستكون حتماً أحد هذه البدائل.

لقد اعتبر كارل ماركس أن التبرير التاريخي لنشوء الرأسمالية، هو تعزيز القُـدرات الإنتاجية وتنميتها. لكن، يبدو واضحاً الآن أن هذا التبرير يُـوشك أن يسقط بالضربة القاضية، بسبب عدم قُـدرة كوكب الأرض على تحمّـل المزيد من التلوث، الناجم عن إنتاج بلا حدود.

التطور الثاني، هو انقضاض الليبرالية الجديدة على كل المكاسب الاجتماعية، التي حققتها الطبقات الفقيرة والمتوسطة منذ الكساد الكبير في عام 1929 وحتى عام 1973، وإطلاقها يد إمبراطوريات الشركات متعدّدة الجنسيات، ليس فقط لسرِقة هذه المكاسب، بل أيضاً لإدارة الظهر للديمقراطية الليبرالية، التي لعبت الدور الأبرز في إضفاء الشرعية على الرأسمالية.

الديمقراطية والرأسمالية الآن، على طرفي نقيض للمرة الأولى منذ نشوء نظام الدولة – الأمة، في أعقاب معاهدة وستفاليا عام 1458، وإذا ما نجح "الاشتراكيون الجُـدد" (خاصة في أمريكا اللاتينية وأوروبا) في عقد قِـران سعيد بين الاشتراكية والديمقراطية، كذلك الذي أبرمته السويد وفنزويلا وغيرهما مثلاً، فسيكون هذا إيذاناً بتغيير كل لوحة الصِّـراع في العالم لغير صالح الرأسمالية.

التطور الثالث، يتمثّـل في احتمال أن تشهد الاشتراكية انبعاثا جديداً في الدّول الشيوعية السابقة، في الصين وروسيا وبعض دول أوروبا الشرقية. والسبب واضح: فبرغم أن الإصلاحات الرأسمالية أدّت إلى زيادة النمُـو الاقتصادي، إلا أنها زادت أيضاً من الفقر وضربت كل الضمانات التي حصل عليها العمّـال في النظم الاشتراكية السابقة، من مجانية التعليم والصحة والتقاعد، إلى ضمانات العمل، ومرة أخرى، سيكون المدخل هنا هو نوم الاشتراكية والديمقراطية في سرير واحد.

معارضة من الداخل

بالطبع، ليس كل المعارضين للرأسمالية المتوحِّـشة اشتراكيين، لكن هذا بالتّـحديد ما يُـعيد للاشتراكية الآن بعض جاذِبيتها التي فقدتها بعد نهاية الحرب الباردة، ثم على إثر انهيار الاتحاد السوفييتي بعدها بعامين.

فحين تنطلِـق أصوات مهمّـة من داخل المعسكر الرأسمالي، تُـندِّد بشدة بإمبراطورية العولمة الاستهلاكية وسلوكياتها، فهذا يعني أن البحث عن بديل لنمط الإنتاج هذا قد بدأ، وحينها ستكون الاشتراكية حاضرة للإجابة على العديد من الأسئلة.

أمثلة عن مثل هذه الأصوات؟ إنها كثيرة. فهناك، مثلاً، الباحث والمفكِّـر بنجامين باربر، الذي يُـعتبر المُـنظِّـر الأبرز للحزب الديمقراطي الأمريكي، والذي يشُـن منذ فترة حملات عنيفة للغاية ضدّ العولمة الرأسمالية، التي يسميها تارة "ماكوورلد" وتارة أخرى "الأصولية الاستهلاكية التي لا تختلف في شيء عن الأصوليات الدِّينية المتطرفة"، على حدّ قوله.

وهناك الكاتب الاقتصادي الأمريكي البارز راستون سول جون، الذي اعتبر في دراسة شيِّـقة بعنوان "الديمقراطية والعولمة"، أن أخطر ما شهده العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة، هو نجاح الإعلام الأمريكي، الذي تُـسيطر عليه الشركات الكُـبرى، في تصوير الاقتصاد على أنه قائد المجتمعات، كل المجتمعات، وهذا كان برأيه، تمهيداً لانقلابات خطيرة في بِـنية النظام الرأسمالي. فبعدها سادت الاحتكارات وانعدم التنافس وسيطرت "الاوليغارشيات" المالية، بعد أن استغلت هذه الشركات شِـعار الاقتصاد كقائد، للقيام بأضخم مركزة لرأس المال في التاريخ البشري، عبر عمليات الدّمج والضم والابتلاع.

وفي الوقت ذاته، كان أرباب النِّـظام الرأسمالي يتوقّـفون عن كونهم "رأسماليين حقيقيين". فهم يتشكّـلون الآن من التكنوقراط والبيروقراطيين والمدراء والموظفين، وهؤلاء جميعاً لا يملكون أية أسهم ولا يقدُمون على أية مخاطر. الأسهم الوحيدة التي يملكون، هي تلك التي يحصلون عليها مجاناً من الشركات أو عبر استعارة المال من هذه الشركات بدون فوائد.

كل هذه الفئات، برأي سول جون، لا تعتبر رأسمالية حقيقية، بل هي بيروقراطية كَـسولة وكبيرة ومكلّـفة، وهي أقرب ما تكون إلى دراكولا، مصّاص الدِّماء، إذ هي تشتري الشركات الرأسمالية الحقيقية، التي لها مالِـكين حقيقيين الذين لديهم أسهم ويقومون بمخاطر مالية. وبعدها، تبدأ هذه الفئات بمصّ دِماء هذه الشركات.

وفي خِـضمّ هذه العملية، تتوقف الاقتصادات عن التطوّر وتنهار الاقتصادات المُـختلطة، وهذه العملية، إضافة إلى فساد طبقة المُـدراء – البيروقراطيين، هما الآن سبب كل من أزمَـتيْ الرأسمالية والديمقراطية معاً.

أي اشتراكية؟

بالطبع، الاعتراض على الرأسمالية، ليس قصراً على النظريات والمنظّرين. فهناك تجارب اشتراكية أو "شبه اشتراكية" في السويد وفنزويلا والصين وكوبا وغيرها، كما أن هناك توجّـهاً قوياً في أوروبا وأمريكا اللاتينية لمقاومة الرأسمالية عبر إحياء الفكر الاشتراكي.

وإذا ما قفزت هذه التّجارب إلى الزورق الذي تحتشد فيه الآن القوى المُـناوئة للرأسمالية، من بيئَـوِّيين وإنسانَـويِّـين وعالمثالثيِّـين، فإن الطريق ستكون حينذاك مفروشة بالورود أمام عودة الاشتراكية.

لكن أية اشتراكية؟ حتماً، ليس الاشتراكية السوفييتية ولا الصينية، ولا حتى الاشتراكية الأوروبية. فهذه كلّـها تجارب أفلست أو انتحرت أو نُـحرت بفعل تقادم الزّمن والشيخوخة.

ثم هناك نقطة أخرى لا تقِـل أهمية: "البروليتاريا" (طبقة العمال)، الذين أقام فوقهم ماركس ولينين والأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، صرح مشاريعهم الاشتراكية، تغيّروا بشكل جِـذري بفعل الانقلاب الشامل في الاقتصادات العالمية، من الصناعات والزراعات التقليدية إلى اقتصاد المعلومات والتكنولوجيا المتطورة.

فعمّـا قريب، سيحُـل العمال الآليون (كما يحدث الآن في مصانع السيارات) مكان العمّـال البشريين، وعمّـا قريب أيضاً، ستنتقل الزراعة من الأرض إلى المُـختبرات من خلال ثورة البيوتكنولوجيا، وكل ذلك سيُـغيّـر بشكل عميق التركيبة الطبقية السابقة وتحُـل مكانها أخرى ينفصل فيها مكان العمل عن العمّـال عبر عولمة الإنتاج.

الآن، إذا ما كانت "ديكتاتورية البروليتاريا"، التي بشرت بها الاشتراكية السابقة، قد ذوت مع شبه زوال البروليتاريا القديمة نفسها، وإذا ما كانت التجارب الاشتراكية السابقة مرفوضة، فعلى ماذا يمكن أن ترتكز الاشتراكية الجديدة؟

المفكر الأمريكي جون بيلامي فوستر، يعتقد أنه عثر على الجواب، وهو يحدّده بالآتي:

· إسناد الاشتراكية الجديدة إلى مفهوم السوق الرأسمالي، بشرط أن يكون هذا الأخير خادماً للاقتصاد والمجتمع لا سيداً لهما.

· تجاوز الاشتراكية، ليس فقط للإنقسامات الطبقية في المجتمع، بل أيضاً لكل أشكال القَـمع الأخرى التي تشُـل طاقات الإنسان وتمنع التحالفات الديمقراطية والاجتماعية، مثل التّـمييز العنصري والتفرقة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة وقمع واستعباد الأمم الأخرى.. الخ.

· المجتمع الاشتراكي الجديد، لن يتمكّـن من تحقيق خروقات مهمّـة، ما لم يكن إيكولوجياً (مُراعيا للبيئةً)، أي ما لم يُـحقق المصالحة النهائية بين البشر والطبيعة، وأيضاً ما لم يكن ديمقراطياً: فلا اشتراكية حقيقية من دون انتخابات عامة وحرية بلا حدود لحق التعبير والتجمع والصحافة، من دون هذه الحريات، تموت الحياة وتُـسيطر البيروقراطية المستبدّة على كل شيء.

أفكار جميلة؟

بالتأكيد، لكن، هل هي قابلة للتطبيق، وبالتالي، لِـبثّ الرّوح مجدداً في الاشتراكية؟ العديد من المفكِّـرين الغربيين، يميناً ويساراً، يردّون بالإيجاب:

اليمِـينيون المعتدلون، لأنهم يشعرون برُعب من انفلات الوحش الرأسمالي من عِـقاله، فيرون في الاشتراكية رادعاً مفيداً له وداعماً مهمّاً لهم. واليساريون، لأنهم يتذكّرون الآن بأن الرأسمالية ذاتها لم تولَـد بين ليلة وضحاها، بل تطلّـب الأمر تمخضات عنيفة دامت خمسة قرون، قبل أن يسيطر هذا "النوع الثوري" من نمط الإنتاج (كما كان ماركس يسمِّـيه) على العالم.

ربما لا تحتاج الاشتراكية إلى خمسة قرون لتنضج وربما تكون الوِلادة الجديدة قريبة، إلى درجةٍ لا تصّدق. لماذا؟ لأن الطبيعة نفسها ستميل بعد حين إلى الاشتراكية، بفعل الكوارث الهائلة التي تلحقها الآن الرأسمالية المتوحِّـشة بالمناخ وتوازنات الطبيعة وبيئة الحياة نفسها. ومَـن لا يصدّق، ليس عليه سوى إعادة التفكير بأسباب "التسونامي" الأخير في آسيا وأيضاً بتحذيرات العُـلماء من عصر جليدي جديد، بدأ زحفه على هذا الكوكب الأزرق.

فمَـن لا يصدّق اليوم، سيُـصدِّق غداً. فما كان مُـضحكاً أو مجنوناً قبل أشهر (أي احتمال عودة الاشتراكية)، بات الآن أمراً جدّياً وعاقلاً!

سعد محيو - بيروت

أبرز الأزمات الاقتصادية

أكتوبر 1929: فقد مؤشر داو جونس 40% من قيمتة في أسبوع، ليدشن مرحلة كساد عميق.

أكتوبر 1987: خسر نفس المؤشر قرابة 23% من قيمته في يوم واحد، ثم تلته معظم المؤشرات.

أكتوبر 1997: أثر تراجع مفاجئ لبورصة نيويورك على البورصات الدولية، وفقدت أسعار الأسهم 8% من قيمتها في يومين.

30 سبتمبر - 2 أكتوبر 1998: تسبب الخوف من الانكماش في انهيار قارب 13% في ثلاثة أيام.

11 سبتمبر 2001: أدت الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة إلى تراجع البورصات الأوروبية بأكثر من 7%. وظلت بورصة وُول ستريت مُغلقة لعدة أيام.

End of insertion

التسلسل الزمني للأزمة الحالية

فبراير 2007: الولايات المتحدة تشهد ارتفاعا كبيرا في عدم قُـدرة المقترضين على دفع مستحقات قروض الرهن العقاري، ما أدّى إلى أولى عمليات إفلاس مؤسسات مصرفية متخصصة.

يونيو 2007: مصرف الاستثمار الأمريكي Bear Stearns، هو أول بنك كبير يُـعاني من خسائر قروض الرهن العقاري.

أغسطس 2007: البنك المركزي الأوروبي يضخّ 94،8 مليار يورو من السيولة، والخزينة الفدرالية الأمريكية تضخّ من جانبها 24 مليار دولار، كما تدخّـلت العديد من البنوك الأخرى، مثل بنك اليابان والبنك الوطني السويسري.

سبتمبر 2007: بنك أنجلترا يمنح قرضا استعجاليا إلى مصرف Nothern Rock لتجنيه الإفلاس، وقد تم بعد ذلك تأميمه.

أكتوبر 2007: مصرف يو بي إس السويسري يُـعلن عن انخفاض قيمة موجوداته بـ 4 مليار فرنك.

يناير 2008: الخزينة الفدرالية الأمريكية تُـخفِّـض نسبة الفائدة الرئيسية بثلاثة أرباع النقطة، لتصل إلى 3،50%، وهو إجراء وصفه الخبراء بأنه ذو بُـعدٍ استثنائي.

مارس 2008: الخزينة الفدرالية الأمريكية تقول إنها مستعدّة لتقديم مبلغ يصل إلى 200 مليار دولار إلى مجموعة محدودة من البنوك الكُـبرى.

مارس 2008: العملاق المصرفي الأمريكي JP Morgan Chase يُـعلن شراءه لمصرف Bear Stearns، الذي يعاني من صعوبات، وهي العملية التي حظيت بدعم مالي من طرف الخزينة الفدرالية الأمريكية.

يوليو 2008: الضغط يشتدّ على مؤسستي Freddie Mac وFannie Mae الأمريكيتين المتخصصتين في إعادة تمويل القروض العقارية، والخزينة الأمريكية تُـعلن عن خطّـة لإنقاذ القطاع العقاري.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.