تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

في انتظار أن تعود حليمة إلى عادتها القديمة!

دعا السيد مارتين إنديك في مقاله إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة التي تربط بين مصر والسعودية من جهة وبين الولايات المتحدة من جهة اخرى

(swissinfo.ch)

"هي ذكية بما فيه الكفاية. وخبيثة بما فيه الكفاية". هكذا أستهل الصحفي والمحلل السياسي سعد محيو تقييمه لمقال مارتين إنديك "العودة إلى البازار" الذي نشر في عدد شهري يناير/فبراير لدورية Foreign Affairs الأمريكية. ولعله لم يبتعد كثيرا عن الصواب.

هي ذكية لأنها استعرضت بدقة طبيعة العلاقة الإستراتيجية التي ربطت بين واشنطن من جهة والحكومتين المصرية والسعودية من جهة أخرى. وهي خبيثة لأنها، وهي تدعو إلى عقد صفقة جديدة بين أطراف هذا المثلث، حددت الكثير من جوانبها وفقا لمصالح الأمن القومي الإسرائيلي. كانت كمن يدس السم في العسل. هل في هذا التقييم أي تجني؟ لنرى.

مارتين إنديك، المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، معروف بميوله الصهيونية. فقبل أن يصبح سفيرا للولايات المتحدة في إسرائيل كان عضوا بارزا في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى. وهو معهد معروف، يقول الأستاذ عبدالوهاب بدرخان الصحفي والمحلل السياسي بصحيفة الحياة الصادرة في لندن، بتمثيله للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.

مادام الأمر كذلك، فإن أي توصيات بشأن السياسة الخارجية الأمريكية تصدر من جانبه لن تغفل المصالح الإسرائيلية. ولعلها سوف تستميت في الدفاع عنها. لكنها، رغم ذلك، لا تمثل توجهات الإدارة الأمريكية أو تعبر عن رغباتها. بعبارة أخرى، كما يؤكد الأستاذ بدرخان، فإن ما أورده السيد إنديك في مقاله يعبر عن توجهات تيار اللوبي الصهيوني. وهدفه من ذلك، يزيد الأستاذ محيو، "الاستفادة من الجدل الراهن في الولايات المتحدة حول طبيعة السياسة التي يجب أن تنتهجها إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول لتوجيهها وجهة معينة". فما هي هذه الوجهة؟

"علينا أن نسعى إلى صفقة جديدة. ترى، أي صفقة جديدة تلك التي يجب التوصل إليها مع حلفائنا العرب الذين تجمعهم مع الولايات المتحدة مصالح إستراتيجية مشتركة، لكن سياساتهم تعّرض الأمن القومي الأمريكي للخطر؟" بكلماته هذه حدد السيد إنديك جوهر القصيد من مقاله. عن أي حلفاء كان يتحدث؟ عن مصر والمملكة العربية السعودية. ومادام الرجل يتحدث عن ملامح "الصفقة الجديدة"، فالأولى أن نطرح ملامح "الصفقة القديمة" التي تّعرض لها بالتفصيل في بداية مقاله – "صفقة" ما بعد حرب الخليج الثانية. ففي مضمونها كَمن الخطر الذي تهدد الأمن القومي الأمريكي، على حد رأيه.

الصفقة القديمة

الأسلوب المباشر هو اكثر ما يميز حديث السيد إنديك عند حديثه عن ملامح ما أسماه ب"الصفقة القديمة" بين واشنطن من جانب والقاهرة والرياض من جانب أخر. يقول دون مواربة:"كان أمامنا خياران بعد حرب الخليج الثانية.. إما أن نطالب حلفاءنا العرب بالدخول في ركب الأنظمة الديمقراطية .. أو أن نّركز جهودنا على حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني".

كما نعلم اليوم، فإن كفة الخيار الثاني هي التي رجحت. وهو كان من أشد مؤيديها بإعترافه. لماذا؟ لأن الخيار الديمقراطي في العادة لا يأتي بأنظمة "صديقة" للولايات المتحدة. ولأن فرصة السلام في رأيه كانت ستقطع الطريق على الأنظمة العربية وتحرمها من "حجة النزاع مع إسرائيل". كانت ستدفعها دفعا و تلقائيا إلى تبني الإصلاح الاقتصادي والسياسي.

ومن هذا المنطلق كان الاتفاق: أن تسمح الأنظمة العربية المعتدلة للولايات المتحدة باستخدام قواعد عسكرية لديها لاحتواء الدول "الشريرة" ( وهي من المنظور الأمريكي العراق، ليبيا، وإيران..).. وأن تدعم جهودها لحل النزاع العربي الإسرائيلي. وفي المقابل فإن الولايات المتحدة، إضافة إلى دورها كشرطي المنطقة، لن تسع إلى الضغط على حلفاءها لإحداث تغيير في أنظمتها السياسية.

بطبيعة الحال، اختلفت التفصيلات الخاصة ب"الصفقة" بين كلٍ من القاهرة والرياض وبين واشنطن. فإذا كان الدور المطلوب من مصر هو دعم عملية السلام أساسا، فإن الرياض، في المقابل، كانت مطالبة، كما يقول إنديك: "بدفع فواتير صفقات الأسلحة الضخمة، وشراء طائرات البوينج، وإبقاء أسعار النفط في نطاق حدود مقبولة، والسماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها الجوية لتطبيق الحظر الجوي المفروض على العراق، وشن ضربات عسكرية عليه بين الحين والأخر".

وعلى كلٍ، استمرت الأوضاع في المنطقة تدور في هذا الإطار طوال العقد الماضي.. إلى أن وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية! وحينذاك أفاقت الولايات المتحدة على ما أسماه إنديك ب"المستنقعات المصرية والسعودية".

ففي رأيه: "كانت الإطاحة بالنظامين السعودي والمصري هي الهدف الأول لشبكة القاعدة، بقيادة إسامة بن لادن (السعودي) ومساعده أيمن الظواهري (مصري). غير أن الدعم الأمريكي لهما جعل تحقيق هذا الهدف صعبا. ولذا، اتخذت القاعدة قرارا إستراتيجيا بضرب راعيتهما الولايات المتحدة، الأكثر قوة والأكثر حساسية".

الصفقة الجديدة!

ولكن ما لداعي إلى عقد "صفقة جديدة"؟ من منظور إنديك، فإن مصر والسعودية لم تلتزما ببنود الاتفاق. هناك بالطبع سجلهما في دعم عملية السلام الذي كان مخيبا. لكن الأساس، كما يؤكد، هو أن سياساتهما الداخلية كانت لهما انعكاسات مباشرة على الأمن القومي الأمريكي. فمصر في ضربها بيد من حديد على الحركات المتطرفة في العقد الماضي لم تميز بينها وبين المعارضة المدنية المشروعة. بل كتمت أنفاس هذه الأخيرة. والمملكة السعودية درأت عن نفسها خطر معارضة رموزالحركة الوهابية لتواجد القوات الأمريكية على أراضيها المقدسة بأن مّولت عملية تصدير الوهابية إلى الخارج. نشرتها في أشلاء الاتحاد السوفيتي المنهار.. في آسيا الوسطي، والبلقان، وفي أفغانستان والباكستان.

كان على الولايات المتحدة أن تدفع ثمن هذه السياسات في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. ولذا، يردف إنديك، كان من الضروري عقد اتفاق جديد يغير من السياسات الداخلية للدولتين. هنا.. يبدأ التقاطع في حديث إنديك بين مصالح الأمن القومي الأمريكي ونظيريتها الإسرائيلية. فخيوط الصفقة الجديدة، كما يطرحها، لا تهدف إلى المطالبة بإقامة أنظمة ديمقراطية في البلدين. إذ لا يزال السيد إنديك مصمما على أن الديمقراطية هناك قد تكون "ضارة" بمصالح الولايات المتحدة.

ماذا يريد إذن؟ يقول السيد سعد محيو:" إنه يريد أن يوجه هذا الخوف والغضب الأمريكي نحو ... خدمة مصالح إٍسرائيل في الشرق الأوسط". إدارة الدفة نحو هذا المحور برز واضحا في مطلبين طرحهما إنديك. الأول أن: "على مصر والسعودية المشاركة بصورة فعالة في إقفال المرافئ الآمنة للإرهاب في الشرق الأوسط...". وهي بالتحديد متواجدة في إيران والعراق وسوريا ولبنان. والثاني، أن عليهما: "دعم جهود الولايات المتحدة لحل المشكلة الفلسطينية (...)، وأن عليهما أن تدافعا وتقبلا علنا بتسويات "معقولة" و"عادلة" في القضايا الحساسة المتعلقة بالقدس واللاجئين".

هدف إنديك مزدوج، يقول السيد محيو:"الأول، ضرب المقاومة العربية في فلسطين ولبنان وسوريا ضد إسرائيل.. والثاني، دفع أمريكا إلى تحقيق تسوية في فلسطين لخدمة إسرائيل".

وماذا عن الإصلاح السياسي والاقتصادي والديمقراطية؟ ألم يكن غيابهم هو "المستنقع" الذي آقتات عليه التطرف؟ صحيح. لكن الظرف الراهن، يؤكد إنديك، يتطلب التركيز على قضية مكافحة "الإرهاب" أولا.

ثم.. دعونا لا ننسى"أن إجبار النظامين على الإصلاح السياسي قد يؤدي إلى تحقيق هدف بن لادن الأساسي: الإطاحة بهذه الأنظمة حتى بعد غيابه. ... ومهما كانت مساوئ هذين النظامين، فأن البدائل المتطرفة ستكون أسوأ بكثير للشعبين المصري والسعودي..." حسب قوله. وهي بالتأكيد لن تكون افضل بالنسبة للمصالح الأمريكية ذاتها.

الأفضل، وهنا لا يجد إنديك غضاضة من العودة إلى نظريته التي دعا إليها في بداية التسعينات، هو السعي إلى حل وسط يعتمد الإصلاح تدريجيا. لكنه يضيف عنصرا جديدا عليها بأن طالب الحكومتين بالترويج لنموذج إسلامي بديل أكثر تسامحا وأكثر قدرة على التعايش مع العصر.

من الواضح أن ما ورد في مقال السيد إنديك كان محكوما بمنطق ضمان موقع ومصالح إسرائيل ضمن الإستراتيجية الأمريكية، وهو ما يعني عمليا إبقاء الأمور على حالها. غير أن هذا لا يعني أنه لا توجد حاجة للإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي في هذين البلدين. هناك حاجة لذلك بالتأكيد، كما يشدد كل من سعد محيو وعبد الوهاب بدرخان. ليس فقط فيهما بل وفي كل البلدان العربية. لكنه مطلب يبقى حكرا على الشعوب العربية أساسا. هو همها. عليها هي أن تطالب به.. وأن تحققه.

إلهام مانع


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×