في ذكرى مرور عام على الانتفاضة

غداة تخليد الفلسطينيين للذكرى الاولى للانتفاضة الثانية، قتل ثلاثة فلسطينيين على الاقل يوم السبت وجرح اكثر من مائة اخرين في مواجهات مع الجنود الاسرائيلين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة Keystone

مَثَّل التاسع والعشرين من سبتمبر ايلول من العام الماضي حدا فاصلا بين نهاية لمرحلة من العلاقات السلمية التفاوضية بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني وبداية لمرحلة جديدة من العلاقات قائمة على الصراع والمواجهة وغالبا العنيفة والدامية. ولقد اصطلح على تسمية هذه المرحلة الجديدة بالانتفاضة. ولأن هذه الانتفاضة كانت أصلا حالة من الدفاع عن النفس، وحالة من ردة الفعل على السلوك الاحتلالي التصعيدي لإسرائيل، يجب أن يكون تقييمها على هذا الأساس.

هذا المحتوى تم نشره يوم 29 سبتمبر 2001 - 19:47 يوليو,

ليس من قبيل الصدفة أن الانتفاضة بدأت على اثر، وربما بسبب انهيار مفاوضات كامب ديفيد التي فشلت بل وتفجرت على أرضية محاولة إسرائيلية – أمريكية لفرض حل نهائي للصراع اقل ما فيه من وجهة نظر فلسطين انه لا يفيد اللاجئين ويبقى أجزاء من القدس أهمها الحرم القدسي الشريف بيد إسرائيل. لذلك، يعتقد كثير من الفلسطينيون أن إسرائيل لجأت إلى الضغط عليهم بقوة لكي يقبلوا ما رفضوه في مفاوضات كامب ديفيد.

وما يدل على ذلك، أن شرارة الانتفاضة جاءت بسبب مبادرة إسرائيلية، مُنَسقة بين الحكومة والمعارضة عندما سمحت حكومة باراك لزعيم المعارضة شارون بدخول الحرم القدسي بالقوة. كذلك السياسة المبالغ في قسوتها للجيش الإسرائيلي في قتل عدد كبير من المتظاهرين الفلسطينيين الذين خرجوا سلميا لكي يحتجوا على هذه الزيارة حيث كان الجيش الإسرائيلي يقتل ما معدله عشرة متظاهرين فلسطينيين يوميا بدون خسائر في الطرف الإسرائيلي تقريبا.

العنف ولَّد العنف والقوة لم تنجح في زعزعة الموقف الفلسطيني

لقد فشلت إسرائيل في هذه الحملة العنيفة بان تزعزع الموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي المصر على أن يشمل أي حل إنهاء الاحتلال وعودة اللاجئين حسب قرارات الأمم المتحدة. وربما أن هذا هو الإنجاز والانتصار الأول لهذه الانتفاضة وبالتحديد في وظيفتها الأولى وهي حماية وحراسة الموقف الفلسطيني السياسي والتفاوضي.

ولكن وبعد بضعة شهور من الصمود أمام حملة القتل الإسرائيلية وبسبب إمعان الدولة العبرية في استخدام مميزاتها العسكرية المتطورة جدا حتى بالمقاييس العالمية، انتقل الجانب الفلسطيني إلى محاولات الرد و استخدم أيضا بعضا من إمكانياته الكامنة والقوية حتى بالمعايير الإسرائيلية، وان لم تقل العالمية، وهي استعداد إعداد كبيرة من شبانه للتضحية بحياتهم في سياق إيذاء الإسرائيليين مترافقا مع دعم شعبي واسع واحتضان وتأييد جماهيرييْن لما اصبح يعرف بالمقاومة التي أصبحت واحدة من أشكال العمل الفلسطيني في الانتفاضة.

وقد شمل ذلك عمليات قتل للمستوطنين والجنود الإسرائيليين الموجودين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكان ذلك أساسا على أيدي نشطاء حركة فتح اكبر أقوى المنظمات الفلسطينية. كما شمل ذلك أيضا ما سمي بالعمليات الانتحارية أو الاستشهادية والتي كانت تستهدف إسرائيليين في داخل إسرائيل. وكان ذلك أساسا على يد نشطاء من المنظمات الإسلامية كحركتي حماس والجهاد الإسلامي.

أدى ذلك على المستوى المباشر إلى إلحاق خسائر بالأرواح لدى الإسرائيليين وإلى فقدان الشعور بالأمن وتبخر الأمل بالسلام لدى قطاعات متنامية من الإسرائيليين، مما أدى بالتالي إلى فشل نظرية شارون التي انتُخب على أساسها وهي نظريةُ تحقيق الأمن وربما السلام بالقوة وعن طريق إخضاع الشعب الفلسطيني.

وعلى المستوى غير المباشر، أدت هذه التطورات إلى تعديل في موازين القوى بين الطرفين حيث انتهى الوقت الذي كان فيه الإسرائيليون يتعاملون مع الفلسطينيين باعتبار أن ليس لهم خيارات سوى التفاوض، وان ليس لهم فرصا سوى التقاط ما يعرضه عليهم المفاوض الإسرائيلي على الطاولة. وأخذوا بجدية هذه المرة، لاول مرة، أن الجانب الفلسطيني وان كان يؤيد الخيار السلمي، إلا أن هذا ليس خياره الوحيد مما سوف يترك اثرا مستقبليا على نفسية وتعامل الإسرائيلي المفاوض مع الفلسطينيين مستقبلا ويجعل تعاملهم اكثر جدية.

وقد ألحقت مرحلة الصراع خلال العام الماضي بإسرائيل خسائر متنوعة لعل أهمها تراجع مكتسباتها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والمعنوية على صعيد علاقاتها في المنطقة وتحديدا في الدول العربية التي بدأت تتسابق في إقامة علاقات مع إسرائيل، والتي انتهت وتجنبت عقد أي مؤتمر قمة عربية واستبدلته بمؤتمرات قمة اقتصادية إقليمية بحضور إسرائيلي.

يدفعون ثمنها بدمائهم ولا يجدون لها بديلا

لقد أعادت الانتفاضة للقمة العربية وبما تمثله من اعتبار، كما أعادت القضية الفلسطينية للحض العربي أعادت لها عمقها العربي الأمر الذي يراكم عوامل قوة لصالح الجانب الفلسطيني. وربما أيضا أن الانتفاضة ساهمت في تصحيح انطباع شائع ساد العالم في فترة عملية المفاوضات والاتفاقات والاحتفالات بتوقيع الاتفاقات وصور هذه الاحتفالات التي عملت وغطت على الواقع المر. عادت مؤخرا الانطباعات حول حقيقة الوضع على ما يجب أن تكون عليه : صراع ومقاومة فلسطينية نتيجة لاحتلال إسرائيلي غير قانوني.

ولكن بالطبع هذه الإنجازات وهذا الصمود كان لهما ثمنا باهظا جدا على الشعب الفلسطيني الذي خسر خلال هذا العام حوالي سبع مائة من خيرة أبنائه، وما لا يقل عن عشرين ألف جريح منهم ألف وخمسمائة مصابون بإعاقات دائمة. هذا علاوة على التدمير للاقتصاد والبنية التحتية وتراجع الخدمات الاجتماعية صحية وتعليمية وغيرها. إضافة إلى ذلك، تراجع النظام والقانون في داخل المجتمع الفلسطيني وتراجعت الديمقراطية وتفشت كثيرا من أمراض الحروب الاجتماعية والنفسية والسياسية.

ومع بداية عام ثان للانتفاضة، ليس من الواضح بان الآفاق افضل مما كان عليه في العام الماضي، وربما أن مأساة نيويورك الأخيرة ألقت بظلال صعبة حول آفاق الانتفاضة، ثم دعت القيادة الفلسطينية لاتخاذ مناورات قد تكون جزئيا على حساب الانتفاضة والوضع الداخلي، الأمر الذي يجعل واقع وظروف مهمة الشعب الفلسطيني في العام الثاني للانتفاضة ربما اكثر صعوبة من السنة الأولى.

د.غسان الخطيب - القدس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة