تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

قد لا تكون إلا جزءا بسيطا من قمة جبل الجليد!

حملة الملك عبد الله الثاني على الفساد

(Keystone)

يتابع الجميع في الأردن باهتمام شديد التطورات المتلاحقة لقضية مكافحة الفساد التي فجرها الملك عبد الله الثاني بإحالة مدير مخابراته السابق سميح البطيخي وعشرات من المتهمين الآخرين إلى محكمة أمن الدولة

يعيش الأردن هذه الأيام مرحلة جديدة من حياته عندما أصدر عاهله الملك عبد الله الثاني أمرا بإحالة مدير مخابراته السابق سميح البطيخي الذي كان يسمي نفسه صانع الملوك إلى محكمة أمن الدولة وهي مؤلفة من عسكريين ومدني واحد بتهمة الفساد واحالة آخرين بنفس التهمة إضافة إلى تهمة التزوير حيث قاموا بتزوير أختام وأوراق دائرة المخابرات العامة الجهة الحصينة التي لا يرقى الشك إلى منتسبيها بالولاء والانتماء وصدق الأداء مهما كانت الأغراض والأهداف والمنافع.

المحالون على المحاكمة والشهود والأشخاص والذين صدرت بحقهم أوامر بالحجز على أموالهم المنقولة وغير المنقولة ومنعهم من السفر ومنع بعضهم من الاتصال بأحد أو مغادرة بيته بلغ عددهم أكثر من مائة شخص من بينهم وزراء سابقون وأعيان حاليون ورجال أعمال وضباط مخابرات ورؤساء مجالس إدارات ومصارف ومدراء شركات أبرزهم رجل الأعمال المعروف مجد الشمايلة الذي يتنقل حاليا بين روسيا واستراليا وسويسرا وكوبا.

ما تم حتى الآن في هذه القضية التي تشغل بال الأردنيين والدول المهتمة بالاستثمار وأجواء العمل في المملكة هو جزء بسيط من قمة جبل ثلجي ستتكشف حقائقه ووقائعه مع مرور الوقت الأمر الذي سيقود بلا أدنى شك الى اعترافات متتالية ستطال حتما شخصيات أردنية وعربية كبيرة ومؤثرة الأمر الذي بدأت معه بعض هذه الشخصيات بالضغط على مراكز النفوذ والقوى بالتوسل والطلب الى العاهل الأردني بوقف هذه المحاكمة.

الأسباب التي يبديها هؤلاء الخائفون أو "زمرة الفساد" التي وصف بها الملك عبد الله بعض المحالين أو المتوقع إحالتهم على المحاكمة هي في الحقيقة خوفهم على أنفسهم وأموالهم وما سرقوه أو سطوا عليه عنوة أو خلسة أو خدعة أو سمسرة ممن تعبوا حتى حصلوا على أموالهم. ولكن يغلفون كل ذلك من باب حرصهم على الأردن والاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي فيه ويرددون مقولة "إذا فتحنا ملف الفساد فان ذلك سيجعل مستثمرين كثيرين يفكرون ألف مرة قبل اتخاذ قرار بالاستشمار في المملكة" حسب زعمهم.

إلا أن الوقائع تدحض هذه الادعاءات لأن الملك عبد الله الثاني يريد أن يعرف الناس وأن يحصلوا على المعلومات وأن لا يتم التستر على الفاسدين وأن تتم المحاكمة بشفافية وجدية وحيادية ونزاهة.

إجماع على الترحيب ومخاوف!

ولعل الغريب فيما يجري في الأردن هذه الأيام هو أن نجد وللمرة الأولى الأحزاب والنقابات المهنية والتجمعات السكانية والشيوخ والأشخاص العاديين يصدرون البيانات ويدبجون المقالات مديحا واحتراما وتقديرا لهذه الخطوة التي أقدم عليها الملك عبد الله.

ويطلب هؤلاء في بياناتهم التي تنشرها الصحافة تباعا أو تذاع في التلفاز الأردني الحكومي أو في الإذاعة أو من خلال نشر إعلانات مدفوعة الثمن في الصحف، الملك بالضرب بيد من حديد على الفاسدين والمفسدين الذين أثروا بين ليلة وضحاها دونما سابق إنذار وكأن كنزا سقط عليهم فجأة من السماء.

هذه القضية التي تأخذ حيزا كبيرا من وقت الصالونات السياسية في كافة أرجاء المملكة الأردنية الهاشمية طغت وتطغى بشكل غير مسبوق على انتفاضة الأقصى في فلسطين وأحتلت في كثير من الأحيان الأولوية في حوارات الناس وأحاديثهم وخاصة في أوساط النخبة والمثقفين منهم.

ولا أحد يستطيع أن يتكهن إلى أي مدى ستقود هذه القضية المنظورة الآن أمام المحاكم إلا أن هناك من يبدي قلقه من وصول هذه المحاكمة إلى حد ما وعندها تتوقف ويعود فيروس الفساد ليستشري بقوة أكثر في جسد المجتمع الأردني ليصبح مؤسسيا أكثر من ذي قبل ولكن الاحتمال هذا ضعيف خاصة وأن الملك عبد الله، ومنذ مجيئه للحكم في شهر شباط من عام تسعة وتسعين، شدد على المصارحة والمكاشفة وأن يشعر الناس بالخطوات التي يحققها لهم
على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي أو التنموي أو محاربة الفساد واقتلاع جذور الفقر والبطالة.

إلا أن هذه القضية إذا أخذت مداها ووصلت الحد الذي يريده العاهل الأردني، فان رموز الحكم السابقين ومراكز النفوذ وأصحاب الوجاهات وذوي التأثير سوف يصغرون جميعهم أمامه كونهم فاسدين ومفسدين. وعندها سيأتون إلى الملك عبد الله وقد انكشف سرهم يطلبون منه السماح والغفران ليعودوا بالنسبة له تلاميذ في مدرسته فلا أحد يستطيع أن يدعي بعد ذلك أنه كبير.

قضية غير مسبوقة

إن إحالة الملك عبد الله الثاني الأعيان والوزراء السابقين وكبار المسؤولين إلى القضاء تعني بصريح العبارة أن لا أحد فوق القانون وأن الجميع تحت المساءلة ولا أحد يشكل منطقة حمراء لا يمكن تجاوزها عندها يتساوى الناس.

وبالتالي قد تقود هذه المحاكمة إلى استحقاقات اجتماعية وسياسية أخرى غير واضحة المعالم الآن وقد تتبدى في المستقبل في الوقت الذي كان من الصعب تمرير مثل هذه الاستحقاقات لو لم تتم مثل هذه المحاكمة.

ويتحدث كثيرون عن وجود دوافع خارجية جعلت الملك عبد الله يتخذ قرار إحالة تلك الشخصيات إلى المحاكمة إضافة لاحتمالية وجود تأثيرات من الجيران سواء من السلطة الفلسطينية أو من العراق. في حين أن حديثا آخر يعلو ويخفت أن هناك خوفا من وجود عمليات غسيل أموال تجري داخل الأردن وأنها قد تكون وصلت حدا لم يعد من الممكن السكوت عليه. إلا أن هذه كلها تظل مجرد احتمالات يمكن أن تثبت الأيام أنها ليست صحيحة أو أنها مجانبة للصواب.

المهم أن هذه القضية هي الأولى من نوعها التي يشهدها الأردن منذ نشوئه عام 1921 وهي قضية غير مسبوقة تماما نظرا لأن المحالين على المحاكمة والمحجوز على أموالهم والممنوعين من السفر هم شخصيات فاعلة وذات تأثير قوي في المجتمع.

وفي انتظار معرفة الحجم الحقيقي للقضية، بدأت تظهر مقالات تتحدث بالأرقام عن حجم فساد كانت تقوم به هذه الشخصية أو تلك وهو الأمر الذي قد يقود في المستقبل إلى حرب اغتيال الشخصية المدنية أو الاعتبارية وربما إلى بعض عمليات تصفية الحسابات بين هذه الجماعة المتنفذة أو تلك.. وعندها الله وحده يعلم إلى ماذا ستؤول الأوضاع!

حمدان الحاج - عمّان

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×