تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

قمة تونس.. تحديات الجدية والالتزام

أعلام الدول العربية في أجواء العاصمة التونسية التي انعقدت فيها القمة الأخيرة يومي 22 و23 مايو 2004

(Keystone)

ماذا بعد القمة؟ وهل ستوضع قراراتها في ثلاجة التطبيق المعتادة والتجاهل المشهود له عربيا، أم سيكون هناك نصيب من الجدية يدفع ببعضها إلى تطبيقات عملية؟

هذا التساؤل ليس جديدا في حد ذاته، فقد رُفع تقريبا في مواجهة كل قرارات القمم العربية السابقة لكن الظروف الحالية تزيد من حدته وأهميته.

أخيرا، عقدت القمة العربية في تونس، وجاء مجرد الانعقاد ليرضي جزءا من التطلعات العربية التي ربطت بين انعقاد القمة من جانب، والحفاظ على الجامعة العربية من جانب آخر، والفرص المستقبلية الممكنة لتطوير العلاقات العربية البينية من جانب ثالث.

وهذا الانعقاد، أحاطت به تيارات مضادة كثيرة، بعضها ذاتي عربي المصدر، والآخر خارجي معروفة أهدافه ومراميه بضرب النظام العربي والإجهاز عليه إن أمكن.

لذا، يمثل الانعقاد في حد ذاته خطوة ناجحة، فعلى الأقل أعطت الأمل بأن النظام العربي يمكن أن يواجه الضغوط، إذا توافرت له الإرادة لذلك، ويبقى عليه أن يطور نفسه ويعيد اللحمة إلى أطرافه.

ربما لا ترضي القرارات التي اعتمدتها القمة طموح الكثيرين من المتطلعين دائما لأن يكون النظام العربي أكثر قوة ورسوخا، ومتجها إلى الأمام بثقة واقتدار، ومن الطامحين بأن تتوافر للنظام العربي القدرة والموارد على أن يكون لاعبا مُـهمّـا في سياسات المنطقة ككل، وفي الحفاظ على المصالح العربية الجماعية.

وكل من التطلع والطموح مشروعان، وبدونهما كان ضغط الرأي العام العربي بشأن انعقاد القمة غير ميسور، وربما عبّـر الانعقاد بعد فترة وجيزة من التأجيل على أن قوة الرأي العام العربي باتت متغيرا أساسيا في السياسات العربية الجماعية يصعب على القادة العرب تجاهلها، وأنه يمكن بها وعبرها موازنة الكثير من التيارات المعاكسة للمصالح العربية الجماعية.

ثلاجة التطبيق والتجاهل

مع الانعقاد وتبلور جملة وثائق وبيان ختامي وقرارات ذات مضامين شتى، يعود الحديث مرة أخرى إلى ماذا بعد القمة، وهل ستوضع قراراتها في ثلاجة التطبيق المعتادة والتجاهل المشهود له عربيا، أم سيكون هناك نصيب من الجدية يدفع ببعض هذه القرارات إلى سياسات وبرامج وتطبيقات عملية؟ هذا التساؤل ليس جديدا في حد ذاته، فقد رُفع تقريبا في مواجهة كل قرارات القمم العربية السابقة إلى الحد الذي بات معروفا أن فجوة الجدية والتطبيق تُـعد لازمة من لازمات النظام الإقليمي العربي، وأنها سبب أصيل في تعثر مسيرة النظام العربي في العقود الخمسة الماضية.

ومعنى الفجوة ببساطة، أن المصالح القُـطرية عادة ما يكون لها الأولوية على المصالح الجماعية، وأنه لاعتبارات التوافق العام، الذي هو أساس اتخاذ القرارات في الجامعة العربية، عادة ما توافق القيادات العربية على الكثير من القرارات والوثائق العربية الجماعية أثناء لقاءات القمة، ثم ما تلبث أن تجد الأعذار من أجل الهروب من موجبات التطبيق والالتزام، وإن لم يكن هناك عذر مقبول ومقنع، يكون التجاهل هو سيد الموقف.

وطوال مسيرة النظام الإقليمي العربي، صدرت ترسانة من القرارات العربية الجماعية بالإجماع تقريبا، وكان نصيبها التجاهل والهروب من مستحقاتها بالإجماع أيضا. لذا، يبدو النظام العربي دائما في عيون المجتمعات العربية وكأنه يدور في الركن ذاته، وإن تحرك إلى الأمام، فهو تحرك بطيء للغاية، ولا يتناسب مع الضغوط والتحديات المختلفة، ولا يتناسب أيضا مع التطلعات العربية نفسها. والتساؤل بشأن فجوة الجدية مازال مطروحا بالنسبة لقرارات قمة تونس، وهنا يكمُـن أحد أهم التحديات التي تواجه قرارات القمة مستقبلا.

وثمة أضلاع ثلاثة لهذا التحدي المستقبلي، كل منها مرتبط بالآخر على نحو وثيق، ويتوقف على تفاعلها السلس مع الكثير من فرص تطوير النظام العربي وتماسكه وتجاوزه لمرحلة الخطر التي يعاني منها منذ سنوات، والمرشحة لأن تستمر سنوات أخرى مقبلة، إذا ظلت وتيرة الالتزام والجدية على حالها المعتاد، ولكن العكس أيضا صحيح.

إصلاح الجامعة كيف ومتى؟

يتعلّـق الضلع الأول والأهم بإصلاح النظام العربي ذاته، عبر إصلاح مؤسسته الأم، أي الجامعة العربية، بحيث يتم تطوير الأجهزة والهيئات الإقليمية العربية المتخصصة، وضمان تنفيذ الأعضاء التزاماتهم، وأن يكون هناك مجال مؤسسي للتنسيق والتشاور في مجالات الأمن والدفاع والشؤون الخارجية، واستكمال منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى، وفي كل هذه المجالات، تثور قضية تغيير الميثاق حتى يكون متوائما مع المتغيرات الكبرى التي شهدتها المنطقة العربية والعالم.

وحسب وثيقة العهد والوفاق والتضامن بين القادة العرب، التي تمت الموافقة عليها من قبل القادة ووقع عليها وزراء الخارجية، فثمة ثلاث مهام كبرى بانتظار الجامعة وأعضائها معا لإنجاز الأهداف المشار إليها. الأولى، إدخال التعديلات اللازمة على الميثاق وفقا للمادة 19 منه، وأن يكلف مجلس الجامعة على المستوى الوزاري بإعداد هذه التعديلات وصياغتها بناء على المشاريع المُقدمة من الأمين العام خلال ثلاثة اشهر، ثم تقدم في صورة نهائية للتصديق عليها في قمة الجزائر المقبلة في مارس 2005.

مثل هذه المهام تعني أن الفترة المقبلة لابد وأن تكون فترة عمل حقيقي يقوم على مبدأ التعاون الوثيق والمتراكم بين الأمانة العامة للجامعة، وبين كافة أعضاء الجامعة، وذلك دون إهمال الجهود والأفكار والمقترحات التي قُدمت من قبل وحدث عليها قدر من التوافق العام، وإن بقي أن تصاغ في صورة قانونية نهائية قابلة للإدماج في صلب الميثاق أو في صورة بروتوكولات إضافية له.

وفي كل هذه المهام، سيكون النظام العربي في حال اختبار حول مدى الجدية والالتزام، لعله يعطي مؤشر على النوايا الحقيقية التي يضمرها الكثيرون لمستقبل العمل الجماعي، ومدى الالتزام بقيمة إصلاح النظام وتطويره.

إصلاح داخلي ووعود كثيرة.. ولكن!

يأتي تحدي الإصلاح الداخلي في كل بلد عربي على حدة بمثابة تحدي مزدوج، شقه الأول، مرتبط بهذا البلد العربي أو ذاك، وشقه الثاني، ناتج عن العلاقة الجدلية والعضوية بين حيوية المجتمعات العربية من جهة، وبين إصلاح النظام العربي ككل من جهة ثانية، ناهيك عن أن ضغوط الإصلاح لم تعد قاصرة على مطالب عربية داخلية، بل باتت مطالب وخطط واستراتيجيات دولية معلنة، وتتوافر لها أدوات التنفيذ الطوعي، كما تتوافر لها سبل الإكراه السياسي والمعنوي والاقتصادي والعسكري حين الضرورة.

والجانب الأخير يجرنا مباشرة إلى المشروع الأمريكي الخاص بالشرق الأوسط الكبير، والمزمع بلورته في صورة نهائية في قمة الدول الثمانية الأكثر تقدما اقتصاديا، ومن ثم تتحول إلى استراتيجية دولية بكل معنى الكلمة.

وحين يُـصدر القادة العرب وثيقتهم المعنونة "مسيرة التطوير والتحديث والإصلاح"، ويتعهدون بإجراء إصلاحات شاملة في بلدانهم، فهنا يصبح التساؤل: هل تعبر هذه التعهدات عن إيمان وقناعات حقيقية، أم أنها مجرد التفاف سياسي على الضغوط الخارجية والداخلية معا؟ وهل ستكون هذه التعهدات بداية لتحويلها إلى تكليفات حكومية واضحة في صورة برامج وسياسات وتطبيقات مختلفة، أم سيتم الاكتفاء بإعلان النوايا وكفى؟

وقد يمكن للقادة العرب أن يقولوا إنهم بذلك أفصحوا علنا عن نواياهم الطيبة تجاه إصلاح نظمهم ومجتمعاتهم التي يقودونها، ولكن يظل هناك تحدي تحويل تلك النوايا إلى واقع حي مدفوعا بآفاق وطموحات تعكس مطالب الداخل بالدرجة الأولي، ومن ثم تُـغلق أبواب التدخلات الخارجية، والتي نراها مفتوحة على مصراعيها، حيث يستعد الغرباء بالدخول، وملامح الجدية والقسوة على كل شيء معهم.

وفي كل الحالات، يمكن القول أن تعهد القادة بالإصلاح بات سيفا ذي حدين، فإما أن يتحول التعهد إلى عمل وجهد وانفراجات حقيقية، وإما يظل حبيسا مرحلة النوايا الطيبة.

الأول، سيرفع القادة والمجتمعات ويجنبها ضغوط الخارج، والثانى، سيزيد من فجوة المصداقية المتزايدة بين القادة وبين شعوبهم، ويجعل من خيار الإصلاح الخارجي مطلبا شعبيا لا مفر منه، وقد يتطرف البعض باعتبار أن الأمل هو التغيير القسري.

الحدان موجودان بنفس الدرجة، ويبقى الميل إلى أحدهما مرهون بجدية القادة والنخب الحاكمة معا.

الرأي العام العربي .. هل يتابع؟

إذا كانت هناك مسؤولية أكبر على القادة والنخب وعلى مؤسسات النظام العربي للتطوير والإصلاح وسد الذرائع والفجوات أمام الغرباء، فإن مسؤولية الرأي العام العربي لا تقل أهمية، وهي ما يمكن أن يتبلور في جهد متواصل من منظمات المجتمع المدني والقوى السياسية والأحزاب والمؤسسات الإعلامية الحكومية والخاصة معا، وفي المقدمة المفكرون وقادة الرأي والنخب الثقافية، وحتى الفنية أيضا بما لها من شعبية وحضور وقدرة على توجيه الرأي العام، وذلك من أجل متابعة مطالب الإصلاح وتنمية الضغوط على النخب الحاكمة، ومن أجل مزيد من الجدية الحكومية ومزيد من الالتزام، وتنمية روح المحاسبة في مجال تحويل النوايا، وما ورد في الوثائق العربية إلى سياسات وبرامج.

وكما كان الرأي العام موجودا بقوة وراء سرعة انعقاد قمة تونس بعد تأجيلها، فإنه قادر على لعب دور إيجابي في مسيرة الإصلاح العربي، شريطة الوعي بحدود هذا الدور وإمكاناته.

لقد بات على الرأي العام أن يُـحول نقده من مجرد الشكوى والاعتراض والشك إلى ضغط إيجابي يقوم على المحاسبة وطرح الأفكار العملية والمتابعة الدقيقة، وبذلك، يكون جزءا من عملية الإصلاح، بدلا من أن يكون على هامشها مكتفيا بالانتظار والرجاء.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك