تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

كارثة طبيعية ام "أخطاء بشرية"؟

يتساءل المراقبون عما إذا كان لإغلاق الحكومة الجزائرية للقنوات الأرضية اثناء حملتها ضد الجماعات المسلحة يد في الكارثة التي تعايشها البلاد

(Keystone)

نتج عن الامطار الغزيرة التي تساقطت على العاصمة الجزائرية طيلة الأيام الثلاثة الأخيرة مئات القتلى في حي باب الوادي الشعبي، دون غيره من أحياء العاصمة. وكان للعدد الكبير من الضحايا، وقع الصدمة على سكان الجزائر. إلا أن الأمطار الطوفانية وحدها، لم تُقنع الجزائريين ولا الصحافة الجزائرية، بأنها السبب الوحيد الذي كان وراء كارثة حي باب الوادي الشعبي، فالأخطاء البشرية "على ما يبدو" كانت وراء نسبة كبيرة مما جرى.

عاش حي باب الوادي الشعبي، ساعات مرعبة، لم يعرفها من قبل على الإطلاق. فقد شاهد سكان الحي على سبيل المثال، شاحنة ثقيلة لا يتحكم فيها سائقها تنحدرُ محمولة، وسط تيار مائي، بسرعة جنونية مُُحاطة بالطين والأوحال، مُتجهة نحو إحدى العمارات الكثيرة في حي باب الوادي، لترتطم الشاحنة بأحد البيوت ويُُقتل سائقُها رفقة كل أفراد العائلة التي ارتطمت بها الشاحنة.

كما شاهد سُكان باب الوادي، عشرات الشاحنات والسيارات والباصات، وسيلاً من الماء يُشبه فيضان نهر، ووسط النهر عشرات النساء والأطفال والرجال، بعضهم يصرخ، طالبا النجدة، وبعضهم جثة هامدة من دون ثياب، والسيل يجرف الجميع صوب البحر، لترتطم جثث بالعمارات وأُخرى يُلقى بها في البحر.

ولأن السيل استمر طيلة ليلة الجمعة إلى صباح يوم السبت، فقد جرف أمامه ما لايُحصى من البشر والمعدات وكميات هائلة من التراب والطين واختلط البشر، بالطين والرمال والبيوت المهدمة ومحركات السيارات وسلع السوق الشعبي، الذي يقع عند نهاية طريق وادي قريش، الذي كان يُمثل المدخل الشمالي لحي باب الوادي، فالسوق جرفه السيل هو الآخر.

أما أحياء العاصمة، فكانت طبيعية تماما، عدا حي تلملي، الذي تشابهت أوضاعُه مع ما جرى في حي باب الوادي، من حيثُ تكدسُ السيارات فوق بعضها، وسط الأوحال، و لكن من دون أية خسائر بشرية.

هل تسبب إغلاق القنوات الأرضية في الفيضان؟

من جهتها، أعلنت الحكومة أن ما جرى يُعتبر كارثة وطنية قامت وزارة الداخلية بإحصاء ما مجموعه، مائتي قتيل عشية يوم السبت، كرقم أولي. وعلى الفور، طلب رسميون جزائريون مُساعدة المجتمع الدولي.

ومع مرور الوقت، تبين أن الأمطار الغزيرة لم تؤثر، بهذا الشكل على غير حي باب الوادي وسط العاصمة الجزائرية. ثم بدأت الحقائق تتضح شيئا فشيئا، وأن السيل الهائل الذي اجتاح شوارع بأكملها لم يكن غير فيضان، وادي سيدي مجبر، الذي كان من المفروض أن يجري تحت الأرض، في مجاري بُنيت له خصيصا في العهد الفرنسي، ليصب بعدها الوادي و لو كان فائضا، في البحر المتوسط.

ويجري وادي سيدي مجبر، من أعالي العاصمة إلى أسفلها، بمسافة تُقدر بحوالي اثني عشر كيلومترا، مما يُفسر القوة الهائلة للسيل الذي اجتاح باب الوادي. إلا أن وادي سيدي مجبر لم يأخذ مسلكه تحت الأرض، بسبب قرار اتخذته وزارة الدفاع الجزائرية، قبل عامين، بإغلاق القنوات الأرضية، لأنها كانت تُستعمل من قبل الجماعة المسلحة التي كان يقودها: سليم خليفي، المدعو: فليشة.

وصدرت الكثير من تعليقات الصحف الجزائرية يوم الاثنين مُُذكرة بقرار الإغلاق، ونتائجه المرعبة. والواقع أن قرار إغلاق ممرات وادي سيدي مجبر، اتخذ من دون استشارة أحد من المختصين، وعلقت يومية ليبرتي قائلة: "لماذا لا تفتح هذه القنوات الضخمة، مادامت الحكومة تُؤكد أن الإرهاب قد اشرف على نهايته؟."

إلا أن المراقبين، يرون أن قرار فتح القنوات الأرضية، ستتخذه وزارة الدفاع من دون استشارة أحد، لأنه لا يوجد في التقاليد السياسية الجزائرية شيء اسمه إجبار وزارة الدفاع على شيء...

مخاوف لدى صناع القرار السياسي

ومن المتوقع أن يُثير الوضع في باب الوادي مخاوف لدى صناع القرار الجزائري، لأن ما حدث في هذا الحي الشعبي، "الفقير أصلا"، منبعه خطأٌ بشري فادح، يتحمل مسؤولياته الأولى الشخص الذي وقع على قرار إغلاق القنوات الأرضية التي يمر بها وادي سيدي مجبر. ولا يبدو أن الرئيس الجزائري سيتسامح مع ما حدث. فمع مرور الوقت، لم يعد ما جرى في باب الوادي كارثة وطنية فقط، بل وأيضا، شيئا يُشبه فيضان قنوات صرف المياه.

كما أن الغضب الشعبي قد يتزايد، مع أن الحكومة سارعت لإيواء من فقدوا مساكنهم، لأن سبب مقتلهم، لم يكن كارثة طبيعية بكل معاني الكلمة.

ولحد الآن، لا زالت جثث يُُجهل عددها تحت الأنقاض مع بطئ شديد في عمليات انتشال القتلى، من البحر، أو من تحت الردم، كما بدأت الروائح الكريهة تتصاعد من الجثث المتعفنة وسط الأحياء السكنية التي لم يمسها، سيل وادي سيدي مجبر، الذي جرى في مجرى طبيعي، عُرف به قبل مئات السنين، وبسبب وادي سيدي مجبر، سُُمي حي باب الوادي بهذا الاسم، إلا أن الوادي صادف هذه المرة عوض الحصى الذي تُعرف به وديان الجزائر، بشرا و بنايات و آلات، والحل الوحيد لتجنب كارثة يوم السبت الماضي، هو فتح القنوات الأرضية، مهما كانت الأسباب والذرائع، فقتل جماعة إرهابية للمواطنين، ليس كقتل الدولة لمواطنيها...


هيثم رباني/ الجزائر

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×