تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

لا أحد يعلم من سيكون الرئيس...

يرى معظم المراقبين أن الصراع سيتركز بين عبد العزيز بوتفليقة وعلي بن فليس .. لكن كل الإحتمالات تظل قائمة!

(swissinfo.ch)

اختتمت مساء الإثنين الحملة الانتخابية لسباق الرئاسة الجزائرية في ظل غموض غير مسبوق يلف هوية الرئيس المقبل للبلاد.

وفي ظل تعدد التكهنات والإحتمالات بعدم حسم الأمر منذ الدور الأول، يظل تعهد الجيش بالبقاء على الحياد سابقة لافتة.

انتهت الحملة الانتخابية لسباق الرئاسة الجزائرية بجهل تام لهوية الرئيس المقبل.

وللدلالة على وضعه الصعب، قال عبد العزيز بوتفليقة فيما يُشبه خطبة الوداع لمؤيديه في ولاية خنشلة "قد لا ألتقي بكم بعد هذا اليوم". البعض اعتبره كلام مودع والبعض الآخر رأى فيه استعطافا لجماهير كثيرة احتارت من كثرة المتنافسين.

يعتبر الكثيرون أن الحملة الانتخابية أثبتت نتيجة الاستقطاب التي مورست على الشعب الجزائري من قبل متنافسين اثنين لا ثالث لهما، وهما الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وعلي بن فليس، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني.

كلا الرجلين اعتبر نفسه رئيسا وجعل الحملة الانتخابية وسيلة لشن حرب شعواء على الآخر. وعندما يستمع المرء إلى خطابات الرجلين المتناقضة، يتخيّـل أنهما لا يعرفان بعضهما البعض ولم يعملا معا إطلاقا. فكلاهما يصف برنامج خصمه بالخراب.

ونتج عن هذا وضع مرضي غريب لأن المرشحين أبلغا للناخبين بطرق ملتوية كثيرة بأن الجيش يقف معهما، وبما أنه من المؤكّـد أن أحدهما لا يقول الحقيقة، ظل الشك يحُـوم حول كلامهما جميعا بما أن الدليل مفقود على صحة الإدعاء. أما الجيش، فقد أكّـد مرارا أنه محايد، ووصل الأمر بقيادة الأركان إلى أن حظر على الضباط وضباط الصف والجنود مجرد الحديث عن السياسة داخل الثكنات.

شكاوى وتجاوزات

ووسط سياسة الاستقطاب والدعاوى بالحصول على دعم الجيش، نشط المرشحون الأربعة الباقون بكل جدية، وكانت تجمّـعاتهم مليئة بالمناصرين والفضوليين، وأكمل الشيخ سعد عبد الله جاب الله سلسلة تجمّـعاته بلقاء تاريخي وسط العاصمة، أظهر قوة مؤيّـديه وقوة التيار الإسلامي بشكل عام. فقد امتلأت قاعة حرشة حسان وسط العاصمة بآلاف المؤيدين، ولم يختلف تجمّـعه عن ذلك الذي نظمه بوتفليقة.

في نفس الوقت، اشتكى المرشحون الخمسة من تجاوزات أنصار الرئيس الذين لم يفهموا في غالبيتهم تجمّـع الناس خلف أشخاص غير رئيس الجمهورية، ليظهر انقسام المجتمع الجزائري بين الداعين إلى الحرية السياسية والمدنية، وبين آخرين يريدون الوصول إلى حالة من الاستقرار تحت سقف الطمأنينة التي يوفّـرها - برأيهم - رئيس جمهورية قوي.

لم يحرك المجلس الدستوري ساكنا وترك الأوضاع تسير على ما هي عليه. فلم يجب المتظلمين من جور أنصار الرئيس، ولم يقل للرئيس شيئا، كما أن المجلس لم يرد الفعل عندما أقدم أنصار المرشحين على الرد الصاع بصاع مثله.

وعندما سكت المجلس الدستوري، صمتت اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات الرئاسية التي انتقدها المرشحون الخمسة، وقالوا بأنها تقف وراء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بطريقة أو بأخرى.

وبعد نهاية الحملة الانتخابية مساء الإثنين 5 أبريل، توقف معها اللغط والجدل السياسي والضوضاء التي واكبت حالة كهذه، وشـُدت الأبصار إلى تساؤل رئيسي تقدم على معرفة هوية الفائز، وهو: هل سيُنظّـم دور ثان أم لا؟

خلافات كبيرة

لا يريد أنصار الرئيس ولا بوتفليقة نفسه الوقوع في مخالب وحش الدور الثاني، لأن الإجماع حاصل على أن وصول بوتفليقة إلى الدور الثاني معناه مغادرة قصر الرئاسة. في المقابل يسعى كل من بن فليس وجاب الله وحنون وسعيد سعدي ورباعين، أن ينتهي الجزائريون من فضيحة فوز رجل واحد بكل شيء منذ الدور الأول للرئاسيات.

إنه سباق ضد الزمن، يرى فيه البعض سباقا ضد التاريخ لأن وصول بوتفليقة إلى الرئاسة معناه - حسب رأيهم - رؤية رجل من الحرس القديم الذي شارك في ثورة 1954 يحكم البلاد إلى عام.. 2009!.

ويعتبر أنصار بن فليس وباقي المرشحين هذا السيناريو كابوسا مروعا، لأن الحسابات السياسية تقتضي أن يكون الساعد الأيمن لبوتفليقة خلال الفترة القادمة في حالة فوزه، رئيس الحكومة أحمد أويحيى الذي يطمح للفوز بالرئاسة بعد بوتفليقة، مما قد يعني أيضا أن الجزائر قد يحكمها رجل فاقد الشعبية إلى غاية 2014..

لذلك، أضحت انتخابات 8 أبريل 2004 مؤشرا على مستقبل البلاد في السنوات العشر المقبلة. ومن المعلوم للجميع أن الخلافات القائمة بين أنصار بوتفليقة وأنصار المرشحين الباقين كبيرة جدا ويشمل عدة ميادين كالسياسة والإعلام والاقتصاد.

وعــــود ولـغـط وتساؤل

لقد وعد المرشحون الخمسة بفتح المجال السياسي، وبالنظر في إلغاء حالة الطوارئ، وفتح الإعلام السمعي البصري أمام القطاع الخاص. أما بوتفليقة، فقال بالحرف الواحد أمام ملايين الجزائريين في لقاء جمعه بالصحفيين في التلفزيون الوحيد الذي تملكه الدولة، بأنه لن يفتح مجال العمل السياسي، ولن يسمح بقنوات إذاعية وتلفزيونية خاصة. وأضاف بوتفليقة في تجمعات أخرى أنه سيحاسب الصحفيين أصحاب الأقلام المسمومة العملاء للغرب، والمعادون لمبادئ الأمة.

واعتبر البعض أن هذا الكلام دعوة لقتل رجال الإعلام. لذلك، انقسمت الأسرة الإعلامية الجزائرية بين مؤيد لبوتفليقة ومعارض له أشد المعارضة، لأن قلمه قد يكسره بوتفليقة الغاضب من النقد المستمر الموجه له، وقد يزج بالصحفيين في السجون بدعوى توفر الشرعية الديمقراطية التي أوصلت بوتفليقة إلى الرئاسة بنسبة 53%، وهي النسبة التي قيل بأن مستشارين كبارا في الدولة الجزائرية اقترحوا على وزير الداخلية أن يُـعلنها على الجزائريين يوم 9 أبريل الحالي. تسريب كهذا، ولّـد لغطا كبيرا وسط الطبقة السياسية التي ترفض فكرة أن بوتفليقة بإمكانه الفوز في الدور الأول مهما كانت الظروف.

ولقائل أن يقول، ما سر قول بوتفليقة في اليوم الأخير من حملته الانتخابية: "على الجيش أن يعود إلى ثكناته، وعلى كل واحد أن يعرف واجباته الدستورية". هل هذا هجوم على الجيش، أم أنه مجرد كلام أُلقي على جمهور متحمس يريد سماع الكلام القوي من رجل مثَـله الأعلى هو الرئيس الراحل العقيد هواري بومدين؟

جبهة الإنقاذ.. تنتظر

أبلغ العارفون بخبايا الأمور سويس إنفو أن بوتفليقة يئِـس من دعم الجيش، لأن جنرالات الجيش، كما يحلو للبعض تسميتهم، أمروا جنودهم وضباطهم بعدم الخوض في السياسة وأعطوهم الحرية المُـطلقة في التصويت لمن يشاؤون يوم 8 أبريل.

كما علمت سويس إنفو أن الناخبين في الجيش الجزائري صورة طبق الأصل تقريبا للناخبين المدنيين، ففيهم من يدعم بوتفليقة، وفيهم من سينتخب على بن فليس، وفيهم الإسلامي كما أن فيهم الشيوعي وغير المهتم بالسياسة أصلا.

صحيح أن الانتخابات التي عرفتها الجزائر فيما مضى، كانت تشهد انتقاء الجيش لمرشح يُختار بعناية لا يعدو أن يكون "صاحب الفخامة"، أما الآن فقد تغيّـرت الأوضاع.

أما بالنسبة للجبهة الإسلامية للإنقاذ، فإن الأمور لم تتغيّـر. فقد رفضت الجبهة خلافا لآمال بن فليس وبوتفليقة وجاب الله وباقي المرشحين دعم أي منهم، وفضلت انتظار شيء مهم بالنسبة لها، وهو فشل المتسابقين في الفوز خلال الدور الأول، للإعلان عن اختيارها في الدور الثاني.

وقال زعماء الجبهة الإسلامية، ومن بينهم عباسي مدني وعلي جدي في بيان لهم، بأن الدور الثاني دليل على بداية تحسن الأوضاع، وفي ذلك الحين، قد تتّـخذ الجبهة موقفا مخالفا. كما رفضت الجبهة تشجيع الجزائريين على التصويت، وقد يعني هذا خفوت صوت الإسلاميين في الإقتراع لأن الغالبية العظمى من أنصار الجبهة كانوا ينتظرون موقف قادتهم من الانتخابات بشكل عام.

ويبدو أن الخاسر الأكبر، بالإضافة إلى كل المرشحين، هو الشيخ عبد الله جاب الله، زعيم حركة الإصلاح الذي وضع في صف باقي المرشحين العلمانيين ولم يشفع له كونه إسلاميا، كي لا يحظى بعلامة "نقص الثقة" التي وصم بها بيان الجبهة كل المرشحين دون استثناء.

احتمالات وتكهنات

ومن ناحية أخرى، تناقضت استطلاعات الرأي التي نشرتها الصحف الجزائرية أثناء سير الحملة الإنتخابية. فمن كان مؤيدا لبوتفليقة قال عنه بأنه هو الفائز لا محالة، وهكذا قيل بالنسبة لباقي المرشحين، أما السبب الرئيسي لهذه الفوضى فيعود إلى عدم توفر مؤسسات محايدة ومعتمدة لسبر الآراء تحظى بثقة المواطنين والطبقة السياسية بشكل عام.

ومع أن توقعات الكثيرين تنصب حول إمكانية إجراء دور ثان، إلا أن فوز بوتفليقة في الدور الأول ممكن الحدوث، ولو بنسبة قليلة، لتنحصر بعد ذلك توقعات المراقبين في الشكل التالي: يُحتمل أن يلتقي بوتفليقة في الدور الثاني (على الأرجح) مع علي بن فليس، ثم مع الشيخ عبد الله جاب الله، ثم مع الدكتور سعيد سعدي، ثم مع لويزة حنون، زعيمة حزب العمال. أما الاحتمال الأضعف فهو تنافس بوتفليقة في الدور الثاني مع علي فوزي رباعين، زعيم "عهد 54".

أما بالنسبة للتحالفات المرتقبة، فستكون على الشكل التالي: إذا ما التقى بوتفليقة مع بن فليس، فسيتحالف باقي المرشحين مع بن فليس ضد بوتفليقة، ولا زال موقف لويزة حنون غير معلوم لكن يجدر التذكير بأنها تلقّـت دعم رئيس الحكومة أحمد أويحيى، حليف بوتفليقة في انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة، كما ساعد أويحيى حزب العمال في الفوز بمقاعد في مجلس الشيوخ عبر تصويت نواب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه أويحيى لصالح نواب حزب العمال. لذلك يظل موقف السيدة لويزة حنون، التي يجب أن ترد جميل رئيس الحكومة، في حكم المجهول رغم أنها تعارض سياسات بوتفليقة بشدة.

وإذا ما التقى بوتفليقة بالشيخ عبد الله جاب الله، فسيجد العلمانيون والوطنيون أنفسهم مضطرين لدعم بوتفليقة، لأن دوائر كثيرة بدأت منذ الآن في تشبيه سيناريو وصول الشيخ إلى رئاسة الجمهورية بما حدث في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة عندما التقى جاك شيراك مع زعيم اليمين الفرنسي المتطرف جان ماري لوبان في الدور الثاني. فقد تحالفت حينها كل الطبقة السياسية الفرنسية لدعم شيراك، من أجل قطع الطريق على وصول زعيم "الجبهة الوطنية" إلى قصر الأيليزي.

أما إذا التقى بوتفليقة مع سعيد سعدي، وهو احتمال أضعف من لقاء بوتفليقة مع كل من بن فليس وجاب الله، فقد تعرف الجزائر نعرة جهوية خطيرة لأن مشاعر الجزائريين تجاه احتمال وصول قبائلي إلى رئاسة البلاد يظل مجهولا، رغم أن الجزائر حكمها بربر الشرق (المعروفين بالشاوية) أكثر من مرة، مثل الرئيس الراحل هواري بومدين، والرئيس السابق ليامين زروال، ولا يمكن الجزم هنا لصالح من سيُـصوت الجزائريون، حيث لا يتردد البعض في وصف هذا الإحتمال بحالة "المستجير من الرمضاء بالنار".

وفي حالة لقاء بوتفليقة مع لويزة حنون، فسيكون الخيار صعبا وحساسا لأن المتنافس الأول رجل، والثاني سيدة، ولا يُعرف ما إذا كان مُـعظم الجزائريين سيرضون بسيدة تحكمهم.

أما الاحتمال الأخير، وهو أضعف الاحتمالات جميعا، يتمثل في تنافس بوتفليقة مع علي فوزي رباعين، وهنا قد يصوت الكثير من الجزائريين لغير صالح بوتفليقة، كما قد يفعلون مع علي بن فليس.

طـعـم خــاص

وفي واقع الأمر، فإن مثل هذا الجدل وما يصحبه من احتمالات وسيناريوهات لا يدور إلا داخل الأوساط المهتمة بالشأن السياسي، وعلى الرغم من أهميتها العددية إلا أن هناك ملايين كثيرة من الشباب الجزائري الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و 25 عاما، لا تهمهم الانتخابات الرئاسية ولا تعني بالنسبة لهم أي نفع مادي أو معنوي، وبسبب هؤلاء قد تضعف نسبة المشاركة في التصويت.

من ناحية أخرى، لا يمكن الجزم بأن بوتفليقة سيكون الأول دوما أو أنه سيفوز منذ الدور الأول، لأن إمكانية خسارته في الدور الأول وحلوله ثانيا واردة جدا، وقد يأتي ثالثا وراء بن فليس وجاب الله.

وبسبب الجهل القائم حول هوية الرئيس المقبل للجمهورية الجزائرية وفقدان اليقين التام بشأنه، تكتسب الانتخابات الرئاسية مذاقا وقيمة خاصتين، لأن تنظيمها في جَـو نظيف وخلال دورتين، والخسارة المحتملة لرئيس في الخدمة، قد يعطي دفعة قوية لعملية الإصلاح في البلاد العربية التي ستبرهن - عبر المثال الجزائري - على أنها ليست في حاجة إلى تدخّـل أمريكي أو خارجي، كي تغيّـر من أوضاعها الداخلية.

وهنا يتمنى الكثيرون أن تكون الانتخابات الرئاسية الجزائرية دافعا مشجعا لبلاد عربية وإسلامية أخرى، كي تدخل باب الديمقراطية وحرية الإعلام والسياسة في إطار موروثها الديني والحضاري وفي انسجام مع تقاليدها وأعرافها.

يبقى هذا أملا مدته ساعات قليلة قبل موعد الاقتراع، لأن نجاح أي من المرشحين في الدور الأول، ولو بنسبة 51%، معناه أن "حليمة عادت لعادتها القديمة"، وسيتحول الكلام السابق والاحتمالات السابقة إلى فرضيات قوم حالمين...

هيثم رباني - الجزائر

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك