Navigation

Skiplink navigation

لبنان في 2005: "رقصة خطرة"؟

شهد لبنان في النصف الثاني من عام 2004 ما يصفه البعض بـ "تراجع الخوف وتقدم الجرأة". Keystone

ودّع لبنان عام 2004 وهو يتراقص على شفير الخطر. فهل يشهد عام 2005 استقرارا يُـعيد إليه توزانه، أم أنه سيتعثر ويندفع نحو الهاوية؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 ديسمبر 2004 - 16:24 يوليو,

ستعتمد الأمور على عاملين إثنين مترابطين. الأول، حصيلة التجاذب العنيف الراهن بين دمشق وبين واشنطن وباريس حول لبنان. والثاني، طبيعة الموازين السياسية المحلية في الداخل اللبناني.

على الصعيد الأول، يُـفترض أن يتبيّـن خلال الشهور القليلة المقبلة ما إذا سيكون في مقدور دمشق تلبية، ليس فقط المطالب الأمريكية، بل أيضاً الشروط الأوروبية الشاملة التي أرفقت مع "اتفاقية الارتباط" التي وقعّت مع الاتحاد الاوروبي في 19 أكتوبر، والتي تتطلب من سوريا تعديل سياساتها الخارجية في لبنان، وإزاء التسوية العربية – الإسرائيلية، وأسلحة الدمار الشامل.

وإذا كان ما تريده أوروبا المعتدلة والعقلانية على هذا النحو من الجذرية والشمول، فكيف بأمريكا "البوشية" التي لا يمكن البتة أن "تتهم" بهذا الاعتدال وتلك الشمولية؟

ما تريده بروكسل من دمشق بالشبر، تريده واشنطن منها بالمتر: لا أقل من الاندراج الكامل في الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط الكبير، وهذا يعني تحولّ بشار الأسد الى "قذافي" في مجال أسلحة الدمار الشامل، وإلى "توني بلير" في العراق، وإلى "قرضاي" في لبنان وفلسطين.

وحتى الآن، ليس من الواضح ما إذا كان في وُسع آخر نظام بعثي عربي في المنطقة تحقيق هذه المطالب، وهو يبذل حالياً قُـصارى جهده لاحتواء الجهود الأمريكية الراهنة لإخراجه، عسكرياً وسياسياً، من لبنان، وبالتالي، تغيير موازين القوى في الهلال الخصيب.

إنه ينتظر تراجع حدّة العاصفة، ويُـراهن على عدم إستعداد أمريكا لتغيير النظام السوري بالقوة العسكرية، خاصة بعد تعثّـر المحافظين الجُـدد الأمريكيين في العراق. وإذا ما إستقر لبنان بعد إنتخابات 2005 البرلمانية، فإن فُـرص نفاذ دمشق بريشها ستتقدم، وتهديدات واشنطن لها ستتراجع، أو هذا على الأقل ما تعتقده النّـخبة السورية الحاكمة. لكن، هل تقديراتها في محلها؟

رهانات

كلا، يُـجيب سريعاً أقطاب المعارضة اللبنانية الذين عقدوا قبل 15 يوماً من إنتهاء عام 2004 مؤتمراً حاشداً في فندق البريستول ببيروت، وأعلنوا فيه تأسيس جبهة معارضة موحدة "لخوض معركة الحرية والاستقلال".

فهم واثقون بأن قرار مجلس الأمن رقم 1559 الذي صدر في سبتمبر 2004، ومعه القرار رقم 363 الصادر عن مجلس النواب الأمريكي الذي فرض المزيد من العقوبات على سوريا، إضافة إلى تلك التي فرضها الرئيس بوش في مايو من العام نفسه بموجب قانون "محاسبة سوريا واستعادة استقلال لبنان"، هي معالم على طريق واحد تؤدي إلى هدف واحد: إخراج سوريا من لبنان.

وفي حضن هذه الثقة، ولدت شجاعة جديدة، وبدأ النبض يعود إلى جسد المجتمع السياسي اللبناني السقيم. فمن الصحف المعارضة، إلى مؤتمر البريستول، وقبله مؤتمرات الـ "كارلتونات" (من أوتيل كارلتون) السياسية الصاخبة، مرورا بتمرد وليد جنبلاط (المحلي لا الإقليمي) على سوريا، كان خيط رفيع واحد يؤدي إلى خلاصة واحدة: الخوف يتراجع، والجرأة تتقدم.

الخوف ممن؟ من القمع الأمني السوري، الذي نجح طيلة ربع القرن الماضي في إخضاع الليبرالية اللبنانية للإملاءات الشمولية.

الجرأة على ماذا؟ على ممارسة الفعل الديمقراطي في لبنان مع نظام لاديمقراطي في سوريا، من دون أن يؤدي ذلك إلى قلب طاولة الاستقرار، أو إقامة المتاريس، أو نصب المدافع.

وهكذا، بتنا نسمع جنبلاط يُـعلن بقوة أنه "إبن كمال جنبلاط"، المتهم باغتياله طرف إقليمي. وهكذا أيضا، كان كتاّب الافتتاحيات في "النهار" يستعيدون تقليدا، ظن الكثيرون أنه تلاشى في الصحافة اللبنانية منذ 30 عاما، وهو توجيه الانتقادات إلى الملوك والرؤساء العرب.

مبالغات؟

قد يُـقال هنا، أن الحديث عن معركة ديمقراطية لبنانية بحتة مع دمشق، فيه قدر كبير من المبالغات والقفز فوق المعطيات الحقيقية للصراع الراهن.

فالكثير من المتمردين على النمط الحالي للسياسة السورية يرقصون على أنغام أمريكية، ويرتدون تحت قمصانهم "تي شيرت" العم سام، ويتغذّون بآخر وجبات "الهامبرغر" و"الهوت دوغ".إنهم رجال قرار مجلس الأمن رقم 1559 الأمريكي الذين يبحثون الآن عن دولة وزمان خاصين بهما، بعيدا عن دولة ورجال الزمن السوري الذي هيمن على السياسات اللبنانية منذ عام 1976.

وبالطبع، هؤلاء لا يشكلّون "كتلة تاريخية" جديدة متراصة:

1- ففيهم الساسة ورجال الدين الموارنة الذين يرون في بدء هبوط النفوذ السوري فرصة لبدء صعود النفوذ الماروني مجددا إلى ساحة الفعل السياسي. وفي الذهن هنا، ربما، إعادة النظر بإتفاق الطائف وإستعادة صلاحيات رئيس الجمهورية.

2- وفيهم السياسيون "الموسميون" كجنبلاط، وهؤلاء بارعون في التقاط التحولات الإقليمية والدولية، وعباقرة في معرفة متى وأين يجب أن تُـؤكل كتف التوازنات الجديدة.

3- كما إنهم يضمون قطاعات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. فنجد بينهم شيوعيين سابقين ومثقفين إشتراكيين، إلى جانب يمينيي "القوات اللبنانية" والأحرار، والتيار الوطني الحر. كما نجد نوابا سنـّة كمصباح الأحدب وغيره مع نواب مسيحيين، في زورق واحد ترفع على أشرعته ألوان العلم الأمريكي.

لكن، هل "أمريكية" هذه المعارضة يُـسقط عنها فعاليتها أو قدرتها على الفعل؟ في السابق نعم، أما الآن لا. المقصود "في السابق"، هو تلك الفترة التي أطلقت فيها الولايات المتحدة يد سوريا في تطبيق صفقة إتفاق الطائف الإقليمية- الدولية كما تشاء، خاصة في السنوات التي تلت مشاركة دمشق في حرب الكويت.

والمقصود بـ "الآن"، هو حقبة ما بعد قرار 1559، التي شهدت بدء إستعادة واشنطن لـ "حصصها" في صفقة الطائف، سواء بين المسيحيين أو السنّـة أو حتى بين بعض قطاعات الشيعة.

وبين السابق والآن، بات في مقدور المعارضة، ليس فقط الإطلالة برأسها بقوة، بل أيضا فرض نفسها كقوة سياسية يجب الاعتراف بوجودها داخل السلطة وخارجها.

التفاعل

كيف يمكن أن تتفاعل هذه العوامل الداخلية مع موازين القوى السورية - الأمريكية في 2005؟

ثمة أحاديث قوية حاليا في بيروت عن أن دمشق ستزاوج بين سلوكين إثنين خلال الشهور القليلة المقبلة. الأول، إحكام قبضتها السياسية على لبنان (أساساً عبر الانتخابات النيابية في الربيع المقبل). والثاني، تخفيف قبضتها العسكرية – الأمنية. ثم إتباع كل ذلك بمحاولة إجراء مقايضة جديدة مع واشنطن، وهي ستراهن هنا على سلسلة المقايضات التي أبرمتها سابقاً مع الإدارة الأمريكية والتي كُـلّـلت بالنجاح.

ففي عام 1976، كانت المُـقايضة حول المقاومة الفلسطينية في لبنان. وفي عام 1983، كانت حول إنحسار الاحتلال الإسرائيلي نحو الجنوب. وفي عام 1989، تمّـت مُـقايضة الدعم السوري للأمريكيين في حرب الكويت بالدعم الأمريكي للسوريين في حرب ميشيل عون. والآن، يُـفترض أن تتكرّر المبادلة بين ورقتي العراق ولبنان.

لكن مهـلا.. هل صحيح أن المقايضة الآن ستنجح كما في الأمس ؟ ألا يُـحتمل أن يكون هناك هذه المرة جدول أعمال أمريكيً سرّيً لم تكتشفه سوريا بعد؟

ما فتئ السياسيون والصحفيون اللبنانيون الموالون لواشنطن يؤكّـدون وجود مثل هذه الأجندة منذ شهر أغسطس الماضي، حين بدأ بشار الأسد منارواته الكبرى لتسهيل التجديد للرئيس إميل لحود، وهم يشددّون على أن واشنطن باتت تعتبر القضية اللبنانية ملفاً مستقـلا عن قضية الشرق الأوسط، وأن لبنان، بالنسبة لها، استعاد أهميته بصفته النظام التعددي والديمقراطي الوحيد في المنطقة العربية. ويبدو أن هؤلاء على حق.

فمؤخراً، نشر الكاتب الامريكي جيم هوغلاند، المقرّب من البنتاغون والبيت الأبيض، مقالا خطيرا (بالنسبة لدمشق)، قال فيه إن تعثّـر مشروع إدارة بوش لنشر الديمقراطية في العراق، يجب أن يدفعها إلى "عصر" سوريا لإنهاء سيطرتها على لبنان، بهدف مساعدة هذا الأخير على "إقامة ديمقراطية حقيقية" تكسي باللحم عظام رؤى بوش حول تغيير الشرق الاوسط". ومؤخراً أيضاً، دعا نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني إلى تطبيق "النموذج اللبناني" في العراق.

لبنان بدل العراق؟

شعار جميل. لكن الطريق إلى جهنم مفروشة دوما بالشعارات الجميلة، كما يُـعرف جيدا العراقيون حاليا، الذين آمنوا في البداية أن أمريكا جاءت إليهم من أجل صناديق الاقتراع، وليس من أجل براميل النفط.

وبالمثل، فقد يكتشف اللبنانيون قريبا أن واشنطن لا تريد في الواقع لبنانهم نموذجاً للديمقراطية، بل حلبة ملاكمة لتصفية حسابات سابقة أو لفتح حسابات جديدة، العديد منها موضوع في خدمة الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي.

وإذا ما حدث ذلك، ستكون رقصة لبنان في 2004 على شفير الخطر، مجرّد تدريب لرقصة أخرى في 2005 على شفير الهاوية.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة