Navigation

لماذا فجّر الملك عبد الله قنبلته ؟

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أثناء إلقاءه لخطاب في افتتاح الدورة 14 لمجلس النواب الأردني يوم 1 ديسمبر 2003 Keystone Archive

"الملك الأردني عبد الله الثاني فجّر قنبلة قوية الدوي في وجه السلطة الفلسطينية، ولم نعرف حتى الان السبب الحقيقي لذلك".

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 أغسطس 2004 - 14:02 يوليو,

هكذا رأى مسؤول فلسطيني مقرّب من رئيس الوزراء أحمد قريع في معرض التعليق على التصريحات النارية التي أطلقها قبل أيام العاهل الأردني.

وكانت تصريحات الملك عبد الله الثاني قد تمحورت حول المحاور الاتية:

- من المؤسف أن نرى ما رُفض في الامس بوصفه خيانة، يُقبل الان بوصفه مطلبا وإنجازا عظيما.
- قيادة السلطة الفلسطينية تتقدم بمطالب متغيّرة دوما حول عدد اللاجئين (فلسطينيو 48) الذين يجب ان يسمح لهم بالعودة الى إسرائيل.
- كما انها تتقدم بمطالب اكثر تغيرا حيال الأراضي. في البداية، تمحورت القضية حول إعادة 98 بالمائة من الاراضي الفلسطينية المحتلة، والان تدور حول أقل من 50 في المائة من هذه الارض. ولا نعرف كم ستكون النسبة بعد سنة أو سنتين من الان.

اجـتـهـادان

إتهامات خطيرة ؟.
أجل بالتاكيد.
والاخطر انها أتت على لسان ملكية هاشمية، لطالما اشتهرت بانها تلتزم فضيلة الصمت والدبلوماسية الهادئة في التعاطي مع القضايا الاقليمية الشائكة، وفي المقدم منها القضية الفلسطينية.

ما الذي، إذن، حدا بالملك الى الخروج عن هذه الفضيلة؟.
ثمة إجتهادان هنا:

الاول، أن عبد الله يمتلك معلومات محددة عن إتفاقات أو مفاوضات سرية بين بعض الاطراف الفلسطينية وبين إسرائيل، يقبل بموجبها الفلسطينيون ما تعرضه عليهم الان تل أبيب وواشنطن: انسحاب كامل من غزة، ونصف أو حتى ربع إنسحاب من الضفة الغربية.

والثاني، ان عبد الله يخشى أن تؤدي الجهود الراهنة لاعادة تعويم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الى أثمان باهظة، تتمثل أساسا في قبول هذا الاخير بشعار "غزة أولا واخيرا" كأمر واقع، وبالتالي ترك الضفة الغربية التي تعتبر العمق الاستراتيجي للأردن، لقمة سائغة في فم الاسرائيليين.

هذان الاجتهادان، التفاوضي والواقعي، اللذان يصبان كما هو واضح في محصلة واحدة، عززتهما جملة تطورات عدة على الارض فاقمت من مخاوف الاردنيين اهمها:

1- قرب توصل حزبي الليكود والعمل الاسرائيليان الى إتفاق سياسي لدعم مشروع "غزة أولا"، إما في إطار حكومة وحدة وطنية يشارك فيها العمل في السلطة، أو في إطار حكومة طواريء وطنية يساندها العمل من خارج السلطة. وبالطبع، مثل هذا التطور سيؤدي الى نسف خريطة الطريق التي كان الملك عبد الله يعّول عليها كثيرا لمنع تمدد الازمة الفلسطينية الى داخل حدوده.

2- الإتفاقات السريعة التي تبرمها الحكومة المصرية مع حركة "حماس" وباقي الفصائل، لضبط الامن في غزة بعد الانسحاب الاسرائيلي. وهذا ما يمكن ان يترك الاردن وحيدا في مواجهة الفوضى المحتملة في الضفة الغربية المحاذية له.

3- هذه المخاوف الاخيرة تعززت بعد أن سرّب مستشار الامن القومي الاسرائيلي الجنرال غيورا أيلاند مشروعا تتبادل بموجبه مصر واسرائيل الاراضي في صحراءي سيناء والنقب بهدف توسيع رقعة "الدولة الفلسطينية" في غزة. وهذه الصفقة الثنائية، في حال حدوثها، ستمّكن إسرائيل من السيطرة الكاملة على الضفة الغربية وتنفيذ خطة "الترانسفير" (التهجير) بحق أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني من الضفة الى الأردن.

4- وأخيرا، الحديث المتصاعد في أوساط اليمين الاسرائيلي عن أن المرحلة التالية بعد مشروع غزة، ستكون إحياء شعار شارون القديم حول أن الاردن، بتركيبته السكانية والجغرافية والتاريخية، سيكون هو فلسطين.

الانقلاب

هذه التطورات مجتمعة دفعت الملك عبد الله الى الشعور بالعزلة الشديدة المشوبة بالقلق الشديد.. وهو شعور في محله تماما.

فالأردن تحّول بين ليلة وضحاها من "مشروع إمبراطوري" كبير يطمح الى مد النفوذ الهاشمي الى العراق وما بعده، الى قوقعة صغيرة تنغلق على كيانها الاصغر خوفا عليه من الاندثار داخل مشروع إسرائيل الكبرى.

وكما هو معروف، برزت عمّان شامخة خلال التحضير للغزو الاميركي للعراق، بكونها قوة إقليمية تقف على قدم المساواة مع تركيا وإسرائيل، ومن ورائهما الولايات المتحدة. ولا عجب. فالاطراف الاربعة كانت مرشحة لتكون الآب المؤسس للنظام الاقليمي الشرق اوسطي الجديد، الذي يفترض ان يحل مكان النظام الاقليمي العربي.

لا بل ذهبت بعض الدوائر الاميركية الى حد التفكير بوضع العراق تحت وصاية هاشمية أردنية (تحت قيادة الامير الحسن بن طلال)، فيما كانت الدوائر الاسرائيلية تتحدث عن إشراف أردني على كيانات قبلية - طائفية جديدة في الشمرق العربي تحل مكان الدول العربية الحالية.

إضافة، قبل انقلاب الرئيس بوش على القضية الفلسطينية، والذي تم بموجبه تقديم وعد بلفور جديد بتمديد الوطن القومي اليهودي الى الضفة الغربية، كانت كل المؤشرات تدل على أن الاردن سيمارس نفوذا كبيرا في أية دولة فلسطينية ستنشؤها خريطة الطريق، وبأن قواتها العسكرية ستشارك في ضمان الامن في هذه الدولة.

بيد ان كل هذه الاحلام الامبراطورية الوردية تتبدد الان هباء منثورا.

فإنفجار الوضع الامني (والسياسي) في العراق، قلب الاوضاع رأسا على عقب بالنسبة للأردن: بدلا من الهجوم لاكتساح المواقع في بلاد ما بين النهرين، بات الدفاع عن النفس داخل الحدود الاردنية هو الامل والرجاء. وبدلا من أن يشكّل الاردن الرئة الضرورية للوجود العسكري والامني الاميركي في العراق، أصبح عبئا على هذا الوجود مع تحولّه الى ساحة إطلاق نار إقيلمية.

وكما في العراق، كذلك في فلسطين: بدلا من نفوذ أردني في الدولة الفلسطينية، بات الخوف الان (وبعد تفاهمات بوش – شارون، وما يبدو أنه تفاهمات مصر – إسرائيل) من تحّول الاردن نفسه الى دولة فلسطينية.

كبش المحرقة؟

هذه الإنقلابات الدرامية، ترسم صورة مثيرة عن طبيعة المرحلة الانتقالية الخطرة التي يمر بها الاردن. فكل الاوراق بالنسبة لمصيره متطايرة في الهواء. وبطن الكيان، ومعه الخريطة الجغرافية، مفتوح على مصراعيه أمام مختلف أنواع المباضع. فهل يصمد؟.

العوامل الذاتية تشجع على الرد بالايجاب. فالاردن يمتلك دولة قوية ("شرسة" وفق تعبير الباحث بسام الطيبي). وهي تمكّنت طيلة نصف القرن المنصرم من الصمود في وجه أعاصير كانت ربما أعتى من العواصف الحالية. هذا إضافة الى ان النظام الاردني يسند سلطته الى تحالفات قبلية متينة تساعده على إحكام قبضته على المجتمع.

لكن، هل هذه العوامل الداخلية متطابقة مع العوامل الخارجية؟. بمعنى: هل ما زالت أميركا ملتزمة بوجود الكيان الاردني ودوره؟. وهل تنوي إسرائيل مواصلة إحترام اتفاقات وادي عربة التي اعترفت بموجبها بحدود الاردن الحالية بصفته دولة أردنية، وأيضا بصفته حاجزا استراتيجيا بين الدولة العبرية والدول العربية؟.

الملك عبد الله لـمّـا يحصل بعدُ على إجابات مطمئنة لا من واشنطن ولا من تل أبيب. وهذا ما يجعل عمّان الان تقلق كثيرا وتتوتر كثيرا.

وحرارة هذا القلق ترتفع بحدة الان، مع ما يبدو انه إنقلابات إقليمية – دولية قد تهدد بجعل الاردن كبش المحرقة الاول على مذبح ألهة فلسطين الغاضبة.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.