تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

لمن ستؤول المواجهة بين بن فليس وبوتفليقة؟

منذ إزاحته من رئاسة الحكومة، تردت العلاقة بين الأمين العام لجبهة التحرير علي بن فليس والرئيس بوتفليقة

(Keystone)

قبل أقل من عام على الانتخابات الرئاسية، اندلعت أزمة سياسية حادة داخل حزب جبهة التحرير الوطني بين أنصار الرئيس بوتفليقة والأمين العام علي بن فليس.

وتتزامن هذه الأزمة الجديدة مع إطلاق سراح كل السجناء القبائل بعد أزمة استمرت في بلاد البربر قرابة العامين.

اندهش المراقبون وهم يرون مجموعة من الكلاب تهاجم مقر محافظة حزب جبهة التحرير الوطني في "مستغانم" 300 كلم غرب العاصمة.

وازدادت الدهشة عندما رأوا أن مجموعة من مقرات جبهة التحرير الوطني تهاجم في وقت واحد في العديد من ولايات غرب الجزائر نهاية الأسبوع الماضي.

لم تكن الكلاب التي هاجمت مقرات جبهة التحرير وحيدة، بل كان يأمرها شباب غاضب، "يدعي" أنه من أنصار الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وأن بعضه تلقى "أوامر واضحة" من شخصيات مقربة من رئاسة الجمهورية.

كانت نتيجة المعارك بين المدافعين والمهاجمين في صالح المدافعين في أغلب الأحيان، وعندما كانت الغلبة للمهاجمين الذين يدعون أنهم أنصار الرئيس الجزائري، كانوا يعمدون إلى تغيير أقفال الأبواب وأختام الوثائق.

حدث كل هذا والشرطة لم تحرك ساكنا إلا في ولاية البليدة، 50 كلم غرب العاصمة، بسبب هول ما حدث، لأن الاشتباكات بين أنصار بن فليس وبوتفليقة كادت تصل إلى حد التقاتل.

أما سبب هذه الأحداث الخطيرة، فيُرجعه أنصار بوتفليقة إلى الظلم الذي لحق بهم خلال المؤتمر الثامن لحزب جبهة التحرير الوطني قبل حوالي شهرين، عندما أُعيد تعيين علي بن فليس أمينا عاما للحزب الذي حكم الجزائر بمفرده منذ استقلالها وحتى أول التسعينات، ورفض المؤتمر بموافقة بن فليس إدراج مسألة إعادة الثقة في شخص بوتفليقة حتى يترشح لفترة رئاسية ثانية.

حجة يراها أنصار بن فليس غير مقنعة، لأن القرار اتخذ بالأغلبية وليس من حق أحد أن يُملي على جبهة التحرير الوطني ما تفعله، على حد قول علي بن فليس في ندوة صحفية.

معركة الرئاسة 2004

الواقع، أن غضب أنصار بوتفليقة ناجم عن مفاجأة كبيرة شعر بها الرئيس الجزائري عندما لم يُزكى من قبل جبهة التحرير الوطني لولاية رئاسية ثانية، لأن موقف جبهة التحرير الوطني حاسم جدا ووقوفها إلى جانب مرشح ما، سيخدمه دون أدنى شك.

ومما زاد الوضع تعقيدا هو سكوت الرئاسة بشكل كامل، بالإضافة إلى رفض وزارة الداخلية التعليق على ما وُصف أنه تواطؤ مع المهاجمين لمقرات جبهة التحرير الوطني، عندما وقفت قوات الشرطة موقف المتفرج على الأحداث.

هنا، أخرج شيطان القبلية والانتماء قرونه، حيث شاعت في الصحافة وعلى لسان السياسيين أن وزير الداخلية نور الدين يزيد زرهوني من نفس مدينة الرئيس، أي "تلمسان" 600 كلم غرب العاصمة. ويضيف المنتقدون أن أغلب الموظفين في رئاسة الجمهورية هم من غرب البلاد، بالإضافة إلى ولاة الأقاليم الذين رفضوا أن تتدخل الشرطة لفض النزاع. وفي نفس الوقت، تبين أن أغلب الذين ينتقدون ما حصل هم من شرق البلاد.

الوقوف موقف الحياد في هذا الوضع أمر ممكن، لأنه من الناحية الحزبية ليس لأنصار عبد العزيز بوتفليقة، سوى الاحتجاج بالطرق الديموقراطية. فعندما خسر بوتفليقة دعم جبهة التحرير الوطني، كان أنصاره داخل قاعة التصويت وعجزوا عن ضمان دعم لرئيس الجمهورية.

في نفس الوقت، من حق الجميع أن يتساءل عن حقيقة تصريحات علي بن فليس عندما قال، "نريد فتح صفحة، جديدة وحزب جبهة التحرير لن يدعم أحدا بالرغم عنه".

كلام مثير للانتباه، لأنها المرة الأولى التي لا تقف فيها جبهة التحرير إلى جانب رئيس جمهورية "في الخدمة"، ويجب انتظار انتخابات العام المقبل حتى يُعرف ما إذا كان بن فليس محقا، لأن فوزه بالانتخابات في حالة ترشحه قد يزيد من شكوك البعض حول تلقيه دعم مؤسسات الدولة بما فيها الجيش، الذي قيل في الصحافة إنه سئم من تصرفات الرئيس.

إلى أين ستؤول المواجهة؟

هناك تخوف كبير مما ستحمله الأيام القادمة، لأن أنصار الرئيس استقدموا عبد القادر حجار، سفير الجزائر في طهران، الذي أعلن أنه يدعم عبد العزيز بوتفليقة، وأن علي بن فليس غير مناسب للحزب، لأن معارضة الرئيس قد تجلب المصائب لجبهة التحرير الوطني.

والمثير أن سفير الجزائر في طهران أعلن أنه يفضل الاستقالة من منصبه حتى يتفرغ لجبهة التحرير الوطني، ومعنى التفرغ هو إسقاط علي بن فليس وإبعاد أنصاره، لأن عبد القادر حجار متعود على الانقلابات داخل جبهة التحرير، إذ شارك في ما سماه شخصيا "المؤامرة العلمية" التي أسقطت الأمين العام الأسبق لجبهة التحرير الوطني، عبد الحميد مهري عام 1996 بسبب مواقف مهري المؤيدة آنذاك للحوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة.

لا يوجد شك في أن جبهة التحرير تبدو الآن ملتفة حول شخص الأمين العام علي بن فليس، غير أن ضغط أنصار الرئيس قد يُصبح هائلا قبل اشهر طويلة على موعد الانتخابات الرئاسية، والصيف هذا العام، قد يصبح أكثر سخونة من المتوقع.

سخونة سياسية متوقعة، أظهر الرئيس الجزائري تجاهها حنكة كبيرة. فبعدما رفض إطلاق سراح العشرات من السجناء القبائل منذ قرابة العامين، قرر قبل عام واحد من الانتخابات الرئاسية إطلاق سراحهم جميعا بمن فيهم دعاة الاستقلال الذاتي لبلاد القبائل عن باقي الجزائر، ومن بينهم زعيمهم الجديد بلعيد عبريكا.

وأطلق الرئيس الجزائري مبادرة حوار أخرى مع القبائل عن طريق رئيس الحكومة الجديد أحمد أويحيى ذي الأصول القبائلية والمؤيد، من حيث النظرة إلى الحياة الديموقراطية، للقبائل المحتجين في الشوارع.

صحيح أن قادة القبائل الذي أُطلق سراحهم لم يغيروا من موقفهم شيئا، وقال زعيمهم بلعيد عبريكا، إنه لم يطلب من أحد إطلاق سراحه، غير أن تيارات ما يُعرف بالقبائل العروشية، التي يتزعمها قادة مثل عبريكا، تُجري الآن لقاءات مع المواطنين القبائل لإقناعهم بجدوى الحوار مع السلطات.

وفي حال استمرار الحوار والهدوء في بلاد القبائل، لن يبقى للرئيس الجزائري سوى مسألة التفرغ للوضع داخل جبهة التحرير الوطني.

أمَّـا هل سينجح بوتفليقة في مسعاه أم لا؟ فلن يتوقف ذلك على استعمال بعض المتحمسين، بل يتوقف الأمر على نجاح كل من بن فليس وبوتفليقة في الحصول على دعم الإدارة الجزائرية والمؤسسة العسكرية.

مواقف مؤيدة ليس من السهل الحصول عليها، لأنها تقتضي تنازلات واتفاقات أثبت بوتفليقة أنه منزعج من أكثرها، وهو يزاول مهامه رئيسا للجمهورية، في حين لم يُجرَّب بن فليس في مواقف كهذه.

في هذا المقام، يطرح بعض المتتبعين مسألة الاستمرارية على اعتبار أن بوتفليقة وبن فليس من مدرسة واحدة، وأن التغيير من أجل التغيير غير مفيد، في الوقت الذي يرى فيه آخرون أن هذا المنطق غير سليم في دولة من دول العالم الثالث، وأن التغيير والاستقرار مسألة لا ترتبط بالانتخابات والمنتخبين، بل بالمصالح والمنتفعين.

هيثم رباني - الجزائر


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×